ثقافة الذاكرة ..والبحث عن جذور الأصالة الوطنية

رقم العدد: 4258 نوع النسخة: ورقية تاريخ اخر تعديل: 8/25/2018 3:00:32 PM

عبدالله حبه

أجد في الصحف العراقية بين حين وآخر "شذرات " من ذاكرة بعض أبناء جيل الخمسينيات والستينيات الذي عاشوا في أعوام إزدهار الثقافة وتصاعد الحركة الوطنية في العراق. إنها الاعوام التي نشأت أنا فيها في اجواء معهد الفنون الجميلة في ورشة جواد سليم ، وحضرت هناك مرة حين كان يصنع التمثال النصفي لعازف العود الشهير سلمان شكر ، كما حضرت دروس فائق حسن في رسم الموديل.. وبروفات حقي الشبلي لدى إخراج مسرحية " شهرزاد" لتوفيق الحكيم ..والأمسيات الموسيقية لعازفة البيانو بياتريس اوهانسيان. وكنت أزور المعارض الفنية التي عرضت فيها لوحات الفنانين من جماعة بغداد للفن الحديث وجماعة الرواد وغيرهما من الجماعات الفنية.وبقي في ذاكرتي مشهد "إعتقال" جواد سليم وإقتياده الى مركز الشرطة لأنه وقف بالقرب من الصيدلية في ركن شارع المتنبي ليرسم جامع الحيدرخانة "بلا رخصة". وكان المشهد طريفا حيث كان جواد يرتدي الشورت وقميص البحارة وعلى رأسه الخوذة الخاكي ويمشي وهو يبتسم للشرطة. وآنذاك تعلقت بحب الفنون بالإضافة الى تعلقي بقراءة الكتب من مكتبة جامع الخلاني.وكنت غالبا ما أحضر لقاءات الفنانين والجدال بينهم ، وكان في طليعة المنظرين شاكر حسن آل سعيد وزميله النحات محمد الحسني والفنان والكاتب الإعلامي لاحقا خالد القشطيني.
إن الرجوع في الذاكرة الى أحداث تلك الفترة كواقعة الجسر ومصرع زميلي في المدرسة ناجي نعمة السماوي وحيد أمه وما كابدته من معاناة وأنا أراه محمولا الى سيارة الإسعاف جعلني أفكر دوما بأن الأقدار حكمت على بلادي بأن تعاني من المحن والأرزاء . كما بقي في الذاكرة وقوف الجواهري في باب المعظم فوق سلم لعمال الكهرباء أمسك به نفر من الشبان حيث ألقى رائعته " أخي جعفر.." لدى إستشهاد أخيه. وأيامذاك تعلمت الكتابة على آلة طابعة زودني بها " الرفاق" من اتحاد الطلبة العام السري حيث كنت أطبع على ستة نسخ من الورق الشفاف بيانات الاتحاد لتوزيعها سرا في المدارس والمعاهد العالية. إنها آلة الطابعة ذاتها التي أخفتها أمي في "باركيل"بيتنا في صبابيغ الأل حين جاء الشرطة الى بيتنا للتحري فيه. وتعلمت آنذاك إبتلاع التقارير السرية لإجتماعاتنا الطلابية والمكتوبة على ورق شفاف وطيها وتحويلها الى شئ بحجم اللوز يسهل إبتلاعها لدى الخطر. وبقي في الذاكرة إقتيادي الى مديرية التحقيقات الجنائية حيث وضعت تحت رحمة المفوض سعيد الأسود الذائع الصيت الذي أراد أن يعلمني كيفية "الإنصياع الى الأوامر". وآنذاك أخذت أول درس في الروح الوطنية حين شاهدت صمود الموقوفين وصلابتهم.
واليوم أرى في كل مكان في روسيا النصب واللوحات التذكارية للشخصيات البارزة من رجال السياسة والعسكريين والثقافة والعلوم التي تخلد ذكراهم . وأدركت حينئذ السر في تصاعد الروح الوطنية لدى الروس ولاسيما في فترة المحن والأخطار على بلادهم. وعرفت السبب في هزيمة جحافل نابليون في عام 1812والنازيين في عام 1945 لدى هجومها على روسيا. وأنا أزور الآن مدينة أوفا عاصمة جمهورية بشكيريا ومدينة اورنبورغ في روسيا بمناسبة تخليد ذكرى الدبلوماسي السوفيتي كريم حكيموف أول مبعوث سوفيتي الى اليمن والحجاز بعد ثورة أكتوبر 1917. فعجبت لوجود جميع الوثائق التي تتعلق بحياته وعمله هناك في الأرشيفات الحكومية للمدينتين وفي المتحف الخاص به في قرية ديوسيانوفو البشكيرية حيث مسقط رأسه. كما أدهشني إطلاق إسمه على الشوارع ووضع لوحات تذكارية في المدرسة الإسلامية التي تعلم فيها في طفولته وفي المدرسة الإسلامية في بلدة كرغلا في مقاطعة اورنبورغ ومن ثم في مدرسة "عالية" في أوفا. علما إن روسيا غنية بالشخصيات العظيمة الأخرى على صعيد السياسة والثقافة والعلم ، ويأتي الإهتمام به قبل كل شيء من أبناء جلدته في بشكيريا.
إن كريم حكيموف أبن الفلاح يعتبر من أبطال الشعب البشكيري حيث حارب في صفوف الجيش الأحمر في فترة الحرب الأهلية (1918-1919) ومن ثم عين قنصلا عاما في ايران (1921-1924) حيث أتقن اللغة الفارسية الى جانب اللغة الفرنسية ، وبعد ذلك ارسل الى جزيرة العرب بصفة مبعوث سوفيتي في اليمن والحجاز حيث أتقن اللغة العربية ، وكان ذلك في فترة قارع فيها حكيموف عملاء المخابرات البريطانية والدبلوماسيين البريطانيين الذين عملوا بمختلف الدسائس على إبعاد النفوذ السوفيتي من جزيرة العرب التي كانت تحت سيطرتهم . ولكن كثرت الدسائس حوله وأستدعي الى موسكو حيث لقي محاكمة صورية بتهمة التجسس لحساب بريطانيا وفي أيام القمع الستاليني أعدم في 10 يناير عام 1938، لكن أعيد الأعتبار إليه في عام 1956 .
وعندما كنت أتجول في الأماكن التذكارية في أوفا واورنبورغ في الأماكن المتعلقة بكريم حكيموف وغيره من الشخصيات المرتبطة بهاتين المدينتين مثل الشاعر بوشكين والكاتب دال ورائد الفضاء غاغارين وحتى نيكليويف أول محافظ لمدينة اورنبورغ في العهد القيصري، صرت أتذكر ما واجهت فكرة تأسيس متحف للجواهري في بغداد من مشاكل ومدى العراقيل التي أقيمت أمام هذا المشروع الذي لم ير النور حتى الآن، وخلو مدننا من المواقع التذكارية لرجال عملوا الكثير من أجل بناء هذا الوطن المنكوب دائما. فأين النصب واللوحات التذكارية والمتاحف التي تخلد ذكرى الشخصيات العظيمة في هذه الأرض كسرجون ونبوخذ نصر وآشور بانيبال والمنصور والرشيد والمعتصم وباني الدولة العراقية الحديثة الملك فيصل الأول ناهيك عن الشعراء ورجال الثقافة كالرصافي والزهاوي وعلي الوردي وغائب طعمة فرمان وجواد سليم ومحمود صبري. إن التلامذة في روسيا على إختلاف قومياتهم يرتادون المتاحف والأماكن التذكارية المتعلقة بتاريخ بلادهم لكي تترسخ في نفوسهم مشاعر الفخر والإعتزاز بوطنهم ، وهذا بالذات يجعلهم يتلاحمون لدى الكبر من أجل صيانة هذا التاريخ والدفاع عن الوطن في لحظة الخطر. متى سنتعلم من الأمم المتحضرة دروس العناية بتاريخنا بدلا من نهب المتاحف وتحطيم محتوياتها لكي يمسح من الذاكرة كل ما يتعلق بهذا التاريخ؟