الفنان حسن حداد وأعماله التشكيلية التي صنعتها أزمنتها

رقم العدد: 4257 نوع النسخة: ورقية تاريخ اخر تعديل: 8/25/2018 1:31:59 PM

علي النجار

في عالم اليوم لم يعد الإنسان يعيش في جزيرته الخاصة المغلقة والمحدودة العلاقات، ولا في حاضنه البيئي الجغرافي المحلي لوحده. بعد أن تحول العالم إلى ظاهرة (نتية) واقعية سائلة ومفترضة، نجوب من خلالها المناطق المكشوفة والسرية. ربما بات في هذا العالم مهاجرا أكثر منه مواطنا، بما أنه غير منطوٍ على ذاته بسبب من سطوة تكنولوجيا العصر الرقمية العامة وحتى الخاصة منها. وإن افترضنا بأنها هجرة، بتفسير آخر، تعدت افتراضاتها، هجرات ليس كما الهجرات السابقة. مع ذلك فثمة هجرات معرفية، هجرات فنتازية وهجرات مصالح متبادلة أو هيمنة وهلم جرا. يستثنى من ذلك تلك الهجرات القسرية الجماعية والفردية التي عمت بعض بلدان خاصرة العالم الرخوة المنكوبة!.

حينما إستقر الفنان حسن حداد بعد هجرته في المانيا، كان حاملا على عاتقه إرثه الثقافي الفني الشخصي والعام. المانيا كما معروف عنها هي البلد الذي أغنى أوربا والعالم بأحدث المدارس والمكتشفات الفنية التشكيلية: من الجماعات التعبيرية لبداية القرن العشرين، الجسر(درزدن) الى الفارس الأزرق(ميونخ) الى (الباوهاوس) وتجارب فن الفعل(ليوسف بويز) وحتى التعبيرية المحدثة لجيل ما بعد الحرب العالمية الثانية وغيرها من التجارب المعاصرة. ضمن هذا الحاضن الفني الغني بتفاصيله سعى حسن ليجد لنفسه مجالا لاشتغالاته الفنية. علما بأنه لم يأت من الصفر، بل ليواصل مسعاه مستعينا ومطورا حصيلة دراسته الفنية في كلية فنون بغداد متواصلا ومستجداتها هنا. لكن ليس نبذا لتأريخه الشخصي السابق بشكل مطلق، بل ليستعين به أحيانا، ما دام إرثا شخصيا. مثلما محاولته للتغلغل في نسيج مجتمع اغترابه الجديد وزيادة تحصيله. فما دام الخطاب الفني لحاضنه الجديد حسيا ذاتيا وعالميا في نفس الوقت. فقد كان حسن بحاجة أيضا لهذين الشرطين. وكان انسجامه في ذلك واضحا فيما انتجه لاحقا.
في بلده الأم العراق لم يكن مراقباً حياديا كما في حاضنته الجديدة، بل كان في قلب الأحداث العراقية المأساوية التي لم تتح له مجالاً ليواصل مسعاه الفني. بالعكس مما حدث له في مدينته الألمانية الجديدة حيث عينه ترصد حوادثها المدنية مع فسحة من الادراك والتصور والصياغة. بالوقت الذي أتاحت له اشتغالاته الفنية مجالاً للتعرف المباشر على أعمال أقرانه من الفنانين الألمان وتبادل الخبرات. ليتاح له المجال لاختراق هذا الوسط والمشاركة في بعض العروض الجماعية المهمة، ومعارض شخصية عديدة. هو إذا أمر يحسب له في وسط أوربي صعب الاختراق من الآخر بشكل عام. وذلك لكونه تمثل ضمن حاضن تاريخي سلوكي ومزاجي خاص بدول الشمال ودويلاته أو اماراته المتعددة.
ينشغل حسن بعالم الظواهر، لكن عبر محاورة(ديالوك) ثنائيات شغلت ذهنه ولا تزال. ثنائية الضوء والخفوت. الثنائية الذهنية والسلوكية، والوجدانية التي حفرتها أعوام الطفولة وسنوات النار العراقية التي صاحبته عبر هجرته الاضطرارية لتلقي بظلالها على مشهدية أعماله ضمن بيئته الجديدة، حيث ذاكرة الضوء القادم من الشرق يغمر كل شيء حتى لو تخفى خلف كثافة أشجار البرتقال والرمان في مسقط رأسه. ذاكرة كادت أن تعصف بها تلك السنوات العجاف. فليس سوى الخفوت لا النصاعة في دوامة دخان الحروب وأفعالها القذرة التي تحصد أرواح الكثير من الناس الغافلين أصلا عما تخبئه لهم من دمار وفناء. انه الخفاء القاتل ما يحاول هذا الفنان المثابر إجلاء غموضه في العديد من أعماله. الخفاء الغفل المتربص بالأبرياء، الخفاء المرعب المجهول الذي يترصد الناس في أمكنة أعمالهم، تسوقهم، تنزهم، الناس الذين لا يهمهم أصلا لعبة الغالب والمغلوب وحدي الصراع السياسي والاجتماعي المتشعب. اللعبة الفاجعة الدراماتيكية الملتبسة هذه بتفاصيلها العلنية والخفية، هو ما حاول حسن تفكيك عناصرها الأشد قتامة، صور بقدر ما تحمل من حيادية لونية(رمادية)، رماد الضحايا(الاشلاء) والبيئة المنتهكة أقسى انتهاك، وجدت في أعمال حسن مساحة واسعة من إعادة صياغة وهجها التعبيري المرادف قسوة سوداوية المزاج غير مبررة.
عالم الظواهر بالنسبة للفنان حسن لا يقتصر على الضوء ودرجاته ودلالاتها. هو أيضا يسعي لإبصار ومحاورة تفاصيل البيئة. ما دمنا في تناولنا للبيئة في أعماله. أنا أجد أن ثمة بيئتين مختلفتين لا بيئة واحدة، هي التي يحاول الفنان فك طلاسمها في أعماله الفنية وكأنه يسترجع مقولة (الشرق شرق، والغرب غرب). لكن ليس بمعناها(السيسيولوجي) الملغوم بتفسيرات سلبية. بل كمسعى تواصلي لكونه عاش فترته الاخيرة ولأعوام عدة في وسط محيط اوربي (المانيا) واضح التفاصيل. وكفنان تلتقط عينه مألوف البيئة المحيطة به، حاول الاشتغال على ظاهرتها البصرية المعمارية الموازية لبيئتها المفتوحة على سعتها أمام رصد نظره. موظفا تدخلاته لإضفاء طابع اجتهاداته الشخصية من خلال مزاوجة هذه العمارة بأطياف الحالات واللقطات الانسانية الحية لقاطنيها الواقعيين والافتراضيين. ليؤرخ من وجهة نظره الفنية المكان بمنشآته الحضرية وطرق مواصلاته المدينية. ليس كما هو، بل كحالة بيئية اجتماعية عاطفية حاضنة لمصائر قاطنيها العلنية والخفية. محققا فضاءه التعبيري الموازي لإرث هذه الفضاءات الحميمية نفسها، وغير بعيد عن اجتهاداته الشخصية التي لا تخلو من ولع بتدخلاته التصميمية الإجرائية التي تشطرها أو تبعثرها أو توحدها أو ترممها من جديد. بما أن هذه الفضاءات هي أصلا صناعة تصميمية موروثة ومستحدثة.
أعتقد أن لفضاء النشأة الأولى أثر ما يبقى يلاحق الفنان(كما مثل الفنان الاسباني ميرو). وأستطيع ان احزر بأن فضاءات أعمال حسن حداد المفتوحة على إتساع، تشبه فضاءات نشأته الشخصية الأولى حيث المساحات الخضراء على امتدادها سعة لا تحدها العين. من هنا جاء اهتمامه بالمنظور المتعاقب أفقيا وعموديا في رسومه الملونة وحتى في تخطيطاته الأولية. منظور لا كما في الأعمال الصينية التقليدية. بل بتجاور وتعاقب وتعامد المساحات (الشخوص والعمارة)، بما أنه مولع بالمساحات التركيبية التي ينفذها بتأني. هو أيضا مولع بفوضى الخراب الذي ثبت فيه تعارضه مع مشهد وملونة تلك البيئة الأولى التي اندرست واختفت تحت طبقات اللاوعي المغيبة بالظروف القسرية. للحد الذي لم يعد فيه ذلك المكان كحافظة لذكريات طفولته الحميمية بعد عطبه، نتيجة لتراكم التواريخ غير السوية اللاحقة، بما فيها من هموم البحث الجاد عن إيجاد مخرج لمحنته. مع ذلك ربما هو يبحث بشكل ما عن استعادة ذكرياته البصرية لزمن مضمر ما، فمن يدري بنوايا مفاجآت خبايا الذاكرة وانعكاساتها على الأفعال الفنية.
بالنسبة للفنان وهو يشتغل رسومه بالتأكيد هناك اختلافات في التفاصيل والملونة ما بين البيئة الطبيعية باختلافاتها، وبيئة المدن. بيئة السلم وبيئة الخراب(الحرب). حسن ومنذ امتلك ادواته التعبيرية سجل تمرده لأول مرة(حسب ما اعتقد) على بيئته الأولى بعد انبهاره بصخب المدينة سلوكا وعمارة مختلفة. مفترقا عن سكونية انبساط ووداعة الفضاءات الطبيعية المنحدر منها. لكن هل كانت هذه المدينة رحيمة به. هل كان من الممكن ان يستمر هذا الانبهار بالمكان الجديد ومحيطه البشري، بعد ان أصبح هو وجيله الفني المحلي البوهيمي مكرسين وقودا للحروب العراقية العبثية المتعاقبة، بعدائها المطلق للبيئة والحياة. سلوكيات تدميرية عاشها وعايشها لفترات زمنية بقيت عالقة في ذهنه وحتى بعد مغادرته فضاءاتها، لتحفر بعيدا في ذاته ولتقبض بشكل ما على حواسه، أعمالا دراماتيكية متعددة تتردد في اشتغالاته الفنية بين فترة وأخرى في بلده الأوربي الثاني. تاريخ شخصي وجمعي حفر بعيدا في ذاكرته، ومن لنا بإقصاء أعمال الذاكرة المبكرة، وذاكرة الأزمنة الصعبة ورعبها المتكرر تذكارات حية متواصلة.
حسن وهو يحتفظ بطرائق تنفيذ أعماله بسماتها المزدوجة(الفوضى و هندسة عمارة المدينة الأوربية الجديدة) لا يتوانى عن تداول المنطقتين في عمل واحد. فهو اذ يرسم عمارة السكن أو المنشأة المعمارية كثيرا ما يثلمها باختراقات من خارجها، سواء أنقاض، أو شخوص تنعكس على جدرانها أو تندرج في مساحاتها الواضحة أو الشبحية. هو إذا يصنع (ديالوكه) التشكيلي غير بعيد عن عناصر اهتماماته نفسها. سواء كانت مشهدا مدينيا أو معركة أو أنقاض تفجير أو حرب شاملة. إن كانت العتمة تنشر ضلالها على مساحة صفحة الحرب، فموشور الضوء المحسوب بحذر ن قبل الفنان، يعم مشهد المدينة وشخوصها بحالاتهم المعاشية والعاطفية المختلفة، لكن أحيانا ما تثلمه الملونة الرمادية وأطيافها، رجع أطياف لا تزال تسكن مخيلته. هو إذا يأخذنا في دهاليز مدينته الأوربية بسطوع أضواء منشآتها وانقاضها في آن واحد، كأن قلقه الوجودي لا يدع له مجالا انبساطيا، ولادة جديدة، مطهرا جديدا، يغسل من صفحة حياته عتمة ماضيه وعتمة تواريخ بلده الأم الحالية التي لا تزال تخيم على مخيلته، بما أن تبعاتها لا تزال تنبثق من المعلوم والمجهول بين آن وآخر في زمننا الذي بات شاشة مفتوحة على أقصى مدياتها. أعمال إن كانت مرجعياتها تختلف بعض الشيء، فإنها أيضا لا تبتعد كثيرا عن روح أعماله بشكل عام. ما هو الا ولع التجريب المستمر لتوسع منطقة اشتغالاته وتنوعها.
للإنسان في أعماله حيز كبير. إنسان متلبس محنة وجوده، إنسان اجتماعي، إنسان وجداني وإنسان منسحق. لكنه وفي معظم حالاته لم يكن لوحده، اذ يشاركه الفعل الحياتي الآخر نظيره، لتكمل دلالة العمل ومغزاه، إضافة لفعله الجمالي أو التعبيري الذي لا يخلو من مهارة الأداء. في أعمال الحرب هو كتلة متراصة بنية الاحتماء بالآخر، في محاولة لإنقاذ ما يمكن من تحت انقاضها. في السلم يبحث عن طمأنينته في صنوه. أعمال مرسومة تحت وقع الفعل الأدائي، أفعال استعراضية ملغزة أحيانا. تشخيصية تبرز من خلالها متضادات ملامح التعبير وحيرة السؤال.
يبدو أن حسن وهو منشغل بتوسيع مديات اشتغالاته، بما أنه لا يكف عن التجريب، غالبا ما يفاجئنا بسلسة رسوم يمتزج فيها الولع التصميمي بالتشخيص بمقاربات فن البوب، بتفاصيل لا تخلو من ولع زخرفي، لا كما الزخارف ا المتعارف عليها، بل بما لها علاقة بمعمارية فضاء العمل، أو كولاج بعض تفاصيله ذات الصلة بأرضيات العمارة أو الملابس وغيرها.
هل أخلص حسن حداد لإنسانه وبيئته، أم انحاز الى طرف دون آخر في زمن صراع الحضارات وقسوته. أعتقد أن رسومه تدلنا على مسلكه الإنساني حتى لو تناول ابسط (موتيف) بيئي، في ولع لا ينضب لاقتناص لحظة معاشه أو ذكريات مهملة من زاوية أو ركن منزلي. زاوية مهملة من تقاطع شوارع أو زقاق. حالة إنسانية تعوم ضمن خارطة مدينته تبحث عن ملجأ. دفئ عاطفي بحثا عن اشباع غريزة إنسانية في فضاء مشترك. أخيرا أعتقد أن تنفيذه المتأني لرسومه مشابه لتأنيه أو انتباهته في اختيار موضوعه المفضل. فهو لا يرسم لنا حكايات، بل يصنع من حكايا زمننا البيئية لقطات مؤثرة تبقى عالقة في ذاكرتنا بعد مغادرتنا صورها.
هل حقق حسن ذاته في عمله. أعتقد بما أنه فنان مكرس لعمله فقط، فقد استطاع أن يحقق نتائج طيبة في الملاحظة وإعادة التفسير، بسبر أغوار نفسه والحالات الإنسانية التي يعوم ضمن حاضنها، وتداعياتها الخاصة والعامة. إدراكه وتفاعله والمشهد التشكيلي المعاصر. في مسعى منه لسبر لغة الفن السهلة والعسيرة في نفس الوقت. لغة الأجساد الإنسانية ومحيطها، حالاته الخاصة والعامة المكشوفة بوضوح، أو حتى المتخفية خلف حجب مختلفة. لغة البحث والتجريب وإعادة الصياغات. ربما هي نتائج كان يسعى لتحقيقها بكفاءة وسط فضاء أوربي لا يقدر الا الموهبة والقدرة العالية. ربما هو يرنو الى أن يبقى مسعاه مفتوحا على احتمالات المستقبل والرهان عليه بكل ما أوتي من عزم أعرفه، بما يملكه من مقومات أدائية وتعبيرية منذ أن تعرفت عليه قبل أكثر من عقد من الأعوام.
فنان كحسن يسكنه ولعه الفني الطاغي، بالتأكيد سوف يبقى يفاجئنا بأعماله المعبرة عن واقع أزمنة وعصر مفتوح على أوسع الاحتمالات. ما دام يشتغل على منطقة أدائية متحركة، لا(إستتيكية) ثابتة.