واشنطن بوست: بغداد تعود لحياتها الطبيعية بعد انحسار العنف

رقم العدد: 4259 نوع النسخة: ورقية تاريخ اخر تعديل: 8/26/2018 8:00:37 PM

 ترجمة حامد أحمد

يكاد الوقت يقترب من منتصف ليل الخميس وماتزال الشوارع مكتظة بحركة السيارات . قسم من الناس بدأوا بالتوجه نحو بيوتهم بعد تناولهم وجبة عشاء مع أفراد العائلة والأصدقاء وهناك قسم آخر من الناس من بدأت سهرتهم تواً.
عند نادي ، إبراهيم باشا ، المفتوح حديثاً كانت الحفلة على وشك أن تبدأ . مغنية سورية ذات شعر أشقر طويل وكعب عالٍ بدأت تغني أغاني عربية بمصاحبة عازف عراقي ماهر على آلة السكسافون وعازف بيانو مع عازف عود . وعندما كان صوتها يصدح بالأغاني العراقية القديمة المفضلة قام الزبائن ، الذين كان أغلبهم من الشباب من طاولاتهم المعمورة بقناني شراب الويسكي ، وبدأوا برقصة الدبكة العربية فيما بينهم .


بعد مرور 15 سنة على الغزو الأميركي الذي ادخل البلد في دوامة عنف وسوء إدارة وحرب ، بدأت بغداد تعيش مرحلة نهوض جديدة .
تهديدات المسلحين ماتزال متواجدة وكذلك سوء الإدارة في البلد . عراقيون غاضبون أزاء فساد قادتهم السياسيين وفشلهم بتوفير الخدمات الاساسية الضرورية كالكهرباء والماء قضوا أيام الصيف باحتجاجات شملت مناطق واسعة من البلاد . ليس هناك من شعور بالتفاؤل بين سكان مدينة تعرضت لويلات عنف على مدى طويل من الزمن ، يسمح لهم بالتطلع لمستقبل زاهر .
ولكن ، وللمرة الأولى ، على امتداد ما يمكن للمرء أن يتذكر ، فان بغداد الآن على الاقل ليس بحالة حرب . ورغم إنه ماتزال تحصل هناك انفجارات وما تزال حوادث الاختطاف تعد مشكلة ، فان التفجيرات الانتحارية المستمرة التي أضرّت بكل شيء قد خفت الآن وذلك منذ الحاق الهزيمة بداعش العام الماضي وطرده من الأراضي التي كان يحتلها . وبدأت العاصمة بغداد تستعيد أنفاسها من جديد .
كانت مبادرة ذات مرونة أكثر من برلمانيين قد سمحت بانتعاش أماكن اللهو في بغداد . وتم التراجع عن اجراء بحظر الكحول اتخذ العام الماضي .
مقاهٍ ونوادٍ وبارات بدأت تتكاثر . وهناك مراكز تسوق ضخمة ، مولات ، بدأت بالانتشار وفيها صالات عرض سينمائية تعرض للزائرين أحدث الأفلام المطروحة وباستخدام تقنيات تكنلوجية حديثة بارتداء نظارات التجسيم عند المشاهدة . هناك مطاعم تطل على النهر ومقاهٍ ومسرحيات كوميدية في حفلات مسائية في عدة مسارح منتشرة في بغداد .
وخلال أيام الجمع يطلق الشعراء مالديهم من قصائد ويظهر الفنانون مالديهم من رسومات ولوحات فنية في حدائق شارع المتنبي الذي يعود تاريخه للعهد العثماني .
يقول عراقيون إن مدينة بغداد أمامها طريق طويل لتقطعه إذا ما أرادت أن تستعيد أمجادها القديمة كعاصمة للثقافة والفنون . ولكن هناك شعور سائد بانه لم يمر ببغداد يوماً على مدى 40 عاماً مضت منذ هيمنة حكم صدام حسين على العراق ودخوله في سلسلة حروب ، أن شعرت بغداد بحرية ومرح كما تشهده العاصمة الآن .
علاء قحطان ، مدير مسرح ، ارتاد مركز مقهى وكتاب الثقافي في بغداد يقول " كل عراقي توصل الى استنتاج إنه من المهم أن يحصل المرء على أعلى قدر من المرح قبل أن يموت ." مشيراً الى أن غياب التفجيرات هي ليست السبب الوحيد لتولد الشعور الجديد بالحرية .
ومضى قحطان بقوله " الأحزاب الدينية والمليشيات التي كانت في السابق تمنع الكحول وارتياد النوادي قد غيّرت أسلوبها الآن بعد انشغالها بامور السياسة ، فهي لم تعد تهتم بما تلبس وإذا كنت تتناول الخمر أو لا . أنا أشعر الآن بحرية أكثر في مسرحي الذي أديره ، لدي صديقتي واستطيع أن اعانقها في الشارع بدون خوف ."
يقول الروائي ، أحمد سعداوي ، وهو يتحدث عن صورة غلاف الطبعة الجديدة لروايته ، فرانكشتاين في بغداد ، بانه ليس هناك ضمان من ان يستمر وضع الاسترخاء الحالي طويلاً . وكانت أحداث روايته تحكي عن ذروة أحداث القتل الطائفي التي عمت بغداد قبل عقد من السنين عندما كانت الكراهية والبغضاء سائدة , وقد اختيرت روايته مؤخراً للدخول في قائمة المتنافسين المرشحين للحصول على جائزة ، مان بوكر ، الدولية للرواية .
وأضاف سعداوي قائلاً " كل هذا يمكن أن ينقلب بسبب السياسيين الذي ابدوا عن حماقتهم يوماً بعد يوم . ولكن نأمل من أنهم قد تعلموا شيئاً من المآسي التي حدثت سابقاً ، لانه لا السنّة ولا الشيعة ولا الاكراد لديهم الطاقة لخوض صراع آخر . هناك شيء يتعلق بالشخصية العراقية ترجع لآلاف السنين . لقد كشف المؤرخون بان العراقيين أول من صنع ، الجعة ، قبل 7 الاف سنة ، التمتع بالحياة متجذرة في الثقافة العراقية ، العراقيون ليسوا روحانيون إنهم يحبون المرح والاحتفال ."
أحد أكثر الأماكن استثناءً في بغداد هو البار الذي اعيد افتتاحه مؤخراً في الطابق العلوي لفندق فلسطين . حيث بامكان شخص أن يدفع مبلغ 100 دولار للحصول على قناني مشروب ، ويسكي ، وأن ينتقي لصحبته إحدى الشابات المتبرجات الجالسات حول طاولة البار .
كثير من النساء استفدن أيضاً من اجواء التحرر السائدة . ورغم أن اغلب زبائن نادي ، مقهى إبراهيم باشا ، من الرجال فانه كان هناك زوجان متوسطي العمر يجلسان في المقهى يتناولان الشيشة مع وجود عائلة يتخللها نساء وأطفال يصفقون مرحين على أنغام الموسيقى .
أغلب العراقيين لايحتسون الخمر ولكنها المقاهي التي أصبحت الآن بإمكان النساء أن ترتادها وتختلط مع الرجال وقد أصبحت تلك المقاهي محط اهتمام اجتماعي . وتقول ، مريم سلطان 24 عاماً حاصلة على شهادة تحليلات مرضية وتعمل في مختبر ، إنه لحد سنوات قليلة مضت كانت مخاطر الشارع تردع العوائل من السماح لبناتها الخروج بمفردهن . وإنها قد جاءت مع مجموعة من صديقاتها الى مقهى الفيصلية الذي افتتح العام الماضي ويجذب مجموعة مختلطة مع لياليه الكوميدية وفرق غناء غربي .
وأضافت سلطان بقولها " الناس أصبحوا أكثر حرية في طبائعهم ."
بالنسبة للعوائل التي ليس لها قدرة مالية لدفع أجور المقاهي والنوادي فان شارع جسر الجادرية المطل على نهر دجلة يعتبر متنفساً لهم للتعبير عن مرحهم ، حيث يلجأ قسم من الشباب الى ركن سيارتهم الى الرصيف لاحتساء مايجلبوه معهم من مشروبات مع تشغيل أغاني من مذياع السيارة ويلجأ بعضهم للرقص أيضاً .
يشار الى أن الجسر أصبح أحد أكثر مناطق الترفيه في بغداد بسبب عذوبة نسمات الهواء القادمة من النهر حيث تأتي العوائل هنا وخصوصا في ليالي الصيف التي تتجاوز فيها درجات الحرارة الخمسين درجة مئوية .
وقال ، عماد سلمان 50 عاماً ، الذي كان واقفاً على الجسر مع زوجته وأطفاله عند الساعة الثانية من بعد منتصف الليل " الجو حار جداً في البيت ولهذا نأتي الى هنا لأن هناك الكثير من العوائل والناس تستطيع الاستجمام ."
اعتباراً من منتصف شهر تموز بدأت الشرطة تلاحق متناولي الكحول في الهواء الطلق وأصبح الجسر هدفا لذلك . وبينما كان ، سلمان ، يتحدث جاءت دورية شرطة وجاء صوت أحد الشباب من تحت الجسر " لقد جاءت الشرطة اهربوا اهربوا " الكل استقلوا سياراتهم وأسرعوا بها . وبعد مرور نصف ساعة عادوا للشرب من جديد وكانت الساعة تشير الى قرابة الثالثة فجراً من يوم الجمعة .
* عن الواشنطن بوست