حديث اللّحظة: اليد المغلولة وإصلاح القضاء المُغيَّب..

رقم العدد: 4210 نوع النسخة: ورقية تاريخ اخر تعديل: 6/9/2018 7:45:54 PM

 علي عبد الخالق

الركيزة الأساسية للدولة ومصدر عافيتها وبنائها وتطورها، تتمثّل في السلطة القضائية وبنيتها وأهليّة ونزاهة قضاتها والعاملين فيها. ولكنَّ دورها وقدرتها على حماية الحريات والمصالح الوطنية العليا لا يستقيمان من دون توافر شرط استقلاليتها "الفعلية " وليس الشكلية، ورصانة القوانين التي تعتمدها، وفي أساس ذلك الدستور وتعبيراته القانونية .

ومن الاستحالة بمكان، تحقيق ذلك في مجتمع منقسم، وسلطة مبنية على المحاصصة الطائفية وما يترافق معها من مظاهر الفساد المالي والإداري، والاحتكام إلى قوة السلاح المنفلت في أيدي ميليشيات "وقحة " لها امتدادات مؤثرة في أجهزة الدولة، بما في ذلك منافذ مشتبه بها في السلطة القضائية .
والمجتمع المنقسم طائفياً وعرقياً، المُحتكم إلى السلطة الدينية والمذهبية والعِرقية والعشائرية التي تشترط أن تكون لها امتدادات تمثيلية حتى في السلطة القضائية، كاستحقاقٍ محاصصي طائفي، تتفكّك فيه الدولة، وتلغى مسؤوليتها " الدستورية " كراعية مسؤولة عن حماية المجتمع وأفراده وحرياتهم التي كفلها الدستور الذي ينخر في بنيته وفصوله ومواده "عثّ" الطائفية والفساد وتشوهات الدولة ومثالبها . وبفعل ذلك كله يتطبّع القضاء ويستكين للأهواء والمصالح المتضاربة وفي الحصيلة بدلاً من أن تفرض السلطة القضائية إرادتها، تصبح أسيرة السلطة السياسية وعناصرها وتناقضاتها وخاضعة لمشيئتها، وتفقد أيّ حولٍ وتجسيدٍ لصلاحيتها الدستورية واستقلاليتها، وتغدو عاجزة عن تكريس مسؤولياتها ودورها بفعلِ "فضّ" هيبتها وحرمتها، فتفقد إرادة الفعل النافذ باعتبارها السلطة الثالثة السيادية
ولم يكن القضاء عندنا بتركيبته وإرثه القانوني المبنيّ والمصاغ والمعدَّل ، وفقاً لمصالح الأنظمة الدكتاتورية والاستبدادية المتعاقبة ومعاييرها ومقاساتها، سوى صنيعة لتلك الأنظمة. وقد ورثها النظام السياسي الجديد المتعمَّد بأمراض الطائفية، فيعيدُ بُناها، حذفاً وإضافة وتعديلاً، لتجسّد هويته ونهجه وطبيعته، فلا غرابة في أن تلد قاصرة منزوعة الإرادة، في بيئة "شِبه دولة " لم تستكمل شروط الارتقاء بها إلى مصاف دولة، تتنازعها الإرادات ، فتحول دون إعادة بنائها بكلّ المقوّمات المطلوبة.
لقد كان القضاء قاعدة نشوء الأمم والدول والحواضر، وارتبط تطورها بسيادة القانون، فيما بغيابه تفكّكت وانهارت واختفت من الوجود.
وقد يستطيع القاضي الشريف النزيه، أن يلوي القانون ويطوّعه كيفياً لخدمة العدالة. وفي تاريخنا المعاصر أمثلة مضيئة لهؤلاء القضاة الذين اجتهدوا في ظلّ النظام الملكي وحتى في ظلّ النظام الصدامي، وينفع أن أُعيد التذكير في هذا السياق بنموذج القاضي فيصل الأوسي الذي اقتاد رجال الأمن بائع تمور للمثول أمامه بتهمة " لفّ التمر" بجريدة تحمل صورة "القائد الضرورة" فاتسخت !
أصبح القاضي أمام خيارين لا ثالث لهما، إمّا الحكم على "المتّهم" بالسجن المؤبد ومصادرة أمواله المنقولة وغير المنقولة تطبيقاً لقانون العقوبات النافذ والتماثل مع مقتضاه ، وهو ما كان سيجرّده من تَمثُّل جوهر العدالة وصوت الضمير الإنساني، أو الاحتكام للقيم والمبادئ التي يُفترض أنه قد تشبّع بها فيفرج عنه خلافاً " للقانون" المجرَّد من قيم العدالة ، فيضعه أمام المساءلة القانونيّة وتحت رحمة الدكتاتور وسطوته. فما كان منه بعد تأمُّل وتفكير إلّا أن يكتب: قال الرسول (ص) النخلة عمّتنا، وبما أنّ النخلة عمّة الرسول فثمرها مقدَّس ولفّه في جريدة تحمل صورة القائد يُضفي عليها قدسيّة . وذيّلَ مطالعته بقراره: يُطلق سراحه لبراءته!
وقبل أشهر واجهت القاضية الجسورة جوسلين متّي قضية شابّين أساءا إلى السيدة مريم والرسول المسيح .
فما الذي فعلته جوسلين ؟
أصدرت قراراً خارج سياق القوانين المرعية في بلدها والبلدان الإسلامية فحواه: يُحكم عليهما بحفظ سورة آل عمران في القرآن عن ظهر قلب، ويُطلق سراحمها بعد التوثّق من ذلك!
أين هذا من قانون العفو العام، وقانون العقوبات العراقي المكتوب في عهد الدكتاتورية ليعكس جبروتها وطغيانها وليخدم أهدافها ، الذي لم يزل مسلّطاًعلى رقاب العراقيين بعد خمس عشرة سنة من نظام صدام..!
في أول مظهر لتطهير القضاء وإعادة بنائه ديمقراطيّاً، أعاد البرلمان النظر في قرارٍ اتّخذه فريق من فقهاء القانون المعروفين بالنزاهة والدراية القانونية بإحالة عشرات القضاة إلى التقاعد أو إنهاء خدمتهم لثبوت تورّطهم بالفساد والرشوة ومثالب أخرى تتعارض مع رسالة القاضي. ولم تكن قرارات الفريق القضائي اعتباطية، وانّما استندت إلى حيثيّات دراسة السيرة الذاتية لغالبية العاملين في سلك القضاء وتاريخهم وما ارتبط بأسمائهم من شبهات ووقائع دامغة تدينهم، مستثنين عن العزل مَنْ لم تتعزّز الاتهامات ضدّهم، باقيةً في حدود الشبهات غير الموثقة.
فما الذي فعله البرلمان الموقّر في دورته الأولى؟
صوَّت على طلب النائب بهاء الأعرجي بإعادة القضاة المطرودين بتهمة الفساد المالي والإداري وتقاضي الرشى، فأُلغي قرار فريق النزاهة القضائية، وتوزّع القضاة المدانون على مفاصل السلطة القضائية!
ولكي تكتمل عملية تخريب القضاء والحيلولة دون تطهيره وإعادة بنائه على أسس ديمقراطية بما يتساوق مع بُنى الدستور وقيم الحقوق والحريات والقانون والعدالة الاجتماعية التي يتكفلها، جرى الإبقاء على أكثر القوانين الموروثة من نظام صدام حسين المتناقضة مع جوهر الدستور وما يُفتَرض أن يعبّر عنه العراق الجديد " الديمقراطي التعددي"، وفي مقدمتها قانون العقوبات الذي يضع آلاف العراقيين يومياً في مواجهة أحكامه الجائرة. وتلك كانت أول ثمرة فاسدة للبرلمان العتيد، وهو أمر محسوب على الأعرجي ومَن تواطأ معه.
ولم تسلم السلطة القضائية وهرمها القيادي من ارتكاب خطايا سياسية أوقعت البلاد في مآزق وأزمات مستدامة لم تتعافَ منها، وإنما عمّقتها السياسات والنهج الإقصائي الطائفي، طوال سنوات ما بعد الانعتاق من جور النظام السابق، لتضع البلاد في معطف زعماء الطوائف ورجالاتها من رموز الفساد والتخلّف والانحدار.وظلت قدرة هذه السلطة على الفعل "جنينية " ترتبط بسوّية القضاة وشجاعتهم ونزاهتهم، بحكم خضوع القضاء للبرلمان، دستورياً،
بخضوع قيادات السلطة القضائية العليا للانتخاب من البرلمان، مما يتركها أسيرة السلطتين التشريعية والتنفيذية وتدخلاتهما وتأثيراتهما المخلّة التي جعلت من الأخطاء الثانوية كبائر انعكست على كلّ أوجه الحياة وشبه الدولة، وحرّفت المسيرة السياسية من التمتع بمقومات تحديث المجتمع وتأسيس دولة عصرية معافاة ، من دون افتراض عزل أو تهميش أيّ قوة إسلاميةٍ أو علمانية أو ليبرالية .
إنّ إصلاح القضاء مُحال في ظلّ بنية تراتبية طائفية عشائرية ترتهن لطبقة سياسية فاسدة، ومن المحال أيضاً ضمان استقلاليتها مادامت تخرج من معطف البرلمان على أساس المحاصصة، وتخضع لتأثيرات الحكومة ورؤسائها وتدخلاتهم التي تنطوي أحياناً على تلويح غادر وتهديد مُبطّن.
ولفضح الطبقة السياسية الطفيلية المهيمنة وممثليها في السلطة التشريعية التي لم تخلُ كل دوراتها من رموز الفساد، لابد من التوقف عند طبيعتها المنافقة،المرائية، فإذا تظاهرت بالحرص على القطيعة مع النظام السابق واجتثاث البعث، تسمّرت أمام قوانينه كما لو أنها تمارس طقساً تعبديّاً في محرابٍ مقدّس.! ورفضت بنيّة مسبقة مريبة إلغاء قوانين البعث وتشريع قوانين تتماشى مع جوهر النظام " الديمقراطي" الوليد توّاً.
وقد تبيّن لاحقاً أنها لم تتمنّع عن ذلك عبثاً، وإنما كانت تُخبّئ قنابلها الموقوتة، طائفية المنحى والجوهر لتستدرج القوى الوطنية والمكونات العراقية المتآخية إلى كمائن الفتنة وخلق الأزمات وإشاعة التوتر الدائم وإفراغ العملية السياسية المشوّهة من العناصر التي يمكن اعتمادها لتطهير نفسها وتقويم عملية إعادة بناء شبه الدولة المتضعضعة، ودرء الأخطار المحدقة، وتجنّب الويلات التي تعرّضَ لها العراقيون وكادت أن تدفعهم إلى أتون حربٍ أهلية، وتصفية بؤر التوتر والمواجهة.
ويبقى السؤال الملحّ: هل تستطيع السلطة القضائية، في جوانب معينة من شؤونها ومسؤولياتها وارتباطاً بتدهور الأوضاع السائدة في البلاد ومآزقها وانحدارها، أن تخرج عن أسر معاطفها المقيّدة، فتتخذ ما ينتشل البلاد من مآسيها؟ وهل تظلّ تلتزم الصمت في الموقف من مظاهر مخلّة، تقوّض كلّ جهدٍ منها لإعادة بناء سلطتها ولو بالتدريج؟ وكيف لها أن تنهض بمثل هذا العبء وتطهّر كيانها من العوالق السامة؟ وكيف لها أن تتجرّأ على ذلك في ظلّ ولاية حزب معيّن على المعهد القضائي لسنوات متتالية، تخرّج خلالها المئات من القضاة بفرماناتٍ حزبية من دون أن يتوافر لهم أيّ مقوّمٍ أو دراية؟
مَنْ يريد إنهاء المنظومة الطائفية ومحاصصاتها واستكمال بناء بقايا الدولة منزوعة الصلاحية وحماية الحريات واجتثاث جذور الفساد وإعادة الهيبة لإرادة الشعب، عليه أن يبدأ بتكريس سلطة القضاء والشروع بتطهيره والعمل على تمكين جيل جديد من القضاة غير الملوّثين، على أنّ هذا ينبغي أن يرتبط حكماً بتحصين استقلاليته الفعلية وإخراجه من عباءة برلمانٍ سيظلّ طائفياً يتحاصص ويتحكم في أروقته المال السياسي "المغسول" بمياه الساسة الآسنة.