محمد مهر الدين.. تراكم الأثر والمخططات الغائرة

رقم العدد: 3650 تاريخ اخر تعديل: 5/20/2016 5:37:21 PM

خالد خضير الصالحي

 إذا سلمنا برأي الناقد الراحل شاكر حسن آل سعيد : "إن الذي يميز (الفنان) عن مدعي العمل الفني هو الموقف وليس الأسلوب أو التقنية"، فإننا في حالة الرسام الراحل محمد مهر الدين ملزمون بنسفها وإعادة تعديلها لتصلح للتطبيق عليه فنقول : (إن ما يميز الرسام

 إذا سلمنا برأي الناقد الراحل شاكر حسن آل سعيد : "إن الذي يميز (الفنان) عن مدعي العمل الفني هو الموقف وليس الأسلوب أو التقنية"، فإننا في حالة الرسام الراحل محمد مهر الدين ملزمون بنسفها وإعادة تعديلها لتصلح للتطبيق عليه فنقول : (إن ما يميز الرسام محمد مهر الدين عن مدّعي الرسم الحداثي ثلاث خصائص هي: الموقف والأسلوب والتقنية).

 

1

المشخّص واللا مشخّص بلّوْرة أولى

في بحثنا ودراستنا للرسم التشكيلي العراقي في (نسقــه) التجريدي، وعبر علاقة ذلك الرسم بالمشخّص، واعتبار تلك العلاقة (قانونا) تصنيفيا ممكنا؛ فقسّمنا الرسم التجريدي العراقي إلى: رسم خرج من المشخص، وظل وفياً له، ورسم خرج من اللا مشخص، وظل كذلك وفياً لمصدره اللا تشخيصي، وبينما يعتقد الكثير من النقاد العراقيين إن محمد مهر الدين قد انتقل من تقديس المشخّص إلى ما يناقض ذلك، فقد قضى سنوات السبعينات وهو يرسم الإنسان؛ وإذا به ينقلب على عقبيه ويتجه إلى التجريد، لكننا نعتقد أن المظاهر خدّاعة غالبا، حيث لم تنقطع صلة تجربة مهر الدين بالمشخّص؛ فكان ذلك المشخص يخضع لدرجات مضاعفة من التجارب المخبرية، ومن الأسلبة التي أجهزت على (الوجود الشكلي) للمشخص ولكنها لم تقض على آثاره، وروحه التي ظلت عالقة كشبح ضمن نسيج اللوحة، فما زالت موجودات ذلك الإنسان تتمظهر: أرقاما، وحروفا، وشخبطات تملأ الجدران: صخبا، وهندسة، وكتابات، و(ثقوبا) مقصودة، فلم يكن مهر الدين رساما منقطعا عن تجاربه الماضية، فما زالت (موضوعاته) هي ذاتها وان تلبست نمطا يبدو، من وجهة النظر السطحية، مناقضا لطبيعته السابقة، وهو ما توحي به حتى التغييرات التي طالت عناوين لوحاته لتنسجم وعناوين اللوحات التي انغمست في التجريدية: موضوع، تجريد....، إلا أن الوجود الإنساني مازال فاعلا فيها كما في سنواته الماضية وان اتخذ تمظهرات أخرى ذات طابع أكثر شيئية (مادية).

 

2

أنماط المخططات الأولية

(منطقية)، (تراثية- حداثية)، (علمية)، (شكلية)

في احد الملتقيات الثقافية قدمنا ورقة كانت تخصّ (واقعية الكم)، تلك الرؤية التي طرحها الرسام محمود صبري في أوائل السبعينات، وقد صنفنا فيها هذه (النظرية)، وأيضا ما طرحه شاكر حسن آل سعيد، وهناء مال الله، في رسالتها للدكتوراه، بأنها جهد نظري يسبق وجودَ اللوحة، ويبشّر بها أو يهدي لها، واعتبرنا كل ما يسبق اللوحة هو (مخططات أولية): تسبقها، وتقنن أنظمتها الخفية، ومتجهاتها، وصنفنا تلك المخططات بأنها كانت (منطقية) عند هناء مال الله، و(تراثية- حداثية) في محاولة (للتعبير عن الروح المحلية بتقنية حديثة) عند آل سعيد، و(علمية) في واقعية الكم عند محمود صبري، إلا أننا صنفنا نمطاً مهماً آخر عند اثنين من ابرز ممثلي ما أسميناه نمط (المخططات الشكلية) وهما: محمد مهر الدين وهاشم حنون، حيث تسنى لنا الاطلاع على عدد من مخططاتهما التي أنجزاها كمخططات أولية لأعمالهما، وهي مخططات شكلية تمّ رسمها بالحبر على الورق، وهي تقوم بتحديد مواقع الإشارات، والعلاقات، والتقسيمات الهندسية التي تشكل نموذجاً أولياً (سكيتش) للّوحة قبل انجازها، ولم نشترط وقتها أن يضع الرسام المخطط الأولي على الورق لنعتبر ذلك مخططاً أولياً للعمل الفني اللاحق، فقد يكون مسبّقات قبلية، أو يبقى في ذهن الرسام، ولكنه يشكل فعلاً يقوم مقام المخطَّط الأوليّ للوحة، وقد يكون صارماً دونما حاجة لوضعه على الورق. فحينما أطلعني الرسام مهر الدين على آخر أعماله كانت من ضمنها مخططات أولية لبعض تلك اللوحات كان قد أنجزها بالحبر وهي مليئة بالملاحظات المكتوبة، والمخططات والبقع التي ستمتلئ باللون لاحقا، وكانت تلك المخططات تبدو على درجة من الصرامة بشكل يذكّر بالدوائر الالكترونية التي لا تقبل الخطأ، وكان اشد ما أثار استغرابي إن كمّا كبيرا من الشخبطات التي اعتقد الكثيرون انه كان يضعها ليكسر بها رتابة البناء المحكم، هي موجودة ضمن هذه المخططات، وبذلك يكون مهر الدين صارما حتى في عفويته.

يبني الرسام محمد مهر الدين لوحته على نمطين من المخططات: مخطط غائر مليء بالانقطاعات، تلك الانقطاعات التي كان ينجزها آل سعيد على جسد اللوحة المليء بالخروم والثقوب والمثلثات، بينما ينجز مهر الدين تلك الانقطاعات بمستويين، غائر من خلال المواد الأولية التي يضعها على سطح اللوحة قبل وضع اللون عليها، لتشكلّ ملمساً ناتئاً، ومن ثمّ انقطاعات لونية تصنعها المساحات اللونية التي تخلف خروقاً تستوجب الملء من قبل المتلقي، يسمي عبد الرحمن طمهازي هندسة لوحة مهر الدين (كثافة البناء الدفين).

"مازال مهر الدين يبني العمل على مراحل لكي يصل إلى السطح" وبذلك يقسّم لوحاته بشكل يذكرنا بالتقسيم التربيعي الذي يتطابق بطريقة شكلية ربما لا واعية، مع فخاريات سامراء حيث العنزات الدائرية حول نبع، وهو ما يسميه شاكر حسن آل سعيد (النظام التربيعي) الذي ظهر في حدود الألف الخامس قبل الميلاد، وشكلّ "الأساس الذهني لنظام الزمن" حسبما يقرر آل سعيد والذي بقي على حاله ليسع رؤية اجتماعية فنية، إلا أن التحول (الكارثي) لقيم الشكل المشخّص وانقلاب تجربتي: محمود صبري نحو التجريد الهندسي الصارم ، و آل سعيد نحو التجريد التعبيري استوجب تكييف هذا الجهاز المفاهيمي (الطاعن) ليسع التحولات الأسلوبية التي طرأت على منجزيهما المتحقق على سطح اللوحة من خلال مختلف التكييفات التي حاولا إدخالها على جهازهما المفاهيمي، بينما لم يطرح مهر الدين، جهازا مفاهيمياً نظرياً يوازي أهمية منجزه المتحقق، إلا أن مهر الدين حافظ على (رؤيته) الأولى التي احتل فيها الإنسان، والشكل الإنساني، مركز الصدارة حينما كان مهر الدين ما يزال يرسم بأسلوب مشخص، غير انه، وبتحوله إلى التجريد، حافظ على (الروح) الإنسانية لرؤيته الأولى مما جعل الأثر الإنساني الآن يحلّ محلّ الوجود الإنساني في تجربته السابقة، فكانت آثار الإنسان وعلاماته وحروفه وأرقامه... تطلّ، هنا أو هناك، معلنة عن وجود بشريّ خفيّ ومازال موجوداً في اللوحة؛ ما يجعلنا نعتقد أن مهر الدين قد أنجز عملية إعادة هيكلية (لجهازه) المفاهيمي الذي يؤسس عليه تجربته المتحققة، ويوسع مرونته الشكلية، وبذلك نعتقد أن نمطاً من (الرؤية) هو الذي يقوم الرسام بتشكيله من خلال اتصاله بمعارف عصره، وتبقى هذه الرؤية عالقة كمخطط أولي تبنى عليه التجربة، وتتحرك في إطارها الأول الذي يحتل فيه الإنسانُ مركز الفعل الأكثر أهمية، ورغم تحولاته التي أوغلت بعد ذلك بالتجريد فقد ظل الإنسان (علامة الواقع التي لا تمحى).

 

3

إكساء خروق اللوحة وعلاماتها

يبني مهر الدين لوحته من سطح تظهر فيه آثار انقطاعات كان ينجزها آل سعيد بخرق جسد اللوحة بالخروم والثقوب والثلمات، بينما كان مهر الدين ينجزها من خلال انقطاع في جسد اللون أي بمساحاته اللونية؛ فتنخلق خروق تستوجب الملء، عبر مفاتيح يبثها في فراغ اللوحة وعلى المتلقي أن يلتقط دليله منها، وهذه المفاتيح تكون أحيانا من مستوى إشاري سطحي يشكله حشد من العلامات المقروءة، وغير المقروءة (مضمرة) الدلالة كإشارة الإلغاء آو الرفض (x) ثم اكتسحت الإشارات المقروءة سطح اللوحة بشكل عبارات لغوية ذات معان محددة، آو حروف مقروءة عربية ولاتينية لا تشكل نصا ذا دلالة لغوية، وقد تكون إشارات كاليغرافية صورية مستلة من نمط من الكتابة البكتوغرافي، ورغم أن اختيار مهر الدين لتلك العلامات كان اختيارا واعيا في أحيان كثيرة إلا انه يدخلها مختبره الشكلي لتتحول إلى إشارة شكلية تنتمي إلى شيئية اللوحة، وعناصرها الشكلية وليس إلى نص لغوي مدون قابل للقراءة كما هي حال أعمال الخط العربي المقروء، رغم انه يهدف من نمطي العلامات نقل إحساس بالرفض وفوضى الواقع للمتلقي بشتى هذه الوسائل (البصرية).