علي عبد السادة تتقن الحكومة غلق الحوار مع الشارع، وتقترف معه فجوة أوسع من ذي قبل. تبخل على نفسها وعليه بفرص تنقية الاجواء وتهدئة الغاضبين من ادائها. وعلى العكس، تدفع الامور لمزيد من التشنج.. وان كانت لا تعرف، فان الشارع بقياداته المدنية وجمهورها مصدوم، مرتاب من وجه اخر لمن انتخبه. وجه اختار ان يُسكِنَ القلق والخوف في صفوفهم.
بات من غير المجدي الدفاع عن شرعية التظاهرات ومطالبها؛ فالصورة الجديدة لنصب الحرية اثبتت ذلك. وفي الوقت عينه لم يعد ممكنا الخوض في حديث مسهب عن ان (قلة) من المندسين والمشاغبين، المخربين، لا يمثلون، بتاتا، عموم مشهد ساحة التحرير، فالاغلبية المنادية بالاصلاح فرزت هؤلاء دون الحاجة الى هراوات السلطة برسم قوات مكافحة الشغب. ما يعني، بالضرورة، ان مرور اكثر من سبعة أيام على جمعة الغضب وما لحقتها من اخرى للكرامة، كان كافيا لان تقتنع الكتل السياسية ان حصيلة اخطاء وخطايا ثماني سنوات من عمر العراق الجديد جعلت النقم يصل درجة الطفح، وبات الصبر على بواعث امتهان الكرامة، صعبا، ان لم يكن مستحيلا.وبدلا من ان تظهر السلطة (حكمتها) بوصف جديد تحت يافطة الشراكة، خونت وشككت بمواطنة المتظاهرين، وبدلا من أن تنسجم مع صوت، اختارت الاستماع لتقارير ووجهات نظر المستشارين وبعض المقربين وذوات العلاقة ورجالات وعرابي احزاب وقوى راضية منتفعة من خلطة النفوذ والحصص.بدلا من ان يترك القادة والنواب والوزراء واصحاب الدرجات الخاصة هواءهم النقي في"الخضراء"ويدخلوا التحرير، على الاقل لسماع الغاضبين، اعجبهم الطابق الرابع من المطعم التركي، المشهد الساخن من الاعلى يبدو اكثر اثارة.بدلا من اظهار اراداتهم على حماية اهم عناصر المجتمع المدني، اعتقلوا وضربوا متظاهرين ونشطاء فيس بوك وصحفيين.بدلا من أن يشعر شركاء الحكومة بانهم متهمون دون استثناء بتشويه تجربة العراق الجديد، وانهم مشمولون بغضبة العراقيين، اختاروا اللعب بورقة (التحرير) لضرب الخصوم تحت الحزام من جهة، وتطويع قوة الشارع من جهة اخرى. اختارت أيضا مطاردة صحفيين وقيادات شابة وتطوق وتغلق مقار قوى وصحفاً ومراكز رأي. في حين انها لم تلاحق مسؤولا فاسدا، ولم تطوق دائرة المحسوبية، ولم تنه اضحوكة المحاصصة التي تنجب، كالارنب، حكومة تعاني التضخم، بمناصب لا حصر لها من الاسماء والتخريجات.بدا كل شيء مختلفا، الخطاب ولغة الساسة شيء، وما يجري تطبيقه على الارض شيء اخر، كأنه الفرق بين حكومتين؛ احدها ديمقراطية شفاهيا، والاخرى ظل غير متطابق يحوك الاستبداد خيطا خيطا.دخل الشارع العراقي ساحة القرار السياسي والمشاركة فيه بفاعلية من الباب الصحيح، وهو يقترف، في سابقة مدنية غاية في الاهمية، نشاطا رياديا في التأثير ومسك واحد من اطراف موازين القوى وربما التأثير فيه، بينما استكثرت الحكومة رد فعل يرتقي الى ما جرى في ساحة التحرير.هل لا تزال الحكومة تعتقد بان التظاهرات تستهدف وجودها، وهل ثمة قناعة راسخة لديها بان اتهامها، وكل الاذرع التنفيذية في المحافظات، بالتقصير يعني ان الغاضبين يريدون إسقاط النظام.. لم كل هذا الهلع؟ بينما كان بامكان الحكومة ان تجعل من ساحة التحرير مقرا دائما لها، كان بالامكان جعل المتظاهرين قوة ودعما تستعين به السلطة التنفيذية لكنس قذارة الفساد والمحاصصة إلى الابد. لكن للاسف، كانت هذه فرصة ذهبية لتنشيط الحياة السياسية واهدرتها الحكومة بجدارة.
بالعربي الصريح :فرصة ذهبية اضاعتها الحكومة

نشر في: 6 مارس, 2011: 07:03 م







