الطريق الوحيد للقضاء على المحاصصة وآثارها

رقم العدد: 4257 نوع النسخة: ورقية تاريخ اخر تعديل: 8/25/2018 10:51:46 AM

¨ د. محمد توفيق علاوي

يوجد الآن محوران سياسيان من الكتل الفائزة في الانتخابات البرلمانية الجارية في 12 أيار الماضي، كل منهما يحاول أن يجمع حوله أطرافاً أخرى لتشكيل الكتلة البرلمانية الأكبر التي ستشكّل الحكومة: محور النصر وسائرون، ومحور الفتح ودولة القانون؛ وهناك اتفاق ضمني بين المحورين على أن المحور الفائز بأغلب المقاعد سيشكّل الحكومة، والطرف الآخر سيكون في المعارضة، أي أن الحكومة ستتألف من الأغلبية البرلمانية والمعارضة ستتألف من الأقلية البرلمانية؛

وهنا يمكن أن يثار تساؤل: هل هذا السيناريو سيقضي على المحاصصة؟

هذا السيناريو يتمثل بتشكيل الحكومة من قبل مجموعة من الأحزاب السياسية التي تمثل الأغلبية البرلمانية؛ وهذا يعني بالضرورة محاصصة بين هذه الاحزاب ضمن الكتلة البرلمانية الأكبر.

ما هي تبعات تشكيل هذه الحكومة ؟

 المشكلة كانت في السابق وستكون في المستقبل هي الخشية من فساد الوزراء، فهل هذا السيناريو سيقضي على ظاهرة فساد الوزراء؟ الجواب بكل ثقة: كلا؛ فإذا أفسد وزير سيتم غض الطرف عنه من قبل الأغلبية على وفق مبدأ (اسكت عن فساد وزيري فأسكت عن فساد وزيرك)؛ ولكن هنا يمكن أن يقال إن هناك معارضة في البرلمان وهي التي ستصحح مسار الحكومة؛ ولكن هذه المقولة يرد عليها بأن هذه المعارضة ستكون أقلية في البرلمان، وبالتالي لا تستطيع اتهام الوزير واتخاذ أي إجراء بحقه إذا ما أفسد، فالأغلبية الحاكمة ستقف الى جانب الوزير الفاسد في التصويت على أي اتهام يوجه للوزير من قبل الأقلية المعارضة، والنتيجة الغاء قرار اتهام الوزير ليس من منطلق الحق والباطل، بل من منطلق (المحاصصة).

 قالوا:سنضع برنامجاً حكومياً متكاملاً سيمنع الحكومة من الإفساد ويزيد الرقابة ويدفع الحكومة لتحقيق انجازات، وبخلافه...

في الحقيقة يمكن تدوين برنامج لنظام الحكم ومسيرة الدولة وتحقيق انجازات عظيمة على مستوى الأداء الحكومي وأداء الوزارات وتطوير البلد وتقدمه وازدهاره، إذا ما نفذ هذا البرنامج، ولكن أقول للأسف الشديد، هناك خطورة من أن يتحول هذا البرنامج إلى مجرد حبر على ورق، كالبرامج السابقة، إن لم تتحقق أربعة مواصفات في رئيس الوزراء وجميع الوزراء، وهي:

مواصفات رئيس مجلس الوزراء والوزراء:

1 - النزاهة والإخلاص

2 - الكفاءة

3 -  الشجاعة والإقدام

4 - عدم الخضوع لإرادة الأحزاب السياسية أو الاجندات الخارجية؛ وهذه الفقرة يمكن تعريفها بالاستقلالية؛ ولكن لا تعني الاستقلالية أن لا يكون الشخص محسوباً على إحدى الجهات السياسية، بل تعني أن لا يخضع لإرادة هذه الجهة أو الحزب أو الجهات والاحزاب الأخرى من أجل مصالح خاصة، كما في نفس الوقت لا يعتبر الوزير التكنوقراط المرشح من قبل جهة سياسية مستقلاً، بل إن مجرد ترشيحه من قبل حزب أو جهة سياسية سيكون ولاؤه لها، بل سيكون ضعيفاً ويستمد قوته من إسناد الجهة التي رشحته، إلا إذا كان ترشيحه غير مباشر، وسيكون هذا الوزير مرغماً على الاستجابة لمتطلبات الجهة التي رشحته وإن كانت مطالبها تتعارض مع مصلحة البلد، لأنه بخلافه ستسحب تأييدها عنه مما يؤدي الى فقدانه لمنصبه.

السيناريو المقترح للقضاء على المحاصصة

السيناريو المقترح لتشكيل حكومة بعيدة عن المحاصصة ويمكن أن تقود البلد الى التطور والتقدم والازدهار يكون باجتماع المحورين المذكورين أعلاه؛ محور النصر - سائرون ومحور الفتح - دولة القانون ومن ثم الانتقال الى الفضاء الوطني بدعوة جميع القوائم الفائزة وهكذا ستتكون الكتلة الأكبر من جميع الكتل وتكون مسؤوليتهم جميعاً ترشيح اسم شخص ليتولى رئاسة مجلس الوزراء، وذلك يمكن أن يتم بطرح اسماء المرشحين لرئاسة مجلس الوزراء ومن ثم اختيار رئيس الوزراء الذي تنطبق عليه المواصفات أعلاه وينال تصويت أغلبية أعضاء مجلس النواب.

يقوم رئيس مجلس الوزراء المرشح بترشيح كابينته الوزارية بمفرده فقط من دون تدخل أي جهة ومن دون ترشيح أي شخص لأي منصب من قبل أي حزب أو مجموعة سياسية.

هذه هي الحالة الوحيدة التي يمكن فيها تشكيل حكومة بعيدة عن المحاصصة، ومن ثم يتم التصويت على الوزراء الذين تتوفر فيهم الشروط الأربعة المذكورة أعلاه. وفي هذه الحالة يمكن أن يعمل رئيس مجلس الوزراء مع كابينته الوزارية كفريق متجانس ومتفاهم، وهذه الحالة الوحيدة التي ستكون مسؤولية رئيس مجلس الوزراء والوزراء مسؤولية تضامنية حقيقية.

 

الدور الرقابي للبرلمان

لتحقيق الدور الرقابي الحقيقي للبرلمان يجب أن يستضاف في كل أسبوع أحد الوزراء في مجلس النواب ليتحدث عن شؤون الوزارة وعن إنجازاته والمعوقات التي يواجهها وإمكانية تعاون مجلس النواب مع الوزير لتذليلها، كما يقوم مجلس النواب بالاستفسار من الوزير عن اخفاقات الوزارة وتلكؤها ومن هو المسؤول عن ذلك، وللمجلس الحق في توجيه النقد إلى الوزير عن أي عجز في أدائه. إن قوة الوزير في حواره مع أعضاء مجلس النواب تعتمد على ثلاثة عناصر، الأول نزاهته وإخلاصه في عمله، والثاني كفاءته، والثالث إنجازاته، ولا يمكن أن يعتمد على إسناد أي جهة سياسية له في مجلس النواب خلاف الحق، وإذا صارت لدى مجلس النواب قناعة بفقدان الوزير لواحد من العناصر إعلاه، فله الحق في أن يسحب الثقة من الوزير.

كما يجب استضافة رئيس مجلس الوزراء مع كابينته الوزارية كل ستة أشهر لنفس الغرض. فضلاً عن ذلك، فبعد نهاية كل سنة يتم تقييم أداء جميع الوزراء بطريقة علمية من قبل لجنة تشكل لتقييم الأداء الوزاري من فريق من المستشارين ووزارة التخطيط والرقابة المالية وهيئة النزاهة ويتم إقالة ومحاسبة كل وزير مقصر في أدائه.

الخطوط العامة لهذا الطرح من دون التفاصيل التي ذكرت في تصوري، هي الطريق الوحيد للقضاء على المحاصصة، وبخلافه فالطريق الآخر هو استمرار الحال القائمة للسنين الأربع المقبلة كما كان الحال في السنين السابقة، ومعناه تكالب الأحزاب السياسية على الوزارات وانغماسها مرة أخرى في الفساد للحصول على الأموال والامتيازات بطرق العمولات والتحايل والمكر وترك  المواطن في المستقبل كما ترك سابقاً من دون خدمات ومن دون أمن ومن دون عمل، لا يحصل على لقمة العيش إلا بجهد جهيد، ومن دون أمل بالمستقبل؛ وأنا لا استبعد في هذه الحالة حصول ثورة جماهيرية كبرى على كامل الطبقة السياسية في المستقبل القريب، ولا استبعد أن تنقلب المنطقة الخضراء ودوائر الدولة ومجالس المحافظات على رؤوس ساكنيها، ولا استبعد أن تتكرر أحداث مشابهة لأحداث عام 1958 بحق الطبقة السياسية ؛ فقد ورد عن الإمام علي "عليه السلام": (عجبت لمن لا يجد قوت يومه كيف لا يخرج على الناس شاهراً سيفه)....

إني أضع هذه المقترحات تحت يد المتصدين من السياسيين لتشكيل الحكومة المقبلة لعلهم يأخذون بها أو ببعضها من أجل تقديم مصلحة البلد والمواطن على مصالحهم الخاصة، وبخلافه سيغرق البلد في أتون بحر من الفوضى والاضطرابات وسيتعرض المفسدون، بل ربما كامل الطبقة السياسية من دون استثناء، إلى ردة فعل عظيمة من قبل المواطنين في المستقبل القريب؛ ولات حين مناص.