المرأة العراقية والانتخابات البرلمانية بين الحقوق وفرص المشاركة

رقم العدد: 4190 نوع النسخة: ورقية تاريخ اخر تعديل: 5/9/2018 6:45:10 PM

 انتصار الميالي

تنعقد الانتخابات البرلمانية في العراق بعد أيام بين مؤيد ومعارض لأسباب كثيرة ترتبط بالتجارب الانتخابية السابقة نظراً لعدم التزام الكتل المتنفذة بوعودها للشعب ما ترتب عليه زيادة الفجوة الحاصلة عن فقدان الثقة بين المواطن والمسؤول الحكومي، خصوصاً إن الأخير لم يقدم أي حلول ومعالجات تعيد للخطاب الحكومي مصداقيته أمام استشراء واضح للفساد ونهج المحاصصة الطائفي.
وعلى الرغم من كل هذا التراجع، يلفت الأنظار المشاركة المرتفعة للنساء المرشحات الذي أصبح حديث الشارع العراقي، حيث تشارك أكثر من ألفي إمرأة في هذه الانتخابات أملاً بدور مميز يمكنها من الدفاع عن حقوق النساء وقضايا أخرى تخص الواقع العراقي.
كما تميزت هذه الانتخابات بقوائم انتخابية تتزعمها النساء في عدد من محافظات العراق في الوسط وفي محافظات إقليم كردستان، إذ بلغ عدد النساء الحاصلات على التسلسل رقم (1) في القوائم الانتخابية نحو 8 نساء، وهذا مؤشر جديد جاء به عدد من القوائم لتبين نواياها نحو تمكين المرأة من جهة وتأكيداً منها على مدنية التوجه العام لبعض القوائم، وان زعامة النساء تعتبر تحدياً كبيراً قد يكسر نوعاً ما من ذكورية المشهد السياسي ونمطية مشاركة المرأة في القوائم الانتخابية، وقد تظهر هناك منافسات واضحة في حصد الأصوات فتتمكن بعض النساء من الفوز بالمقعد البرلماني خارج أطر الكوتا النسائية.
هذا لا يلغي واقع أن ثمة أحزاب ترى فرصة وصولها إلى البرلمان عبر ترشيح النساء في التحالفات الانتخابية معتمدة على العنصر النسوي في حصد أكبر عدد ممكن من المقاعد ومستفيدة من كوتا النساء مما يتطلب الحذر من هذا الاستغلال لشكل مشاركة النساء في البرلمان القادم.
على مستوى العاصمة بغداد هناك قوائم منافسة كبيرة كانت فيها النساء تتصدر بالرقم واحد مثل النائبة ماجدة التميمي عن تحالف سائرون، وفي بابل النائبة حنان الفتلاوي عن تحالف إرادة، فيما تتزعم النائبة هدى سجاد قائمة الفتح في محافظة الديوانية وسط العراق، كما ترتفع نسبة النساء اللواتي يتزعمن قوائم انتخابية في محافظات إقليم كردستان إلى 5 نساء، ففي محافظة السليمانية تزعمت شلير عبدالحميد قائمة الحزب الشيوعي الكردستاني، وعن الحزب الديمقراطي الكردستاني في دهوك فيان صبري، بينما كانت على رأس قائمة الاتحاد الإسلامي الكردستاني جوان حسن في محافظة كركوك، وعن الحزب الاشتراكي الديمقراطي في اربيل تانيا طاهر.
وقد شهدت فترة الحملة الانتخابات انتهاكات وتهديدات عدة واجهتها النساء المرشحات لم تخل من التسقيط الذي وصل حد الإساءة عبر نشر الفديوهات في مواقع التواصل الاجتماعي وتمزيق الملصقات أو تشويه الكثير منها، فيما تشير استطلاعات إلى إن النساء اللواتي تزعمن عدداً من القوائم قد لا يحظين بالقبول أو لن يفزن بسبب عدم التزام بعضهن بوعودهن للجماهير سواء في مدنهن أو على المستوى العام في البلاد.
وثمة مخاوف من هيمنة ووصاية الأحزاب مما قد يحجم أدوار الكثير من النساء المرشحات في حال فوزهن ووصولهن إلى البرلمان، مما قد يشكل إخفاقاً للنساء، وقد يحبط معنويات الكثير من المهتمين بحقوق المرأة وأهمية مشاركتها السياسية.
وحسب الدستور العراقي وقوانين المفوضية العليا المستقلة للانتخابات، فأن نسبة النساء المرشحات يجب أن لاتقل عن 25% كحد أدنى.
وعلى الرغم من قوة وقدرة النساء العراقيات على مواجهة التحديات وتصدرهن المشهد السياسي في منافسة انتخابية مع الرجال تبقى فرص تبوئ المرأة لمواقع قيادية متقدمة في الهيكل الحكومي محتملة فقط وربما ضئيلة، إلا إذا صدقت النوايا وتولدت أرادة سياسية مؤمنة بوجود المرأة كشريك في بناء العملية السياسية وصناعة القرار.
هنا لابد من عدم الاستهانة بقدرات النساء في مجال التصويت السليم أو الترشيح كممثلة للشعب، فهي قادرة على أن تحكم بقوة وتوازن وحنكة، كما هو مذكور في سجلات التاريخ، لكننا سبق ولاحظنا أن المرأة في العراق قد تفقد حرية الدخول لهذه التجربة، وإن دخلت ستكون محكومة بقائمة معينة وخاضعة لأهدافها حتى لو كانت لا تعبأ بمصالح الشعب، ولكن ماذا لو دخلت الساحة الانتخابية برسالة وقضية وطنية ذات قيمة كبرى. إنها بلا شك ستُحارب من قبل القائمة الأكبر، لهذا ستضم اسمها معهم، وفي حال فوز القائمة سوف يتم تسليمها المنصب الأقل والأضعف، وإن حصلت على مركز مؤثر وحيوي، سوف تبقى تحت سيطرة الكبار وتحكمهم بها، وهذا مما يدفع بالبلاد إلى الوراء، لتبقى على ما هي عليه اليوم من تردٍّ واضح للعيان، لذا هناك حاجة إلى تعزيز الثقافة والقيم الراقية والتعايش بين أبناء الشعب ودعم مشاركة المرأة وتطوير إمكانياتها لتبوء مواقع متقدمة، ولابد من دعم المرأة للمرأة من خلال التصويت لها.
لذا تعمل منظمات المجتمع المدني المدافعة عن حقوق المرأة وناشطات الحركة النسوية على الدفع باتجاه دعم المرشحات وتدريبهن على كيفية أدارة حملاتهن الانتخابية، وتدعو المنظمات الجهات الحكومية وغير الحكومية والمنظمات الدولية إلى حماية المرأة المرشحة من الانتهاكات التي تتعرض لها لمجرد اختيارها الانخراط في العمل السياسي والترشيح للانتخابات البرلمانية، أمام غياب كامل لإجراءات الردع والوقاية من الإضرار الناتجة عما تتعرض له المرأة المرشحة من إساءات تجعلهن عرضة للخطر والمضايقات الاجتماعية. وتحرص المدافعات عن حقوق المرأة على تكثيف النشاطات التي تدعم النساء المرشحات بكل الوسائل والإمكانيات المتاحة ويعملن على إطلاق هاشتاك يحث على استقلالية صوت المرأة بعيداً عن التسلط الذكوري، وإعطاء الفرصة لها في حرية انتخاب من تراها أو تراه مناسباً، إلى جانب أطلاق هاشتاك يدعو إلى دعم النساء للنساء عبر قيام الناخبات بالتصويت للنساء المرشحات وخلق تفاعل بين النساء في الترويج إلى أهمية اختيار المرأة استناداً إلى الإمكانيات المتاحة والتي تحرص من خلالها النساء إلى خدمة الناس والمجتمع.
لم يبق إلا القليل على حدث كبير نتطلع فيه جميعاً إلى مشاركة واسعة رغم كل مؤشرات العزوف التي أظهرتها مجموعة من استطلاعات الرأي العام على مواقع التواصل الاجتماعي والتي استهدفت عينات عشوائية من عموم العراق، فيما يظل هاجس المهتمين بخصوص الانتخابات أكثر تفاؤلاً وهم يحلمون بأحداث تغيير يعيد تنظيم الأمور بما يدفع بالعراق نحو الأمام لمواكبة حركة التحضر الإقليمي والتطور العالمي وتعزيز المواطنة والتفاهم المشترك بين المرأة والرجل كشريكين حقيقيين همهما توفير العيش الكريم لبنات وأبناء أرض الرافدين أرض الحضارات والعلم والعلماء.