نافذة من موسكو..ليس بضخ الأموال وحده تُحل مشاكل العراق

رقم العدد: 4248 نوع النسخة: ورقية تاريخ اخر تعديل: 8/27/2018 6:29:53 PM

د. فالح الحمـراني

بعد الاحتجاجات الجماهيرية التي عمّت المدن الشيعية (الموالية) مدّت الحكومة على جناح السرعة يدها "لكيس" الاحتياطات المالية الثري، وكساحر أغدقت "برحمتها" على المدن المستاءة التي تعاني ورغم وجود تلك الأموال (وغيرها التي ذهبت وتذهب إلى جيوب وحقائب الذين يعيشون على واردات الدولة والذين يغتصبوها بمختلف الأشكال، وهي مكشوفة) من شظف العيش وانعدام أبسط مستلزمات الحياة، وأولوياتها التي تعمل كل دولة حتى الفقيرة مثل الصومال وجيبوتي وأفريقيا الوسطى...إلخ، على توفيرها لمواطنيها. الحكومة استفاقت (بصدمة) تهديد آية الله السيستاني (حفظه الله ورعاه) "وإن تنصلت الحكومة عن العمل بما تتعهد به أو تعطل الأمر في مجلس النواب أو لدى السلطة القضائية، فلا يبقى أمام الشعب إلا تطوير أساليبه الاحتجاجية السلمية لفرض إرادته على المسؤولين مدعوماً في ذلك من قبل كل القوى الخيّرة في البلد، وعندئذ سيكون للمشهد وجه آخر مختلفٌ عما هو اليوم عليه" (إنها تذكر برسائل آية الله روح الله الخميني لشاه إيران والتهديد بكسح حكومته الظالمة إن لم يسمع صوت شعبه، ولم يسمع).
إن حل الأزمات المستفحلة في بلدنا لا يمكن حلها بطريقة ضخ الأموال (هبات الحاكم) بهذه الطريقة (الساذجة) التي تدلل بصورة واضحة على عدم الكفاءة الإدارية (دعك عن الاقتصادية) لدى من وضعت الظروف (الملتبسة) بيده مقادير إدارة دفة الدولة (العراقية). إنها محاولة (ساذجة وعقيمة) لتطويل أمد أجل (بعض القوى) الاحتفاظ بكراسي الحكم، لا غير، لأن الوضع الذي لا يدركه من يهيمن (عادة باسم تمثيلة لأبناء المذاهب الشيعية والسنية وغيرها وليس بمهنية عالية في ميدان ما) هو أبعد من ذلك ويتطلب إجراءات عميقة وبنيوية أخرى. إن إدارة الدولة (علم) أكثر تعقيداً وجدية مما يتصورون، خاصة في عالم اليوم، حيث سيادة العولمة والثورة التكنولوجية والأنماط الجديدة من العلاقات الاقتصادية والتركيبة الجيو/ سياسية في العالم والمنطقة، وظهور نموذج جديد للرأسمالية كتشكيلة اجتماعية، فضلاً عن التطاحن الإقليمي الخطر، الذي تمثله المواجهات بين ايران والسعودية وإسرائيل، والتناحر القائم في منطقة الخليج، والحروب الدائرة في المناطق القريبة.
تنحصر أولى المهام (هناك إجماع على ذلك) في إعادة النظر في مجمل العملية السياسية وتشخيص علل عطلها. لأنها مثل الدستور لم توضع من قبل العراقيين، أو على الأقل لم تحظ بقبول أغلبية العراقيين. شارك بوضعها أجانب لم يلموا بالوضع العراقي ودقائقه، والأهم من ذلك إنها مهّدت الطريق لوضع دفة الأمور بيد قوى تؤبد الماضي ومشاكلة العويصة وترضخ تحت أجندته التي عفى الزمن عنها، وليس بيد القوى الجديدة الطامحة للتغيير والتجديد وربط العراق بعربة الحضارة القائمة والاستفادة من قدراته (البشرية والطبيعية) للتغلب على المشاكل والمعضلات التي خلفتها الأنظمة الديكتاتورية السابقة، بل لوضعها بيد القوى المظللة المتطرفة التي تستخدم لإثارة روح التفرقة والتجزئة في مجتمعنا، على أساس مذهبي (غير عقلاني) وسَبَبَ ذلك ليس فقط بإهدار ثروات البلد المالية والبشرية بل واحتلال "جماعة مسلحة!" داعش جزءاً كبيراً من البلد (ما هي دلالته؟). إن التاريخ برهن على فشل منطلقات العملية السياسية وخطر قيادتها في إدارة الدولة العراقية. وحتى من نصفهم تاريخياً (عملاء للإنكليز والديكتاتوريين) لم يوصلوا بالعراق إلى قاع مثل هذه الهاوية التي نحن بها اليوم.
العراق دولة مأزومة، ليس من يجادل في ذلك. ومن الواجب البحث بموضوعية وبصدق وبشرف لمن يعنيه فعلاً وحقاً بناء الدولة العراقية الجديدة، وليس استغلاله كمورد للثروة والنفوذ والسلطة على حساب أهاليه، عن جذور وخلفيات هذه الأزمة وأين تكمن من اجل التغلب عليها. إن تجليات الأزمة تتضح بعدم شفافية توزيع عوائد النفط وبتعدد مؤسسات القوة وشرذمتها وإخضاع العملية الديمقراطية لتحقيق أهداف تنكرها الديمقراطية أساساً (المحاصصة والطائفية والمحسوبية والمنسوبية والفجوة الواسعة في مستوى المعيشة بين مختلف الشرائح والحراك الاجتماعية)، وشعور الشرائح الشبابية بالإحباط وانعدام ثقة المجتمع بالدولة كقوة للحفاظ على الأمن وتوفير الخدمات.
إن تحسين الوضع الاقتصادي لا يمكن بتوزيع هبات من الحكومات على الجائعين والمُستضعفين، وإنما باتخاذ إجراءات تستهدف إعادة هيكلة وبناء الاقتصاد واطلاق قدراته الإنتاجية وعدم حصره على موارد النفط وتشجيع الشرائح الاجتماعية الناشطة في خلق مرافق جديدة للإنتاج، وخلق المناخ الملائم للاستثمارات واطلاق القدرات الابتكارية وبالتالي تمهيد الأجواء لإطلاق ثورة تكنولوجية في البلاد، من دونها ليس بمقدور البلد الالتحاق بركب الحضارة العالمية، وسيُقضى عليه أن يكون وأهله على هامش ورصيف التحولات البشرية، أو بكلمة أدق ضمن "المهمشين" في العالم المقبل.
لقد اختمرت الحاجة إلى إصلاح القطاع الزراعي وتحديث قوته الإنتاجية، مما سيؤثر مباشرة في نوعية النمو الاقتصادي وزيادة عوائد مؤسساته. غير أن هذا يتطلب تطوير المجالات المتداخلة (إعادة التصنيع والخدمات). وتوفير عمليات النقل وتحديث البنى التحتية (خاصة للري) لرفع القدرات التنافسية للقطاع الزراعي، وخلق الأجواء المناسبة لتدفق الاستثمارات له. إن هذا التطور يستوجب وجود استقرار سياسي في البلاد.
وأخيراً من نافل القول بأولوية إيجاد حل جذري لمشكلة توفير الطاقة الكهربائية، إن تجربة الدول المجاورة والبعيدة (الصين بدأت الآن بناء محطة كهرباء بطاقة هائلة في الإمارات، تعمل على الفحم!) تبرهن على وجود خيارات ناجعة عديدة، وإنها قضية ليست مستعصية في عالم اليوم، كما إن الوقت حان لدراسة أوضاع المصانع والمؤسسات الإنتاجية المعطلة منذ 2003 والنظر بمدى أهميتها الاقتصادية، لأنها تمتص واردات مالية كبيرة وتحولت إلى عبء على الموازنة.