الحكومة في فترة تصريف الاعمال

رقم العدد: 4223 نوع النسخة: ورقية تاريخ اخر تعديل: 7/1/2018 7:47:13 PM

هادي عزيز علي

في السنين الأخيرة واجهت الحكومات العراقية حالات انتهاء ولاية السلطة التشريعية مع بقاء الحكومة في حال الاستمرار مع نفاذ صلاحية الثقة الممنوحة لها. وكما هو معلوم فانه في سنة 2010 حصل تأخير في التشكيلات المطلوبة دستورياً حيث ابتدع مجلس النواب لنفسه "الجلسة المفتوحة" سيئة الصيت المحكوم بعدم دستوريتها حينئذ، والأمر ذاته تكرر عندما استعصى أمر اختيار رئيس لمجلس الوزراء سنة 2014 وهو ما انتهى باختيار الدكتور حيدر العبادي. ويتكرر الأمر الآن بعد انتخابات 2018، ويبدو أن تأخير تشكيل الحكومة سيكون ظاهرة عراقية لم تسبقنا اليها الدول الاخرى سوى لبنان بسبب التوأمة في المشاكل الناتجة عن الوضع الطائفي فيه إذ إنه يعد من اكثر الدول العربية التي شهدت حكومات تصريف أعمال امتدت لمدة طويلة نسبياً تجاوزت السبعة أشهر – اعتبرت قياسية في حينها - أثناء وجود حكومة رشيد كرامي في الحكم سنة 1969 .
وتحوّل الحكومة الى حكومة تصريف أعمال يكون في حالات عدة منها الحالة العراقية المبينة أعلاه وحالة سحب الثقة من مجلس الوزراء لحين تشكيل مجلس وزراء جديد كما نصت على ذلك المادة ( 61 \ ثامناً \ د ) من الدستور، وفي حالة حل مجلس النواب بطلب من ثلث أعضائه أو بطلب من رئيس مجلس الوزراء وبموافقة رئيس الجمهورية كما بينتها المادة 64 من الدستور، وفي حالة تقديم الحكومة استقالتها. وهناك تطبيقات عديدة في العالم، ولعل واحدة منها هي استقالة حكومة ( جورج بومبيدو ) الفرنسية في 16 \ تشرين الأول \ 1963 التي تناولها فقهاء وشراح القانون الدستوري الفرنسي بالبحث والتحليل حينئذ . هذه هي التوقيتات التي تصبح فيها الحكومات مقيدة الصلاحيات بشكل كبير، اذ تنحصر صلاحياتها بتصريف الأعمال او كما يسميها الدستور العراقي: ( تصريف الاعمال اليومية ) ، فما تعريف تصريف الأعمال أو ماهو المقصود منه؟
تنص بعض الدساتير في العالم على مصطلح تصريف الأعمال ، في حين يخلو البعض منها. ومن الدساتير التي نصت على تصريف الأعمال الدستور اللبناني في مادته المرقمة 64 التي تنص على : ( لحكومة تصريف الاعمال الحق بممارسة صلاحياتها بالمعنى الضيق لتصريف الأعمال ... ) . وبخلاف النص فيكون الفقه الدستوري هو المعول عليه لتعريف المصطلح ، كالقول بأن حكومة تصريف الاعمال: ( هي السلطة المناط بها تأمين استمرارية وديمومة الحياة الوطنية من تاريخ استقالة الحكومة الى تاريخ تأليف حكومة جديدة ) ، وبهذا الصدد يقول الدكتور شفيق المصري استاذ القانون الدولي: ( ثمة مبدأ في الحياة الدستورية العامة للدول والحكومات معروف بمبدأ استمرارية المرافق العامة لأن الحياة الوطنية وقضايا الناس والمواطنين لا يمكن أن تتجمد الى حين تشكيل حكومة جديدة ). وفي فرنسا عرّفه الفقيه ( Wahine ) بأنه: ( تصريف الامور الجارية التي تتصف بالاستعجال التي لا تكون لها صفة سياسية)، في حين عرفه المعجم الدستوري الفرنسي بأنه: ( النظام الذي يطبق فيما عني الشروط على الحكومات المستقيلة كافة لكون تلك الحكومات لا تتمتع بكامل السلطة إلا أن يكون هناك مقابل ذلك تحريك تبعيتها السياسية ضمن الشروط المحددة بالدستور ) .
وقد تورد تعاريف لهذا المصطلح على صعيد القضاء أو السلطات الرسمية المنوط بها صلاحيات قضائية، كالتعريف الذي أورده مجلس شورى الدولة اللبناني بقراره المرقم 655 \ 2009 وتاريخ 5 \ 7 \ 2009 والذي نص على أنه: ( الاعمال الملحة والضاغطة والتي لا تتحمل التأجيل أو الارجاء لحين تاليف الوزارة الجديدة والتي بسبب سرعتها تستوجب اتخاذ قرارات فورية او تلك التي تكون مقتصرة على تنفيذ مهمة الادارة اليومية ... ) ، إضافة الى مجلس الدولة الفرنسي بقراره الشهير المتخذ بتاريخ 4 \ 4 \ 1952 الذي نص على : ( ... سلطة مناط بها تأمين استمرارية وديمومة الحياة الوطنية من تاريخ استقالة الحكومة الى تاريخ تأليف الحكومة الجديدة ) .
ومن مجموع هذه المعطيات والأفكار يمكن أن نستنتج الأحكام التالية المتعلقة بحكومة تصريف الأعمال والواجب عليها اتباعها والمتمثلة بالأعمال التي تتطلب مراقبة السلطة التشريعية أو موافقتها :
أولاً – عدم القيام بأي عمل من قبل الحكومة يستوجب مراقبة السلطة التشريعية أو موافقتها ، ويرد منها على سبيل المثال حظر تقديم مشاريع التشريعات أو المطالبة بتصديق المعاهدات والاتفاقيات الدولية أو التعيين في الدرجات الخاصة كتعيين رئيس أركان الجيش ومعاونيه وسواهم من الدرجات الخاصة الأخرى ، فضلاً عن أي عمل من الأعمال الأخرى التي تندرج تحت عنوان : ( سياسات الدولة ) .
ثانياً – ليس لها القيام باي عمل يحمل الدولة أعباء مالية ، أو وضع خطط تنموية شاملة أو طويلة الاجل ، أو تحديد الأسعار أو الخدمات لعلاقتها بالاقتصاد الوطني ، أو ابرام العقود والاتفاقات الاستثمارية لأن ذلك يتطلب مراقبة السلطة التشريعية أو موافقتها .
ثالثاً – ليس لحكومة تصريف الأعمال تغيير الهياكل الاقتصادية للدولة أو اضافة هياكل جديدة لأن أموراً كهذه تندرج تحت عنوان ( مفهوم السياسات العليا للدولة ) وستراتيجيتها ، وهي أعمال مستثناة من الصلاحيات الممنوحة للحكومة ضمن التوصيف أعلاه .
رابعاً – على الحكومة هذه عدم القيام بأية أعمال أو تصرفات قانونية تؤدي الى تقييد صلاحيات الحكومة القادمة أو تعوق عملها، أو القيام بالتصرفات المالية التي تؤدي الى إرهاق الحكومة الجديدة وتحميلها اعباء مالية تحول دون قيامها بعملها بالشكل المطلوب .
ولكن في المقابل تكون لحكومة تصريف الأعمال الصلاحية اللازمة لاتخاذ ما يلزم بالنسبة للاعمال والاتفاقات التي تسقط بمرور الزمن ( التقادم) اذا ما كان ذلك التقادم يسبب ضررا للعراق ، او التصرفات المطلوبة لأمر عاجل واجب الاتخاذ على وجه السرعة ومثال ذلك العقود المبرمة من قبل وزارة التجارة المتعلقة بالغذاء القابل للتلف جراء ارتفاع درجات الحرارة. ويندرج تحت هذا الاستثناء تخويل الوزراء او الدوائر المناظرة بسحب الاموال من المصارف المتعلقة بتوزيع الرواتب، وكل عمل ينسجم مع تمشية أمور المواطنين أو الذي يحول دون تعطيل المرافق العامة بما في ذلك إبرام العقود ، كالعقد الذي يبرمه وزير الكهرباء مع وزير النفط لتجهيز محطات الكهرباء بالوقود .