عدنان حسينمن الواضح أن حكومة السيد نوري المالكي تزداد ضيقاً وبرماً بالمظاهرات، وهذا ما تفضحه ليس فقط الإجراءات الأكثر تشدداً التي اتخذتها يوم الجمعة الماضي للحؤول دون وصول المتظاهرين إلى أماكن التظاهر، وإنما أيضاً استمرار كبار المسؤولين في الحكومة، بمن فيهم رئيسها، في تبرير التعسف في حق المتظاهرين بأنهم يسعون إلى تهديم العملية السياسية وإسقاط النظام و"العودة إلى المربع الأول"، أي إلى عهد نظام البعث.
لا في مظاهرات جمعة الغضب ولا في مظاهرات جمعة الكرامة رأينا بعثيين أو قاعديين.الأغلبية العظمى من المتظاهرين كانت من الشباب المناصر للنظام الجديد والعملية السياسية، ولأنهم كذلك فهم يريدون إصلاح هذا النظام وتقويم العملية السياسية وتصحيح مسارها.. الهتافات الأكثر صخباً والشعارات الأوضح والأبرز في مظاهرات 25 شباط الماضي و4 آذار الحالي هي تلك التي دعت إلى مكافحة الفساد المالي والإداري وإنهاء نظام المحاصصة وإنفاق أموال النفط على الشعب "مو للحرامية" و إتاحة فرص العمل للخريجين وتوفير الخدمات العامة وإعادة إعمار البلاد وإحياء الاقتصاد الوطني الذي دمرته حروب نظام البعث، وتعزيز الحريات العامة وصون الحقوق المدنية.نعم كانت هناك شعارات تدعو لإسقاط النظام وهتافات تعرّض برئيس الوزراء شخصياً، لكنها اقتصرت على أقلية ضئيلة نبذها المتظاهرون، وهم ليسوا بعثيين في الواقع وإنما تابعون لجهة شريكة في الحكومة والعملية السياسية.. ليس ذنب المتظاهرين ولا مسؤوليتهم وجود هؤلاء في العملية السياسية والحكومة، وبعد ذلك في ساحات المظاهرات.المتظاهرون لم ينزلوا إلى الشوارع والساحات، قاطعين العديد من الكيلومترات مشياً على الأقدام، حباً في التظاهر أو للدخول في موسوعة غينيس لمشي المسافات الطويلة.. هم مواطنون عراقيون لبوا أكثر من مرة نداءات القوى السياسية للمشاركة في الانتخابات، متحدّين القاعدة وفلول نظام صدام، وانتخبوا مئات من مرشحي هذه القوى إلى مجلس النواب، وقبله مجالس المحافظات، وأعطوهم الفرصة الكافية للوفاء بوعودهم (أربع سنوات في الدورة البرلمانية السابقة وسنة كاملة منذ انتخابات العام الماضي وسنتان في مجالس المحافظات)، لكن معظم هؤلاء السياسيين خانوا الأمانة وخذلوا ناخبيهم الذين ظلوا يسمعون جعجعة إنفاق عشرات المليارات من الدولارات سنويا ولا يرون طحنا بقيمة ملايين في الأقل، فعيل صبرهم وضاقت صدورهم وخرجوا إلى الساحات والشوارع في مظاهرات سلمية لم يُسجل فيها عنف في مستوى العنف الذي حدث في تونس أو مصر أو اليمن أو ليبيا، بل إن العنف المرتكب جاء أكثره من القوى الأمنية، فلماذا هذا الإصرار العنيد من جانب الحكومة على وصم المتظاهرين بما ليس هو فيهم ولا هم منه، وهو"العودة إلى المربع الأول"؟هل يعود ضيق مسؤولي الحكومة بالتظاهرات إلى أنهم ينظرون إليها على أنها تنال من هيبتهم الشخصية ومن هيبة حكومتهم؟المتظاهرون لم يروا أي إجراء ملموس للتجاوب مع مطالبهم.. فقط سمعوا وعوداً وتعهدات سمعوا مثلها وأكثر منها في السنوات الماضية، تستطيع الحكومة أن تريح وتستريح بالبدء في إجراءات تطمئن الناس إلى جديتها في تلبية المطالب. فتح ملفات الفساد، على سبيل المثال، لا يحتاج إلى وقت طويل، آلاف من قضايا الفساد مكتملة وجاهزة على طاولات الحكومة ومجلس النواب وهيئة النزاهة، الأمر يحتاج فقط إلى قرار شجاع من رئيس الحكومة بفتح هذه الملفات وعدم الخضوع لابتزاز القوى السياسية التي تريد التستر على هذه القضية بسبب تورط مسؤولين كبار وعناصر منها فيها. لا يريد المتظاهرون أكثر مما جاء في شعاراتهم وهتافاتهم. وبالشروع بتلبية المطالب الأكثر إلحاحا، تضرب الحكومة عصفورين بحجر واحد: قطع الطريق على ما تعتبره محاولة لإعادة البلاد إلى المربع الأول (البعثي) وحفظ هيبة الحكومة ومسؤوليها.
شناشيل: لماذا صدر الحكومة ضيق؟

نشر في: 7 مارس, 2011: 08:22 م







