بناء عراق متقدم جديد بحاجة ماسة لجهود وإبداعات الطبقة الوسطى

رقم العدد: 4258 نوع النسخة: ورقية تاريخ اخر تعديل: 8/25/2018 2:58:12 PM

د. أحمد عبد الرزاق شكارة

مايمر به العراق من أزمات متتالية تحمل في طياتها مخاطر متنوعة جمة على أمن وازدهار وتقدم الفرد، المجتمع والدولة العراقية يشير لضرورة وجود "طبقة وسطى متنورة ومؤثرة" نسبياً في مجريات الأمور، ما يمكن تسميته "الكتلة الحرجة" التي تأخذ على عاتقها مساندة مسيرة أي اصلاح حكومي او مؤسسي جديد يهدف إلى المضي قدماً في بناء عراق متقدم جديد.
يشير الباحث صباح علو إلى "أن بدايات تشكل الطبقة الوسطى كان مع تأسيس الدولة العراقية الحديثة في مطلع القرن الماضي ثم نموها بعد الحرب العالمية الثانية، حيث أسهمت الدولة في نموها عن طريق تطور رأس المال البشري ونظام الملكية والتعليم والمؤسسات الادارية، ]كما[ نمت رؤوس الأموال واستثماراتها وتمركزت في القطاع التجاري الذي كان سبباً في نشأتها..." جدير بالذكر أن هذه العوامل والأسباب التي أسست للطبقة الوسطى في العراق لايمكن فصلها عن بعضها البعض، حيث تفاعلت بصورة واضحة مواكبة تصاعد وتيرة عوائد النفط العراقي في الخمسينيات مروراً بستينات وسبعينات القرن المنصرف، مشكلة بحسب تعداد 1977 حوالي (35 %) من سكان المدن و(22 %) من إجمالي السكان، حيث ضمّت خريجي الجامعات من أطباء ومهندسين وصيادلة ومحامين في مختلف تخصصاتهم وصنوفهم ورجالات تعليم على مختلف مراحله وساسة وعسكر نهلوا جميعهم من مصادر العلم والمعرفة داخل وخارج العراق. إضافة إلى نمو متدرج لطبقة مختارة من رجال الأعمال والصناعة وإداريين في مواقع الدولة المختلفة التي نمت هي الأخرى بصورة متسارعة نسبيا .
كل هذا رغم اعترافنا بأن أمامها شوطاً طويلاً جداً كي تقارن بطبقات وسطى في دول متقدمة لديها منذ نهاية الحرب العالمية الثانية "طبقات وسطى" مؤثرة تتمتع بمزايا مالية واقتصادية وتقنية وسياسية كبيرة جداً وفقاً لأهمية الدولة مثار الاهتمام ما يعني ضرورة الاستفادة من تجارب (الولايات المتحدة الأميركية، ألمانية، فرنسا، بريطانيا، اليابان، الصين، روسيا وسنغافورة وفنلندة وغيرها الكثير). من المناسب الإشارة إلى أن كون الدولة متقدمة تقنياً واقتصادياً لايعني في كل الاحوال أن الطبقة الوسطى فيها متجانسة قوية أو مؤثرة في الحياة الاجتماعية والسياسية، بل وحتى الاقتصادية والثقافية. من هنا وجدنا مقالة مثيرة للاهتمام نشرت في موقع كوارتز Quartz عنوانها: فرنسا وبريطانيا يمكن أن تعلما ترامب كيفية إنعاش الطبقة الوسطى المنكمشة في الولايات المتحدة الأميركية. محور المقالة يؤكد أنه إذا أراد ترامب أن يستجيب لمطالب فئة العمال الذين اقترعوا لانتخابه رئيساً لأميركا عليه أن ينظر في طبيعة الاحوال التي تمكن الطبقة الوسطى من أن توسع حجمها وقيمة إسهامها في تنمية الاقتصاد الوطني الأميركي. يتبيّن من الدراسات التي صدرت مؤخراً حول الطبقة الوسطى أن دول الشمال الاوروبي الاسكندنافية – البلطيق (السويد، النروج، الدانمارك، وفنلندة) تتمتع بوجود طبقة وسطى لها ثقلها الاقتصادي والاجتماعي، بحيث تصل نسبتها من المجمل الكلي لعدد اصحاب العقارات أو الأملاك مابين 65 إلى 70 بالمئة مقارنة بحجم الطبقة الوسطى الآخذ في الانكماش في بعض الدول الانجلو – ساكسونية منها الولايات المتحدة، كندا وبريطانيا.
أما دول القارة الأوروبية التقليدية الرئيسة (ألمانيا، فرنسا وايطاليا) فإنها تقع مابين دول البلطيق الاسكندنافية من جهة والدول الانجلوساكسونية من جهة أخرى، من حيث مؤشرات توسع حجم الطبقة الوسطى. إن وجود الطبقة الوسطى ضرورة اساسية إذا ما اريد التوصل للتنمية الاقتصادية البشرية المستدامة. من هنا، اهمية الاستفادة من تجارب الدول الأخرى التي نجحت نسبياً في تمكين الطبقة الوسطى في بلدانها مثل فرنسا، المملكة المتحدة، ألمانيا واليابان واستراليا ونيوزلندا ودول جنوب شرقي آسيا غيرها.. أما الولايات المتحدة الأميركية، فبرغم من تصدرها مناح القوة بمعناها الواسع انكمش فيها حجم الطبقة الوسطى من نسبة عالية وصلت إلى 60 بالمئة من اصحاب الأملاك العقارية في السبعينيات إلى 51 بالمئة في عام 2013. علماً بأن خط الفقر في الولايات المتحدة الأميركية وصل إلى 21200 دولار لعائلة مكونة من اربعة اشخاص وفقاً لـ(2010). موضوع كهذا يأخذنا الى تساؤلات عدة منها التساؤل عن ماذا يعني مفهوم "الطبقة الوسطى" وهل يمكن قياسه؟ لعل المفهوم المتداول للطبقة الوسطى من الصعب تحديده بشكل دقيق ولكن وبشكل عام يعني أنها شريحة اجتماعية – اقتصادية – علمية حيوية تتوسط هرم الحياة الاجتماعية – الاقتصادية بين الطبقة الثرية أو المتمكنة إقتصادياً - اجتماعياً ومالياً، ما يمكن تسميتها "بالطبقة المرفهة" هذا من جهة وطبقات أخرى لذوي الدخل المحدود جداً هم في الغالب من طبقة المحرومين أو فئة الفقراء الذين لا يكاد يحصلون على قوت يومهم، ما يجعلهم في وضعية عمل مستمر ليل نهار للحصول على أقل القليل من الدعم الحكومي أو من جهات غير حكومية مثل مؤسسات المجتمع المدني وذات النفع العام.
أهمية الطبقة الوسطى إنها طبقة النخبة المثقفة التي تتحمل مسؤولية قيادة الحراك الفكري - الاجتماعي- السياسي – الثقافي بقصد تحقيق تغييرات إيجابية في الحياة العامة لكل مواطن عراقي بل ولكل مقيم على هذه الأرض الطيبة. ما يميّز الطبقة الوسطى أن لديها مستوى تعليمي – ثقافي عالي نسبياً واقتصادي من المفترض أن يكون معقولاً أو متقبلاً ما يمكنها في نهاية المطاف من إبداء أفكارها أو أرائها وتسجيل مواقفها الجادة لمواجهة كل التحديات الداخلية والخارجية التي تعرض ويتعرض لها العراق خاصة في زمن الأزمات المزمنة . إن توفر مناخ الحرية السياسية وسيادة أو تسيّد الأمن وحرية التعاملات الاقتصادية من الشروط الأساسية في توفير مناخ مناسب جداً لنمو ولتطور الطبقة الوسطى. من هنا ، يمكن القول بأن أهمية تصاعد دور الطبقة الوسطى في الحياة العامة للمجتمعات سيكون مرتبطاً بشكل وثيق بوجود نظمة سياسية حرة مستقلة تتقبل النقد والرأي والرأي المقابل أو المضاد. إن عملية القياس المعدة للطبقة الوسطى ليست مسألة يسيرة طالما يستمر التنافس الدولي بين المواطنين حول الحصول على أفضل وأجود خدمة حكومية أو حتى غير حكومية بالتوازي مع حيوية تقدير مدى أهمية مساهمة الطبقة الوسطى ببناء الوطن على مختلف الصعد الانسانية والمادية بعيداً عن مركزية الدولة الشديدة . ترتيباً على ذلك، يعد مقياس الدخل ومستوى التعليم ومدى عمق المعرفة من ابرز المؤشرات القياسية لمدى ما يمكن للطبقة الوسطى أن تقدمه من إنجازات حقيقية . إذا كان من اليسر نسبياً قياس حجم وقوة الطبقة الوسطى، وفقاً لمستوى الدخل والتعليم فما لايمكن قياسه بشكل دقيق نسبياً ما لدى الطبقة الوسطى من قيم والتزامات أخلاقية وقوة تحمل عند مواجهة الازمات المعقدة والحرجة. إن قيام دولة المواطنة المدنية بعيدة عن كل انواع المحاصصات والانقسامات الفئوية والطائفية والدينية والعرقية والقبلية رهين بالاهتمام الجدي بدور الطبقة الوسطى "مهنياً" ليس فقط من أجل تطوير الحقول الانتاجية الزراعية والصناعية والخدمية وغيرها على مستوى القطاعات العامة والخاصة والمشتركة –إن وجدت- ، وإنما بضرورة تشجيع جميع المواهب العلمية –التقنية – الثقافية والفنية التي يزخر بها المجتمع العراقي من أقصى شماله إلى جنوبه ومن شرقه إلى غربه، كي تدلو بدلوها في معالجة مشكلات وازمات جدية.
إن نجاح العراق في تشكيل وبلورة نماذج ناجحة من الطبقة الوسطى رهين بانفتاح العراق ومواكبته لجميع التطورات العلمية والتقنية الحديثة سريعة الايقاع ما سيفتح الباب واسعاً امام الشعب العراقي بفئاته وطبقاته كافة حتى تلك التي تعد دون الوسطى من الانتقال بيسر نسبي الى الطبقة الوسطى. ولكن الآمال شيء والعمل الحثيث ضمن ستراتيجية شاملة عملية هدفها الارتقاء بالعراق الى مستويات عليا لاتعتمد على الطاقة الاحفورية (اقتصاد النفط والغاز الطبيعي) وإنما على تنمية اقتصاد متنوع خصيب من المعرفة والثقافة والطاقات المتجددة مع التكييف السريع لمواجهة مختلف انواع الأزمات أمر يستوجب استقطاب الكفاءات العراقية كافة ومن ضمنها تلك التي غادرت البلاد نتيجة لظروف استثنائية انتابها توتر وعنف شديدين ومركزية قاتلة لروح التجدد والابداع.
أخيراً لعل من المناسب جداً التفكير في كيفية تمكين الطبقة الوسطى من إنعاش الدور الإنتاجي- الإبداعي الذي ينشد وبشدة ضرورة تقديم حلول لمشكلات وأزمات العراق حاضراً ومستقبلاً ما يسهم ببناء عراق مدني - جديد حديث بحق.