حديث اللّحظة: رئيس مع وقف التنفيذ

رقم العدد: 4207 نوع النسخة: ورقية تاريخ اخر تعديل: 6/6/2018 2:03:41 PM

 علي عبد الخالق

لم أكن أتصوّر أنّ السياسة وقرينتها الصحافة تدفع بي يوماً إلى المواجهة الصريحة، بما تنطوي عليه من نقدٍ وتقييمٍ ومكاشفةٍ مع كلّ مَن يتقلّد منصباً سيادياً، وإن كان صديقاً مقرّباً أو قريباً من ضلع العائلة. لكنّ المحظور قد وقع ومأساة العراقيين صارت تستفزّ كلّ ذي ضمير بعد أن بدّدت الطبقة السياسية ثرواتهم، ونالت من أرواح مئات الآلاف من  ضحايا الكراهية  والقتل على الهوية والتخندقات الطائفية، والعبث بنسيج المجتمع ووحدته، لينتهي بهم الأمر الى  مصاف الأمم الأكثـر  فقراً وجهالة وفساداً ونهباً وتخلفاً وموتاً جزافاً.  

ولفرط معاناتهم والتلاعب بإرادتهم تآكلت إرادة الحياة والأمل والتفاؤل في نفوسهم، وقد أخذ منهم الإفقار وغياب الاستقرار في وطنهم المنهوب، المجرّد من كلّ مقوّمات الحياة الكريمة بحدودها الدنيا، مأخذاً جعل المرتجى مؤجّلاً بعيد المنال.
هل يمكن للصمت أن يكون موقفاً في مثل ما نحن فيه؟
تكاد الصدفة تجمع بين مصائر رؤسائنا الثلاثة، وتشكّل منهم ثالوثاً للنحس والتردّي والرثاثة في عراقٍ يستحيل تجاوزه للانحدار الذي هو فيه من دون رجالات دولة يتميزون ليس بالكفاءة والتجربة وحدها ولا بحسن السيرة والتاريخ النضالي، بل بكلّ هذا مجتمعاً مع روح الإقدام والجرأة ووضوح الرؤية، وبالنزاهة من دون شك.
في ظرف ملتبسٍ صار الدكتور فؤاد معصوم رئيساً. ومن دون إساءة أو تقليل من شأنه، لم يكن هو مطروحاً لنيل هذه الجائزة، ولقناعته بذلك ودّع ليحطّ الرحال في وطنه الثاني المملكة المتحدة، لينعم بتقاعدٍ مريحٍ بين أسرته الكريمة ومريديه، لكنه أصبح رئيساً، تعهد بقوة ووضوح أمام كل من كانت له دالة على الوقوف الى جانبه، أن يضع نصب عينيه المصلحة العامة والسهر على الدستور، وحمايته من العبث، وهو ما يتطلّب منه التحرك الجاد للارتقاء بالعملية الديمقراطية وتنقيتها مما شابها من تعثر وتشويه ومغالطات في تفسير الدستور وفقاً لمصلحة مركز القوى المهيمن بقدر ما يسمح به الدستور في إطار الصلاحيات القاصرة التي حددها للرئيس. وهو يعرف هذه الصلاحيات،لأنه كان من أعضاء لجنة كتابة الدستور التي شرّعته وفصّلته على مقاساتها الطائفية الضيّقة، بتكريس كل السلطات في عهدة رئيس مجلس الوزراء، لتجعل منه “قائد ضرورة واقتدار"، أو مترددٍ يفتقر الى الحزم وضيّاعٍ للفرص، مكتفياً بنفسه من دون حاجةٍ لمشاورةٍ أو فريق عملٍ فعالٍ مجرّبٍ يتمثل فيه طيف العملية السياسية من دون استثناء.
ورغم مناشداتٍ متكررة، ونصحٍ منزّهٍ عن الغرض من أصدقاء مقرّبين فإن الرئيس فؤاد معصوم حوّل القصر الجمهوري”بيتاً عائلياً مضيافاً للإخوة والأخوات والأعمام والخالات والأزواج”وجعل من الرئاسة باحة تغرّد فيها كريمته السيدة جوان لتحمل فعلياً ختم الرئيس وتكون الآمر الناهي. ولم يكتف بذلك، بل استقدم أخاه من لندن لينيط به عملاً متواضعاً لرعاية القصور الرئاسية بصفة”خبير"، وليحتلّ في واقع الحال دوراً مكرراً بقدر ما تسمح له المنافسة مع الرئيس المناوب السيدة جوان، ثم عيّن شقيقه الآخر مستشاراً متفرغاً، وابن شقيقته مستشاراً بلا راتب شهري، وشيئاً فشيئاً اتسعت دائرة الأقارب والأصحاب راحت تحوم حول بعضهم للأسف الشديد الشبهات، ربما هي بلا أساس.
لا أقصد الإساءة إليه حين أتساءل عن المنجز الملموس الذي سيخلّفه لمن يعقبه على أي صعيدٍ ضمن صلاحياته الدستورية. ومن المؤسف أن يصل القصور بسبب مَن يحيط به إلى حد إثارة السخرية في مؤتمر القمة العربية الأخير في الرياض حيث أُعِدّ له خطابه من دون ترقيم، فقرأ خطابه مقدّماً ومؤخراً الصفحات من دون أن يفهم المؤتمر ما يريد قوله!
لقد ظلت استحقاقات الدستور ومتابعتها تنتظر جهداً رئاسياً مسؤولاً، لكنه، ولربما من دون قصدٍ منه، لم يفعل ما يجسّد حضوره ومكانته، وظلّ يحصر نشاطاته في توقيع ما يرده من البرلمان ورسائل التهنئة والتعازي، وأهمل متابعة قضايا معقدة بالوسائل المتاحة من كتابة مذكرات الى البرلمان أو رئيس الوزراء أو بعقد لقاءاتٍ دورية مع القيادات الحزبية والكتل البرلمانية وقادة الأحزاب غير المشاركة في السلطة وقادة المنظمات غير الحكومية والتجمعات الشبابية والنسائية والمثقفين. ألم يكن بين أهم مهامه كحامٍ للدستور أن يتابع بشفافية وإرادة الفعل تشريع عشرات القوانين التي ألزم الدستور بسنّها، وعدم إنجازها يشكل خرقاً دستورياً ويترك فراغاً ويضعه مع الرئاسات الثلاث والبرلمان والحكومة أمام المساءلة والإقصاء إن كانت لنا سلطات وبرلمان وحكومة وطبقة سياسية وطنية لا ينخرها الفساد والعثّ. إنّ هذا التقصير في الواجب والمسؤولية كانت له أفدح العواقب، وكان ممكناً أن يقود البلاد ألى أتون أزمة تظل تتفاقم. كيف له أن يقيّم دوره في التوقيع على قانون العفو العام المخزي الذي أُطلق بموجبه قتلة ومجرمون وأرباب سوابق ومرتشون ومزوّرون ولصوص المال العام ومحكومون بالفساد. وأستطيع أن أجزم أنّ رئيساً تهمه مصالح شعبه لا كرسيّه غير الهزاز غير المستدام لأحد، كان سيمارس الضغوط ويهدد بإثارة الرأي العام حدّ التلويح باستقالته. وبكونه أحد كتبة الدستور بنص حمّال للأوجه، كان عليه أن يضغط بكل الوسائل لتشريع قوانين النفط والغاز والاتحاد وعشرات غيرهما، وكذلك السعي الجاد لتنفيذ ما لم ينفذ من المادة 140 وصرف ميزانية الإقليم، وربما كان من شأن ذلك تطمين الشعب الكردي وتعزيز شراكته مع أشقائه العراقيين، والحؤول دون ما حصل من مواجهات وأزمة كادت أن تجعل من العراق محرقةً لن تنطفئ. أليس عيباً أن لا يقدم على فضح القانون المشين الذي مرّره الفاسدون في البرلمان ويمنح أعضاء البرلمان وأسرهم امتيازات شبه أبدية؟!
هل كان الدكتور فؤاد معصوم المشهود له بالنضال في صفوف حزبه في مرحلة التأسيس وبعدها يشعر بالحرج وهو يضمّ أفراد أسرته للسفر والترحال معه في الطائرة الرئاسية أو المؤجرة من الخطوط العراقية على حساب المضيفين أو على حساب الرئاسة؟
في الأيام الاولى لولايته راعتني التغييرات التي طاولت القصر الرئاسي، وصدمني وضع كرسيّه وحيداً لا يجلس الى جانبه الضيوف كما كان الراحل الكبير جلال طالباني يفعل وهو يستقبل الضيوف من باب القصر ويحتفي بهم ببساطته ودماثة خلقه وتواضعه.
والسؤال المقلق الذي يدور في الذهن: هل سيشدّ الرحال إلى لندن للإقامة فيها، أم سيعود الى بيته في أربيل؟
بمحض المصادفة افتتحتُ قراءاتي الصباحية بخطاب مسجل لرئيس أورغواي خوسيه موخيكا الملقب بأبي الفقراء، وهو يقدّم نفسه وسيرة حياته وأفكاره وقيمه، ثم رحت أقرأ سيرته الشخصية والرئاسية:
راتبه التقاعدي البالغ 12000 دولار يتبرع بـ 90 بالمئة منه للجمعيات الخيرية والفقراء ليكتفي بالباقي راتباً يسدّ به حاجياته. رفض الانتقال الى القصر الجمهوري وحوّله الى متحف وطني. احتفظ بسيارته الفولكس واكن القديمة يتنقل بها بنفسه. جعل من البيت الريفي لزوجته مقراً للرئاسة.
ألا يدفع هذا إلى البكاء والحسرة وتجاوز الذات؟
رحم الله جلال طالباني الذي رحل تاركاً إرثاً وتقاليد ستظل في ذاكرة شعبه ومن يهمه مستقبل البلاد.
وعفا الله عن فؤاد معصوم الذي أصبح في الأوساط السياسيّة رئيساً مع وقف التنفيذ..