شناشيل: متى نكون مثل الصومال؟!

اسم الكاتب: عدنان حسين رقم العدد: 4182 نوع النسخة: ورقية تاريخ اخر تعديل: 5/1/2018 8:19:39 PM

[email protected]

 عدنان حسين

ما يكمن وراء البعض من الأخبار يكون أحياناً أكثر أهميّة وأعمق مغزىً وأدعى للتأمل والتفكّر من الأخبار بذاتها. من هذه الأخبار هذا الذي أنبأتنا به دائرة التحقيقات في هيئة النزاهة الخميس الماضي.
الخبر يقول إنّ حُكماً حضوريّاً بالسجن لمدة خمس سنوات وشهر واحد قد صدر عن محكمة الجنايات في محافظة ميسان في حقّ محاسبة كانت تعمل في المصرف الزراعي التعاوني في مدينة العمارة، ثبت قيامها بالاتّفاق مع آخرين بمحاولة اختلاس 211 مليار دينار من المصرف نفسه، أي ما يقلّ قليلاً عن 200 مليون دولار أميركي، وهو من جملة المبالغ المرصودة إلى موازنة تنمية الأقاليم المخصصة إلى محافظة ميسان.
لنا أن نتخيّل حجم الأموال السائبة في هذه الدولة. محاسبة في فرع لمصرف، ليس هو من المصارف الكبرى في البلاد، في مدينة مهملة نائية عن العاصمة، كانت على وشك اختلاس نحو 200 مليون دولار، فكم حالة من هذا النوع قد حصلت أو كانت ستحصل، أو لمّا يزل ممكناً أن تحصل، في مدن أخرى ومصارف أخرى؟
المحافظات جميعاً تشكو أنّ موازنات تنمية الأقاليم لا تحقّق أهدافها. بالتأكيد ما كان في المستطاع أن تتحقّق الأهداف من هذا البرنامج مادام المال العام سائباً على هذا النحو .. والمال السائب يُعلّم على السرقة.
النظام المصرفي المتخلّف في البلاد هو ما يوفّر البيئة المناسبة للفتك بخزائن المال العام .. هذا النظام يعتمد إلى اليوم الأوراق والتواقيع العديدة ودمغة الأصابع في تمشية المعاملات ..هو نظام ينتمي إلى زمن العصملّي.. لو كان النظام الإلكتروني هو المتّبع في المنظومة المصرفية في البلاد، على غرار الحاصل في بلدان العالم كلّها تقريباً، بما فيها الصومال، ما كان لأحد أن يتجرّأ على التلاعب بمصير مئتي دولار وليس مئتي مليون.
في مناسبات عدة سمعنا تأكيدات من البنك المركزي بأنه قد تفاهم مع المصارف الحكومية والأهلية لاعتماد النظام الإلكتروني، لكنّنا لم يزل يتعيّن علينا عندما نريد أن نودّع مبلغاً من المال في حساباتنا، ولو بقيمة عشرة آلاف دينار أو عشرة دولارات، أن نبقى في الانتظار نحو نصف ساعة .. الموظف أو الموظفة تطلب أولاً دفتر الإيداع ثم هوية التعريف الشخصية قبل أن تنظر في جهاز الكومبيوتر لإضافة المبلغ الى الحساب، ثم تسجّل هذا يدوياً في سجّل (دفتر كبير)، تطلب بعدها توقيع مدير القسم ثم مدير الفرع، ثم تشير عليك بدفع المبلغ الى الكاشيير، بعدها عليك أن تعود الى الموظف/ الموظفة لاسترجاع دفتر الحساب. وفي حال السحب، فالمدة تطول أكثر.
في البلدان الأخرى يمكنك أن تعمل هذا كله في ظرف دقيقة واحدة بالبطاقة الذكية التي تسهّل لك أمر إيداع النقود أو سحبها من ماكنات صرف صغيرة منتشرة في الشوارع والأسواق، وليس فقط في فروع المصارف.. ليس لزاماً عليك أن تسحب أو تودّع من ماكنة الصرف الخاصة بمصرفك.. فضلاً عما تتيحه البطاقة الذكية من إمكانية شراء السلع والخدمات بشكل مباشر من الدكاكين والمحال، أو غير مباشر عبر الإنترنت.
متى نبلغ هذه المرحلة؟!