ماذا كان سيقول طالباني لو كان حيّاً؟

اسم الكاتب: فخري كريم رقم العدد: 4282 نوع النسخة: ورقية تاريخ اخر تعديل: 9/30/2018 10:33:50 PM

 فخري كريم

بما أنّ الأحزاب في كلّ مكان هي هيئات عامة تخضع لرقابة الرأي العام بوصفها تعبِّر في انتخابات ديمقراطية عن مدى تجسيدها لإرادته، فإن التفاعل معها أو نقدها وتقويم سياساتها في كل جوانبها التي قد تسبّب أذىً للمصالح الوطنية العليا لبلدانها حقٌ مكفول لكلّ مواطن بغضّ النظر عن موقعه أو مسؤولياته في الدولة والمجتمع. وتزداد مسؤولية هذا المواطن استثنائياً، إذا كان كاتباً أو إعلامياً أو ناشطاً في أي مجال من مجالات الحركة السياسية أو المجتمع المدني .
ولكن، و"قاتل الله لكن "، رغم قناعتي بهذا الحقّ، كنت أتردد في أغلب الأحيان ، من استخدامه ربما لارتباط ذلك بتفضيلي اعتماد الحوار المباشر وتبادل الرأي وتقديم تصورات حول ما أراه ضرورياً للتقويم أو لمعالجة ما أراه خللاً او خروجاً على السياق العام لما ينبغي أن يكون عليه الموقف في الحزب أو الجهة السياسية المعنيّة ،إذ يتصدّيان لمهامّهما. وفي كل الأحوال كان دافعي من ذلك هو تجّنب التدخل في شأن هذا الحزب أو ذاك، فيما هو حقّ حصري له .

ولم يكن هذا النهج المتحفّظ في التقييم والنقد، مفهوماً في كلّ الحالات ، وبشكل خاص بقدر تعلق الأمر بالأوضاع في إقليم كردستان وفي مواقف ونشاط أحزابه وقياداته ونهجها وبعض توجهاتها، رغم أنني لم أستثنِ الإقليم وقياداته من النقد، وإن كان بالنسبة لمن في نفوسهم وعقولهم عطب "غير وافٍ" بالغرض، كما هو عليه حال المتطاولين المُستَهدِفين – المغرضين، من عسس " شبكات التطاول الاجتماعي" ومن يقف وراءهم.
والحقيقة أنني لم أكتب يوماً أنّ هذه القيادات والأحزاب أو بعضها منزّهة عن لوثة الفساد أو العبث بالمال العام أو تهريب النفط أو سوى ذلك ممّا يسود العراق من أقصاه إلى أقصاه، ويطبع سلوك الطبقة السياسية المتحكمة بمصائر البلاد والعباد. وأنا أكتب عمّا يجري في العراق، كنت أعني العراق"الجيو سياسي" كله من دون استثناء،
لم تكن لهذه المواقف قيمة عند " المُستهدِفين" فالمطلوب تبنّي الشتائم لبارزاني أولاً وأحياناً لطالباني ..! وهذا ما لم أفعله ولن أفعله في المستقبل ،لأنه يتعارض مع قيمي وأخلاقياتي ولا يدخل في باب النقد والتقويم ..
لكنني أجد اليوم، بعد عقود من العمل الحزبي والسياسي والإعلامي أن التردد في ممارسة حق النقد والتقويم وإضاءة المخبوء من الممارسات والسلوك، لا يجدي نفعاً عاماً، بل يثير الالتباس ويحول دون وصول الحقيقة لمن ينبغي أن تصل إليه، ويحرم الرأي العام من حقه في أن يعرف، وإلا ما قيمة ما نطالب به من شفافية وتدفقٍ للمعلومات ..!
ليس خافياً أنّ علاقتي بالاتحاد الوطني الكردستاني تعززت من خلال الصديق الكبير مام جلال التي تعود بداياتها إلى السنوات التي أعقبت ثورة ١٤ تموز . ومع تعمّق علاقتي مع مام جلال، واتخاذها منحىً عبّر عنه بخطه في دفتر ملاحظاتي القول المأثور " ربّ أخٍ لك لم تلده أمك " وأقرنها في لقاء جمعنا في دوكان مع هيرو خان دعاني لنحتفل معاً في رأس السنة الميلادية لنعمد فيها " أخوّتنا " نحن الثلاثة ، ونتعاهد على الحفاظ عليها بغض النظر عن التقلبات وصروف الحياة التي قد نواجهها. وتلازمت أيدينا وهو يشدّ عليها ويكرر العهد . لقد بقينا على العهد حتى اللحظة الأخيرة من حياته . وعبر العقود التي مرت بنا ، فإنه ظل أكثر حرصاً وتمسكاً بصداقتنا، حتى جاء الوقت الذي لم نعد نفترق فيه ، أينما رحل أو حل . في تلك الايام كنّا نتبادل الهموم والهواجس وليس الآراء والتقديرات فقط ، ويشمل ذلك الاوضاع الداخلية للاتحاد الوطني وما كان يمر به من صراعات واختلاف الى جانب الأوضاع في البلاد . وفاجأني مرة بدعوتي للدخول الى قاعة الاجتماعات في دوكان ، فوجدت اجتماعاً مصغراً للمكتب السياسي، وعندما انفردنا عاتبته بودّ مشيراً الى ما سببه لي من إحراج وربما للزملاء من قيادة الاتحاد، فأنا "ممثله وكبير مستشاريه " في الرئاسة ولا علاقة لي بالاتحاد، فأجابني: أنني قصدت إشعارهم بأنك مستشاري في الحزب أيضاً، أعتمد على صدقيتك معي وتجربتك الحزبية ، ولإفهام من يتناولك من وراء ظهري بأنه بذلك يسيء لي ..!
أستذكر هذا التاريخ ، لأقول إنّ ما يتعرض له الاتحاد من أزمة أو تصدّع أو تراجع يدخل في صلب اهتمامي ليس لوفائي لتلك العلاقة الحميمة ، بل إنّ ذلك ينعكس سلباً على مصائر الإقليم ويمتد الى تخوم الوطن العراقي ، كما هو الحال هذه الأيام حيث يتعرض الاتحاد الى تصدّعٍ وتجاوز لما كان موضع اهتمام ورعاية دائمة من مؤسّسه .
ومن اللافت أنّ تفاقم الصراع داخل الاتحاد تزامن مع مرض المام، وارتباطاً بتنافسٍ محمومٍ خارج الشرعية الحزبية وقواعدها، بين طامعين ومغامرين من داخل الأسرة ومن خارجها لتوريثه، وإن طبيعة التنافس والصراع لم يرتبط بصيانة وحدة الحزب والارتقاء به وتوطيد مكانته، وإنما ارتباطاً بتقاسم الميراث والسلطة .
لقد تعرّض الاتحاد الوطني الكردستاني في الأشهر الأخيرة إلى تصدّع يكاد يقود الى مزيد من الشرذمة والتشظي. وقد يقال إن أحداً غير الاتحاد وقيادته لا حق له بالتدخل في ما هو شأن داخلي ، وهذا حقّ صريح إذا كان الشأن داخلياً لا تمتدّ عواقبه إلى الإقليم أو تتجاوزه إلى العراق المبتلى .
إنّ الصراع على السلطة والمال في قيادة الاتحاد الوطني الكردستاني دشّن مرحلة خطيرة بعد وقت قليل من مرض الرئيس الراحل جلال طالباني، واشتدّ وتصاعدت وتيرته بعد وفاته وربما حتى قبل أن يوارى الثرى. والقطب الأبرز لهذا الصراع كان الدكتور برهم صالح ، إلى جانب استقطابات مع أو ضد، وشكّلت السيدة هيرو خان عضو المكتب السياسي عقيلة المام القطب الآخر في المواجهة . ولستُ في وارد إضاءة خارطة هذا الصراع ، وتناول أسسه ودوافعه وأهدافه ، والتباين في مواقف مراكز القوى المتصارعة وتقلباتها ، بل أجد من "الضرورة الوطنية " أن أتوقف عند تطور نشاط ودور الدكتور برهم صالح ، في هذا الصراع الذي يجسد بوضوح ما ينطوي عليه الصراع على السلطة والمال والجاه ، ويعكس نموذجاً لسياسي من الطبقة المتمادية في تسلّطها ، مهووساً " مرضيّاً " بالسلطة بأي ثمن ، وتحت أي ظرف ، ومهما تطلبته من تقلب في الأهواء والمواقف والأدوار والتنازلات المخلّة ، والتعهدات السرية والعلنية ، ولا تصح عليه لكنني سأتوقف أمام محطات أراها ضرورية لإزالة الغشاوة عن عيون بعض القيادات في بغداد التي كانت على علاقة مع طالباني ومن خلاله مع برهم صالح .
ولكسر حدة الصراع في قيادة الاتحاد في مرحلة الحكومتين في السليمانية وأربيل وبروز الصراع بين الرئيس طالباني من جهة والراحل نوشيروان مصطفى والأخ كوسرت رسول من جهة ثانية، وهو ما تفجّر لاحقاً بعد فشل كل المحاولات التي بذلها طالباني، ونجم عنه الانقسام الكبير في الاتحاد الذي تمخض عن تنظيم التغيير برئاسة نوشيروان . استقدم طالباني برهم صالح الذي لم يكن قيادياً وضمّه الى المكتب السياسي من دون انتخاب او مؤتمر، ليكون أداة لمواجهة كوسرت رسول ابتداءً، فعزلَ الاخير عن رئاسة حكومة السليمانية ونصّب برهم صالح بديلاً عنه، ثم سمّاه بلا انتخاب أميناً ثانياً للاتحاد، وهذه المرة كما في المرات اللاحقة ومؤتمراته واجتماعاته الموسعة لم يخض برهم ولا عملية تصويت واحدة ولم ينتخب ولا مرة واحدة بل جرت تسميته بلا انتخاب في كلّ مرة بسلطة ونفوذ الأمين العام !
ويمكن النظر الى هذا كله باعتباره حقاً للاتحاديين قبولاً بالممارسة أو بالرفض، لكنّ تداعياته الخطيرة تتجلى بوضوح بعد رحيل طالباني الذي كان يتمتع بكفاءة استثنائية لاحتواء الصراعات وتطويعها وتجنيب الحزب التعرض الى التصدع، اعتماداً على حضوره النافذ ، وبوسائله الخاصة التي لم تعد سراً، ومن ذلك إبطال مفعول المذكرة الشهيرة لأغلبية اعضاء المكتب السياسي التي تضمنت تحديد صلاحيات الامين العام.!
وخلال تلك المرحلة ولاحقاً دعمت التوجه لتجديد بنية الاتحاد عبر الحوارات التي كان الرئيس يثيرها معي حول مختلف القضايا السياسية بما في ذلك ما يتعلق بالشأن الحزبي ، بوصفي صديقاً وموضع ثقته وربما لقناعته بكوني منزّهاً عن الغرض. وقد بذلتُ مساعي لم تنقطع لخلق أجواء إيجابية ومصالحة بين برهم وهيرو خان حتى قبل ان تصبح في قوام المكتب السياسي . وكان الرئيس يراقب تلك الجهود بارتياح ودعم، وكان من بين جولات المصالحة تلك لقاء بينهما بحضور طالباني في منزله في السليمانية .
لكن برهم صالح الذي تلبسته مظاهر الغرور والاستعجال في حرق المراحل لبلوغ مطامعه، لم يكن قادراً على إدامة مناخ المصالحة، إذ سرعان ما كان يتناول هيرو بالسوء والتلويح بالوعيد في مجالسه الخاصة مع من كان يعتبرهم تابعين وموالين له، دون أن يأخذ في الاعتبار تنبيهاتي بأنّ " للحيطان آذاناً وعيوناً " ولنصائحي بالتوقف عن تخريب العلاقة وديمومتها وإبقائها في إطار الاختلاف .
ولكنني حريص على إضاءة السلوك غير الوفي الذي استفزّني وأدى في النهاية الى تصديع علاقتي بالدكتور برهم ، بعد مرض الرئيس طالباني وحتى نهاية فترة رئاسته .
لقد صعقت بعد أيام من نقل الرئيس طالباني الى ألمانيا وهو في حالة كوما "أغماء" تتهدد حياته، بزيارة مفاجئة لبرهم ليفاتحني بأمر خطير، وكان يزورني أو نلتقي في منزله كل أسبوع أكثر من مرة أحياناً.
وعليّ أن أؤكد في هذا السياق جازماً أن علاقتنا كانت تتميز بالمودة والاحترام ، ولم نكن على خلاف شخصي، بل إن نقاشاتنا السياسية غالباً ما كانت تتوافق ونادراً ما كانت موضع خلاف. ونفس هذه المودة كانت تجمعني مع أسرته الكريمة، عقيلته والفقيدة والدته.
قال لي الدكتور برهم: إنّ حالة الرئيس خطيرة ويصعب التنبؤ بما ستؤول إليه وإنني أعتمد عليك في معالجة الخلل الذي يواجهنا ويتمثل في الفراغ الذي خفلّه وليس هناك من هو قادر على إشغاله من المتواجدين في بغداد ..!
فهمتُ ما وراء كلامه فقلت له بوضوح قاطع: أرجوك برهم لا تُثر أو تتحدث عن هذا الامر أمام أيّ كان وبشكل مطلق فالرجل ما زال حيّاً ولا يجوز أن تتحدث عن فراغ خلّفه ..اسكت أرجوك ..!
على مدى الأسابيع والأشهر التالية لم تنقطع لقاءاتنا، ولم يتوقف عن حديثه عن الفراغ مع تصعيد مسيء معدوم المروءة والوفاء، وليس له علاقة بالفراغ السياسي الذي خلّفه المام بسبب مرضه وتعطل أعمال الرئاسة المعروف بأنه شرفي لا أكثر . وأصبح الحديث يتناول أوضاع الاتحاد وقيادته ، وبلغ الكلام حداً لافتاً وهو يتحدث عن أحقيته في قيادة الحزب واشتراط أن يتمتع بكامل صلاحيات طالباني المالية والعسكرية والتنظيمية وكل المجالات التي كان يتولى مسؤولياته المطلقة فيها، وانه يرى أن المكتب السياسي بأغلبيته غير صالح ويقتضي التغيير ، وأن من شروطه تغيير قيادات البيشمركة والعلاقات وكل الاجهزة الحزبية .!
قلت له : ما تقوله هو انقلاب وتصفية شاملة لقيادات الاتحاد، وهو يتطلب مؤتمراً ديمقراطياً لتحقيقه شرعياً، وإن أهدافك هذه تعني مطالبة مَن بأيديهم السلطة والمال والأمن والتنظيم والسلاح تجريد أنفسهم طواعية وتسليم مقدراتهم لك، فهل هذه إلّا أضغاث أحلام ؟ ثم اسمح لي أن أسالك: مَن أنت " تاريخياً " لتطلب كامل صلاحيات طالباني مع علمك بأن المكتب السياسي والقيادات الحزبية تمردت أكثر من مرة على الرئيس بأساليب مختلفة طالبة تحديد تلك الصلاحيات .غالباً ما تتحدث أنت عن تحديث الحزب وإنقاذه من الهيمنة والتخلف والانفراد لكنك في واقع الحال تريد الانفراد والتحكم في كل مسامات الحزب خارج الشرعية الحزبية وباعتماد سياقاته . أهذا هو التحديث الذي تنادي به؟ أهذه هي الديمقراطية التي تريد لها أن تسود في حياة الاتحاد الوطني الذي أسسه المام .؟!
رجوته إن كان يريد أن يقود الاتحاد فما عليه إلّا أن يتفاعل مع قيادته ومِن داخله ويضع نفسه تحت تصرف الحزب بلا شروط ، وقد يتطلب ذلك مصالحات وتسويات وإرادة لتكريس الوحدة في إطار الشرعية الحزبية، بما في ذلك احتواء السيدة هيرو والآخرين. بمثل هذا السلوك يمكن أن تنفتح أمامك أبواب القصر الجمهوري أيضاً كمرشح عن الاتحاد، ولكن لماذا تعتقد أنّ هذا استحقاق حصري للاتحاد بل وحتى للحزبين؟ أليس بين الكرد مَن يصلح لتبوُّء كرسيّ الرئاسة؟ هل تعتقد أن التحديث الذي تعلنه لا يشمل كسر هذا الاحتكار وإخضاعه لنوعٍ من جسّ نبض الإرادة الشعبية؟ تكرر ذلك الحوار وتوسّع مع برهم على مدى الفترة التي بدأت مع مرض الرئيس ونهاية ولايته، وكنت أتحاور في ذات الاتجاه مع السيدة هيرو التي كانت تزورني بين فترة وأخرى وألتقيها في منزلها في السليمانية ، وكذلك مع الأخ كوسرت وقياديين آخرين .
وكان الصديق العزيز عدنان المفتي على تواصل معي وعلى دراية يومية بمجريات ما يدور من تجاذبات الدكتور برهم السلبية ومواقف السيدة هيرو وآخرين .
مع تطور المواقف السلبية للدكتور برهم وإجهاره بمطمعه " بأيّ ثمن دون استثناء " برئاسة العراق، أصبحتُ أكثر وضوحاً معه، فقلت له: إنك لن تصبح رئيساً للعراق. قال لي مرة إنه يراهن على الأخوين مسعود بارزاني ونيجيرفان ويعتمد على وعدهما بدعمه . كررت عليه : كيف يمكن أن تصبح رئيساً وأنت عاجز عن الاعتماد على حزبك وتوحيده؟..
حين زارني ماكغورك بريت ممثل الرئيس الأميركي وأثار مسألة حظوظ برهم بالترشّح للرئاسة أبلغته بأنه لن يكون، فسأل: هل أسال نيجيرفان عن هذا الرأي ، قلتُ له: لا تتردد. كذلك قال إنه سيلتقي برهم في لندن في اليوم التالي، فهل يمكن أن يبلّغه برأيي ، لم أعترض ، بل طلبت منه بدلاً من ذلك أن ينصحه بتكريس دوره الإيجابي في حزبه، ربما قد يؤهله ذلك مستقبلاً ، لكن ليس في هذه الدورة ..
لإلقاء الضوء على السلوك غير المتوازن إزاء المواقف والقضايا المصيرية ، أذكر أنّ برهم كان دائم الإشادة بالأخ مسعود، ويؤكد وهو يتحدث عنه، أنه يمتلك السمات القيادية، وأنه يتشرف أن يكون هو قائده ..! لكن هذا الموقف يخضع للحظة تلاقيه مع مصالحه الشخصية وهوسه غير المحدود بالسلطة ولو بأيّ ثمن مخل ..
فشل برهم في كسب أصوات البرلمانيين الكرد في بغداد أمام الدكتور فؤاد معصوم مرشّح التسوية المخلّة، بعد أن شقّ المكتب السياسي حول شخصه ومطامعه وليس طموحه إذا كان خارج فقدان التوازن، فلم يكن منه إلا أن يصعّد صراعه مع رفاقه في قيادة الاتحاد ؛ ويختار بعد حين أن يؤسس حزباً ويشنّ حملات تشهير وتعريض بخصومه وبحزبه ، ثم يعقد تحالفاً مشبوهاً ليس بمعزل عن تطلعه لاعتماد بديل يوصله الى سدة الرئاسة في العراق المريض بكل داءٍ يصعب الشفاء منه بوسائل ترقيعية . وظل طوال شهور قبل الانتخابات التشريعية يهدد بأنه سينهي مراكز القوى التقليدية في كردستان وسيكون الفائز الثاني .
وقد تحقق له ذلك بفوزه بمقعدين لا غير ..! فما كان منه إلا أن يشن تشهيراً وهجوماً صاعقاً على الاتحاد متوهماً إياه بتزوير الانتخابات، مع أن الشاب الذي كان يعتبره " تلميذه النجيب" "حصل على ضعف مقاعده ..
ثم بدأت مناورات التسوية الداخلية على حساب ما تبقى من هيبة الاتحاد وإرادته ومستقبله ، بين الأصدقاء الأعداء على مذبح الحزب: بين مغامرين لا يمثلون تاريخاً للاتحاد أوحتى عضويته ، وقياديين قلقين من احتمالات الغدر بهم ، والتحسب من ذلك بالبحث عن قلب المعادلات ولو الى حين . وكانت ثمرة ذلك عودة الدكتور برهم الى الحزب فارضاً شرطاً وحيداً لايقبل المساومة ، وهو ترشيحه لرئاسة العراق ! .عاد الى الاتحاد من دون نقدٍ ذاتي ، كما هو الدارج في صميم تقاليد حتى الاحزاب الليبرالية، ومن دون وضع نفسه تحت تصرف الحزب ليعالج نتائج الانقسام الذي سبّبه ، فكل شيء جرى على أساس " تفاهمات جرت " !
ومن اللافت أن التسوية قادها ابن الراحل طالباني وابن أخيه، وهما خارج القيادة الحزبية، ليؤدي التصويت إلى عودته ثم ترشحه للرئاسة الى شرخ في القيادة والتباسات في العائلة، بانحياز ٢٦ صوتاً من الحاضرين له من مجموع الحاضرين ..
أنا أعرف أن العراق انحدر الى قاعٍ لا قرار له ، تتفشى فيه أوبئة لا شفاء من عدواها وفساد للتصدير وحسب الطلب، وشراء ذمم أمام الكاميرات، ونهب لا يتوقف للثروات وصفقات مشبوهة ، أصبحت ثقافة سائدة .
ولكنّ السؤال المقلق الذي لابد من طرحه على من بقيت لهم بعض ضمائر وشرف سياسي:
هل حظّ العراقيين العاثر قد تدنّى الى مستوى يصبح فيه من يترشح لرئاسته غير قادر الحصول على دعم حزبه، بل ويعجزعلى حصد أكثر من مقعدين في الانتخابات التشريعية الأخيرة؟!..
برهم صالح يريد أن ينتزع ما تبقى من بعض أمل في التغيير فلا يتحرّج من القول في تصريحاته وهو في بغداد ، علينا أن نضع الاستفتاء خلفنا، ونتجاوز النعرات الطائفية والقومية، فتسارع قناة " تلميذه " وحليفه بالأمس الى ما أدلى به الدكتور أثناء تصويته في الاستفتاء مبشّراً بالدولة القومية الآتية ..!
على كل وطني عراقي أن يتوقف بوعي أمام هذه المسخرة التي عنوانها :
رئيس لجمهورية العراق .... بمقعدين! ، ووجوه حسب مواسم الحصاد ..!