هاشم العقابيالأمثال الشعبية واحدة من اسلحة الناس للتعامل مع الواقع. بعضها تجدها تحث على الخنوع والتكاسل بحجة الصبر أو لتجنب التهللكة. مثل: "أصبر على الحصرم تاكل العنب" و "امشي شهر ولا تطفر نهر" و "شين التعرفه احسن من زين الما اتعرفه" "وجف الما تكدر تلاويها بوسها". الخ. هذه الامثال وما يشابهها لا تهدف الا الى تحذير الانسان من الثورة على الواقع ومن ثم تخديره.
وعلى العكس من ذلك، هناك أمثال، لا ادعي انها تحث على الثورة بشكل مباشر، انما تجدها تعينك على وصف او حتى تحليل حالات تجد نفسك حائرا بوصفها. هذا النوع يطلق عليه "حسجة" لأنه مكثفا لغة ومعنى.منذ أيام وأنا أتابع ما يجري بليبيا، الى حد لم تشغلني عنها متابعتي لما يحدث بالعراق هذه الأيام. واهتمامي بثورة الليبيين له اكثر من سبب. اهمها هي ان الطريقة التي يتم بها قمع المتظاهرين لا تختلف عن طريق قمع الانتفاضة العراقية في العام 1991 لتذكرني بجرائم النظام المباد. وسبب آخر، هو ان الجيش الليبي تصرف بطريقة مغايرة تماما لطريقة الجيشين التونسي والمصري. والسبب الثالث، الذي أراه أكثر إثارة، هو خطابات القذافي وأحاديثه التي صارت تضحك الناس لأنها شر البلية بامتياز.متابعتي المتواصلة كانت تلح علي ان اكتب شيئا حول ثورة الشعبي الليبي. لكني كلما وضعت أصابعي على الكيبورد تتلمكني الحيرة ولا اجد كلمات ملائمة لتشفي الغليل. فالقذافي يصلح ان تراه او تسمعه لا لتكتب عنه. لان الكتابة، في رأيي، لا يمكن ان تمتلك قدرة الرد على مثله.الليلة وأنا أشاهد كلمات القذافي التي تحولت الى أغنية راقصة (بيت بيت .. دار دار .. زنكه زنكه) مثل أمامي قولاً يردده اهل الديوانية اكثر من غيرهم وهو: "مسودن وبيده فالة". و "مسودن" هنا كلمة لا يمتلك براءة اختراعها غير العراقيين. لا اعتقد انهم يعنون بها "الجنون". فالمغني الريفي، مثلا، عندما يريد ان "يصجم" ظالما، يقول: "ابنادم على بنادم تسودن".أي اذاقه مر العذاب. لكن البنت العراقية حين يخونها الوصف الدقيق لصفات حبيبها الرائعة تجيب صاحبتها لو سالتها عنه، انه "يجنن". والجنون لذيذ لكن "السوادين كارثة. يقول الشاعر:أنا المجنون لكن لذتي اخباليان رؤية "المسودن" وبيده فالة يضرب بها ذات اليمين وذات الشمال، قطعا تثير الرعب والهلع في النفوس. لكن كيف سيكون الهلع والرعب، لو استبدلنا الفالة لا "بالمكوار" بل بالطيارات المقاتلة والدبابات والمدافع والاسلحة الكيمياوية؟ اضف لذلك كله ان "المسودن" صارت بيده سلطة.الشيء الوحيد الذي اظن بحاجة الى دراسة هي ان نفتش عن هل كان القذافي قد "تسودن" قبل ان يتسلم السلطة أم بعدها؟ استعراض اولي لما شاهدناه في هذه الايام، التي تشهد تساقط الطغاة العرب، ان حب السلطة هو السبب في إصابة الطغاة بالـ "سوادين".وأنا عند هذه السطور الأخيرة تطلعت في وجه علي عبد الله صالح اليمني على إحدى القنوات، فايقنت ان الرجل قد صار ، هو الآخر، قاب قوسين او أدنى من "السوادين".سترك يا رب.
سلاماً يا عراق :القذافي.. مسودن وبيده فالة

نشر في: 7 مارس, 2011: 05:23 م







