علــــي حســين لم أصدق نفسي وأنا أشاهد واسمع النائب علي العلاق وهو يخرج الدستور من جيب "جبّته" ويصرخ ضد لجنة حقوق الإنسان في البرلمان لأنها قدمت تقريراً ينتصر لحق العراقيين في التظاهر، ولأنها طالبت بمحاسبة المسيئين. بقيت متفرجاً على المشهد، الذي آثار انتباهي فيه أمران، أولهما الغضب الذي بدا على ملامح الشيخ العلاق وهو يرد على اللجنة البرلمانية، وكأن هذه اللجنة تتحدث عن شعب غير الشعب العراقي ولهذا من غير المنطقي أن يقوم مجلس النواب
بتشكيل لجنة تناقش الانتهاكات التي تعرض لها نفر ضال من "البدون" يسعون لتخريب المسيرة الديمقراطية التي يرفع لواءها الحاج العلاق، وثانيهما إصرار البعض من النواب على استعداء الشعب وتخوينه والتسبيح ليل نهار بقرارات الحكومة حتى لو جانبها الصواب.. وبالمناسبة هذه ليست المرة الأولى التي أرى فيها السيد العلاق ينتفض من اجل التستر على الفاسدين والمخربين فقد اطل علينا في أكثر من مناسبة وهو يدافع عن قرارات جائرة وخاطئة ارتكبتها مجالس محافظات أساءت لتاريخ الشعب العراقي وحضارته.لو أخذنا ما صرح به العلاق على محمل الجد، ولو جرى تقييمه بعيدا عن اعتباره نوعا من كوميديا الأبيض والأسود على غرار ما كان يقدمه المرحوم إسماعيل ياسين، فإن شيئاً ما يحاك في الخفاء لكل من يتظاهر مطالبا بأحقية الشعب العراقي في العيش بكرامة وحرية، ومن غير المستبعد إذا جرت الأمور على هذا النحو الهزلي أن يطالب بعض النواب باتخاذ إجراءات لتأديب هذا الشعب الضال.والغريب أن الذين يصلون الليل بالنهار بحثا وتحليلا عن التظاهرات الأخيرة وينتهون إلى أنها تمثل خطراً محدقا باستقرار البلاد، هم أنفسهم الذين حاولوا إظهار استخفاف ساذج بهذه التظاهرات قبل انطلاقها، زاعمين أنها غير ذات تأثير على أحد، فماذا جرى حتى تسن الرماح وتشهر السيوف استعدادا للانقضاض على متظاهرين مسالمين خطؤهم الوحيد في نظر السيد العلاق ومن لف لفه إنهم رفعوا شعارات تطالب بالإصلاح ومحاسبة الفاسدين وتقديم الخدمات للناس.من الواضح أننا أمام طريقة مختلفة في التعامل مع العراقيين، سيكون طابعها الخشونة والاستبداد، خصوصا أن البعض يصور ما حدث في الجمعتين الماضيتين على أنه مؤامرة من "أعداء الوطن" الذين يتداولون أفكارا وطروحات حول والإصلاح والخدمات وغير ذلك من مفردات نابية وعدائية بحسب ذهنية قياديي دولة القانون. صحيح أنه من المهم الانتباه إلى أن البعض مصاب بنوع من "فوبيا التظاهرات" تجعله كلما ذكرت كلمة تظاهرة يستغرق في نوبة من الهرش وحك الجلد بعنف حتى تسيل منه عبارات التخوين والشتائم. بدلا من أن ينشغل السيد العلاق بمناقشة ملفات الفساد والدفاع عن حقوق المواطنين الذين انتخبوه قرر التفرغ لكتابة بيانات الحكومة التي تهاجم كل من سولت له نفسه الخروج إلى ساحة التحرير.منتهى الاستخفاف بإرادة الناس والاستفزاز لمشاعر العراقيين حين يخرج عليهم نواب الشعب يدافعون عن إجراءات خاطئة اتخذتها الحكومة، ومنتهى الاستفزاز لمشاعر الناس حين يشارك نواب في مهرجان الشعوذة السياسية الذي تريدنا الحكومة أن نكون مهرجين فيه.السيد العلاق أتمنى أن تجيب على سؤال يشغلني منذ اللحظة الأولى التي شاهدتك فيها تدافع عن الزيدي وأمثاله: يا سيدي لو أن معاناة العراقيين ونكبتهم قد حلت بشعب آخر هل سيظل مواطن في بيته، أو هل ستبقى الحكومات تفسد وتستهتر بمقدرات الناس وتكذب وتزيّف وتهرب من مواجهة الحقيقة، هل تريدون أن تظل دماء العراقيين ماءً، ومستقبلهم هباءً، وحقوقهم مهضومة ونفوسهم مكلومة يصرخون فلا من مجيب، وينوحون فلا من مشفق. السيد العلاق إن مشكلة بعض سياسيي اليوم أن الناس لا تصدقهم مهما تحدثوا، ومهما استخدموا من حجج ومبررات وأسانيد، هناك فرق بين أن يعتقد الناس في صحة كلامك من عدمه، وبين قدرتك على التخاطب والتواصل مع الناس.مخاطبة الناس، هي نقطة ضعف عند البعض، لكنها ليست هي الأساس في عدم تصديق الناس لهم، فالصدق له مواصفات أخرى لا يمتلكها البعض للأسف. السيد العلاق ستظل الناس لا تصدق كلامكم، إلى أن تجيب عن السؤال الذي تخاف الاقتراب منه، وهو: لماذا تصابون بنوبة من الدروشة كلما حاولت الناس محاسبة الفاسدين والمفسدين.
العمود الثامن : دروشــة علــي العــلاق

نشر في: 6 مارس, 2011: 08:22 م







