الهيئة الوطنية للاستثمار ومشروع بسماية الاسكاني 2-1

رقم العدد: 4319 نوع النسخة: ورقية تاريخ اخر تعديل: 11/27/2018 6:26:25 PM

د. مهند محمد البياتي

أصدر مجلس الوزراء قبل أيام قراراً بنقل ملكية الاراضي المشيد عليها العمارات السكنية الى الهيئة الوطنية للاستثمار، وهي بهذه الخطوة تكافئ الهيئة على إدارتها السيئة للمشروع منذ البداية وتخبطاتها المستمرة طوال هذه الفترة وعدم شفافيتها لتفاصيل هذا المشروع الضخم والمهم جداً، والتي لم تستثمر فيه أي شيء.
قامت الهيئة الوطنية للاستثمار في تشرين الثاني 2009 بدعوة الشركات الاجنبية والعراقية لبناء 500 ألف وحدة سكنية في مختلف أنحاء العراق، ثم زادتها الى مليون وحدة بسبب العروض الكثيرة الواردة لها من أكثر من 100 شركة عراقية و أجنبية حسب إدعاء رئيس الهيئة الوطنية للاستثمار ذلك في شباط 2010 في كوريا. حددت الهيئة كسقف أعلى مبلغ 500 دولار أميركي قيمة بناء كل متر مربع في الوحدة السكنية بما في ذلك كافة أعمال البنى التحتية للمشروع وتفاصيل الدعوة لازالت موجودة في موقع الهيئة.
وعند مراجعة نموذج التمويل المالي والدراسة الاقتصادية للمشروع يتبين ومنذ البداية أن من وضع هذا النموذج لا يعرف أوليات الاقتصاد ويخلط ما بين الحسابات الرقمية البسيطة وإدارة المشاريع العقارية اقتصادياً، مع مخاطر كبيرة لمشروع كبير تقترب تكلفته من عشرة مليارات دولار. صحيح أن هنالك حاجة ماسة للسكن في العراق وهنالك نقص حاد للوحدات السكنية قد يصل الى مليوني وحدة وأغلبها للطبقة المتوسطة والمحدودة الدخل، لكن هذا لايبرر التخبط في إدارة مثل هذه المشاريع، اعتمد النموذج الاقتصادي على أساس ان كلفة البنية التحتية للمشروع تمثل 25 بالمائة من السعر الكلي لذلك كان المطلوب في البداية أن يدفع مشتري الوحدات 25 بالمائة من سعر الوحدة كمقدمة للتسجيل، ووضعت الهيئة قيمة الدفعات للمستثمر كالآتي بالنسبة للبنية التحتية، 10 بالمائة من كلفة المشروع خلال 60 يوماً من تأريخ توقيع العقد، و5 بالمائة اضافية بعد 12 شهراً من توقيع العقد، و5 أخرى بعد 18 شهراً من توقيع العقد و 5 بالمائة أخيرة بعد 24 شهرا، وجميع الدفعات تكون مقابل ضمانة مصرفية معتمدة وبشرط الانجاز، وحتى لا تضطر الهيئة الى الاقتراض من البنوك لتسديد هذه الدفعات افترضت الهيئة، إنه بامكانها بيع 40 آلاف وحدة سكنية خلال 60 يوماً من تاريخ توقيع العقد، وما يدفعه هؤلاء المشترون يمثل عشرة بالمائة من قيمة العقد والمفروض دفعها للمستثمر خلال هذه الستين يوما، ثم باستطاعة الهيئة بيع عشرين ألف وحدة اضافية خلال السنة الاولى، وبعد ستة أشهر تتمكن من بيع عشرين ألف وحدة إضافية، والعشرون ألف وحدة الأخيرة خلال الستة أشهر الاخيرة، أي تتمكن من بيع جميع الوحدات خلال 24 شهراً من تأريخ توقيع العقد، ولا نعلم ماذا كانت خطة الادارة في الهيئة لتوفير التمويل اللازم اذا لم تتمكن من بيع هذه الوحدات وبهذ التوقيتات ، ولا اعتقد أن أي مطور للعقارات يستطيع أن يضع مثل هذا النموذج لبناء أي عقارلأن مخاطره كبيرة، ولابد للمطور أن يضع جدولاً للدفعات النقدية اللازمة للمشروع، واستطيع القول بأن الهيئة لم تضع أي جدول للدفعات النقدية لهذا المشروع الضخم لمعرفة الالتزامات النقدية الواجب توفرها لضمان استكمال المشروع من دون عوائق.
وبعد توقيع العقد مع الشركة المستثمرة الكورية هانوا في 30 أيار 2012 لتنفيذ المشروع بقيمة 7 مليارات و750 مليون دولار شاملة البنية التحتية لكامل المشروع إضافة الى المباني السكنية، وجرى فتح التسجيل على بيع الوحدات في معرض بغداد يوم 3 حزيران 2012 ولكن بسعر جديد وهو 630 دولاراً للمتر المربع، بعد ان كان 500 دولار في الإعلان الاول للوحدات السكنية، ثم أصبح 600 دولار في اعلان الهيئة في ايلول 2011، مع دفع 25 بالمائة من سعر الوحدة مقدماً وعند التسجيل ثم دفع 10 بالمائة عند استلام الوحدة مع إمكانية تقسيط المتبقي، ولكن لم يستطع موظفو الهيئة في المعرض الاجابة عن قيمة رسوم مصاريف الخدمة الواجب دفعها شهرياً من قبل مالك الوحدة، وتم ذكر 400 ألف دينار سنويا حينها من قبل البعض ولغاية الآن لا يعرف الساكنون هذه القيمة، لذلك تخوف الكثيرون من التسجيل على الوحدات، لأنه تم رفع الاسعار من 500 الى 630 دولاراًمع غموض بقيمة رسوم الخدمات الواجب دفعها، وتذكر بعض المصادر أن عدد المسجلين على الوحدات والذين دفعوا 25 بالمائة كان 700 شخص فقط، مما اضطر رئيس الهيئة لاحقاً الى تخفيض رسوم التسجيل وبشكل حاد من 25 بالمائة الى 10 بالمائة لتشجيع المواطنين على شراء الوحدات، لكن هذا الأمر ترتب عليه أمر خطير، هو كيفية توفير السيولة النقدية الواجب دفعها لشركة هنواعند استحقاق الدفعات. لذلك تم اجبار المصارف الحكومية الثلاث الرافدين والرشيد والتجاري ومن قبل الحكومة العراقية بالقيام بتسديد ما تبقى من مستحقات الشركة الاستثمارية في البنية التحتية ومن دون أي ضمان، حيث أن كلفة البنية التحتية للمشروع هي مليار و937 مليون وخمسمائة ألف دولار، في حين أن ما تم استحصاله أقل من هذا المبلغ بكثير، ولم تعلن هيئة الاستثمار كعادتها عن عدد المسجلين على الوحدات والذين قاموا بتسديد الدفعة الاولى وهل هي 25 أو 10 بالمائة أو اية قيمة اخرى، وللخروج من هذه الأزمة وافقت الحكومة العراقية حينهاعلى تسديد مليار دولار مقسمة على خمس سنوات للمساهمة في نفقات البنية التحتية للمشروع، وقامت الهيئة في 6 نيسان 2015 بتوقيع عقد مع شركة هنوا بمبلغ مليارين و 120 مليون دولار لاستكمال البنية الاجتماعية للمجمع والتي تشمل تشييد حوالي 300 بناء مختلف يشمل المدارس والمؤسسات الصحية ومراكز الشرطة والاطفاء ومنظومة مياه الشرب وغيرها، وقامت بتسديد حوالي 202 مليون دولار في ايلول 2015 لهذا الغرض، وتم تسديد دفعات أخرى لم نستطع معرفة قيمها، ولكن كانت آخر دفعة لشركة هنوا في أيار 2018 وقيمتها 230 مليون دولار، ليكون مجموع ما استلمته هنوا لغاية ذلك التاريخ هو 3 مليارات و470 مليون دولار وتمثل تقريبا 35 بالمائة من قيمة العقدين والذي يصل تقريباً لعشرمليارات دولار، ولا نعرف كيف ستسطيع الهيئة توفير ستة مليارات و500 مليون دولار المتبقية من قيمة العقدين ولاستكمال دفعات شركة هنوا، مع فشلها الكبير في بيع شققق المشروع، علما أن المشروع يعتبر من المشاريع المهمة وما تم انجازه كان ممتازاً، لكن الشركة المنفذة، ليست بجمعية خيرية تقوم باكمال مشاريعها من دون ضمانات حقيقية بانها ستستلم مستحقاتها وحسب العقد الموقع معها وهي تعرف حقيقة ما يدور في العراق من مناورات مختلفة.