تقييم تقرير اليونسكو عن محركات التنمية الاقتصادية العراقية : " ثلاثي العلم– التقنية– الابتكار"

رقم العدد: 4319 نوع النسخة: ورقية تاريخ اخر تعديل: 11/27/2018 6:27:23 PM

د. أحمد عبد الرزاق شكارة

لايمكن تصور حدوث تنمية إقتصادية "إنسانية" حقيقية في العراق دون الاهتمام والعناية الفائقة المركزة بثلاثي العلم ، التقنية "التكنولوجيا"و الابتكار (مقولة أكدها مكتب اليونسكو UNESCO للعراق ) جميعها يفترض أن تتفاعل بشكل مستمر من أجل تحقيق أهداف ستراتيجية مستدامة على رأسها : سرعة تقليص مساحة الفقر ، منع المرض والحفاظ على البيئة الطبيعية والإنسانية. عبر مساحة الزمن والمسافة تميز العراق بكونه في مراحل تأريخية سابقة من أقوى دول المنطقة في ميادين العلم ، التقنية بل وحتى الابتكار الذي أسس لحضارات العالم ، مكانة لايمكن أن تستدام في غياب الاهتمام بها من قبل إدارة رشيدة ناضجة واعية تدرك مدى أهمية إستقطاب الكوادر البشرية المهنية المتخصصة التي تطلق عليها الدول المتقدمة " مواهب بشرية". هي إذن مصادر إنسانية لابد للدول من السعي ليس فقط لاستقطابها ، وإنما لإدامة الاحتفاظ بها ولتدويرها ضمن مايعرف ب Talent Circulationإتساقا ووفقاً لإحتياجات قطاعات الاقتصاد التقليدي (الزراعة ، الصناعة والخدمات) الاقتصاد " الرقمي – السايبري – المعرفي Economy Digital –Cyber- Knowledge". المشكلة التي يجب على مختلف حكومات العراق تجاوزها تكمن في ضرورة عدم تكرار السيناريوهات السلبية والفاشلة التي تتلخص بغياب الاهتمام بالمصادر والمواهب البشرية المتخصصة هذا من جهة وعدم توفير المصادر المالية الاساسية وتأكل البنية التحتية للعراق من جهة أخرى. وفقا للتقارير الدولية ومنها تقارير منظمة اليونسكو حيث تشير ويشكل واضح أن العديد من كفاءات العراق غادرت البلاد أو غيبت كما نعرف لأسباب قاهرة منها "الاغتيالات" ، ما افقد المؤسسات العلمية والبحثية عناصر رئيسة لها إسهامات مهمة بتنمية العراق إقتصادياً "إنسانياً" بل وأبداعياً عليها المعول بإخراج العراق من مشكلاته الصعبة وأزماته الخطيرة. إن عدم فاعلية أو جدوى المؤسسات العلمية-الاكاديمية –البحثية- التقنية يفقدها داينمية التحرك السريع والفعال لإيجاد حلول ناجعة رصينة علمية وسريعة نسبياً للمشكلات والازمات التي أخذت بالتراكم والتعقيد الشديد خاصة مع غياب الاستقرار والأمن . يشير تقرير اليونسكو إنه بينما احتلت التقنية "التكنولوجيا" مكاناً متقدماً في أولويات الدولة العراقية (على الاقل نظرياً) في مراحل مختلفة إلا أن عملية نقل المعرفة والتقنية "التكنولوجيا" بين الدول تم عرقلتها من قبل الانظمة السياسية كلما تقطعت سبل الاتصالات السياسية والدبلوماسية . الأمر الذي أثر ويؤثر سلباً على مستوى وجودة الحياة في كل حقل من حقول الحياة ما حرم الدولة من إنماء ونيل ثمارالاكتشافات العلمية. ما تحتاجه أي حكومة عراقية (بخاصة الحكومة الراهنة للسيد عادل عبد المهدي) ضرورة أن تلتزم بإجراء تقييم شامل لقطاع العلم ، التقنية معززاً بإستحضار سياسات ، برامج ومؤسسات وشراكات فاعلة تتسم بالابداع هدفها استثمار الفرص الاقتصادية الناجعة المتاحة. ترتيبا على ذلك ، تأتي أهمية بل حيوية تعزيز عملية بناء القدرات العلمية والتقنية الذاتية لتحقيق التنمية المستدامة إتساقاً مع جهد مواز حثيث يهدف لتمتين مبادرات الابداع او الابتكار (التفكير خارج الصندوق) بحيث أن كل ذلك يأتي في إطار صورة ورؤية شاملة تجمع بين عناصر العلم والتقنيةوالابداع باعتبارها محركات للتنمية الاقتصادية- الانسانية . إن دور اليونسكو في إطار سياسات العلم ، التقنية والابتكار بني على ثلاث مستويات متداخلة : أولا النظر لليونسكو على أنه بيت خبرة يزدي آراءً وأفكاراً حول أهمية مسألة تطور السياسات في البلد المعني والمقصود هنا العراق. ثانياً : يوفر اليونسكو مرشداً أو دليلاً عاما يتمحور حول طبيعة الاصلاحات المتطلبة للسياسة الوطنية. ثالثا: وظيفة اليونسكو تتمحور حول دور هذه المؤسسة الحيوية كأداة للتعجيل Catalyst في إنجاز قضايا التعاون الاقليمي والدولي في مجال التنمية . ترتيبا على كل ذلك ، يمكن القول أن مؤسسة اليونسكوقد تمكنت فعلا من إرساء تقليدا أو تقاليد مهمة منذ ستينات القرن الماضي (العشرين) مفادها ضرورة مساعدة دول العالم بضمنها العراق في إطار جهوده المرتبطة بمراجعة / مراجعات السياسة العلمية- التقنية. ضمن هذا التصور فوض اليونسكو في عام 2005 أحد فرقه المتخصصة /المهنية للعمل الجاد على إجراء تقييم موضوعي للسياسة العلمية – التقنية العراقية بهدف التعجيل بحركة التنمية الاقتصادية التي بدورها تفترض إنعاشاً متجددا لدورة الاقتصاد الوطني من خلال تفعيل دور قطاع العلم والتقنية "التكنولوجيا" . جدير بالإشارة إلى أن مشروع اليونسكو قد استخدم مناهج دولية سبق وأن تم إستخدامها بنجاح في إطار تجارب التعاون بين اليونسكو ودول نامية أخرى في آسيا وافريقيا وامريكا اللاتينية وغيرها. من الطبيعي أن يكون الهدف الرئيس هو تمكين العراق تشكيل إستراتيجية خاصة به للعلم ، التقنية وللابتكار تستجيب لمطالب الشعب والدولة من جهة مع الاخذ بالاعتبار أهمية الاستفادة من آراء ومقترحات كل من له حصة ومصلحة في إستمرارية نمو العراق بصورة مختلفة ولكنها "متقدمة عالميا" . من هنا يستوجب النظرلعدة أمثلة أخترت منها ما استرعي انتباهي في مسألة سعي اليونسكو لمعالجة مشكلة نقص المياه وحالة الجفاف في العراق عبر المسح المتقدم للمصادر الهايدروجيولوجية – المرحلة الثانية (مشروع ممول من قبل الاتحاد الاوروبي) حيث تم تحديد الواقع الراهن الذي كشف عن قدرات العراق المائية التي وصلت لحدود حرجة منذ اعوام خاصة بين 2008 - 2012 بضمن ذلك قدرات الآبار ، الخزانات والسدود. أكثر من ذلك وضعت وفقا لهذا المسح رؤية علمية تبين مدى أهمية مجابهة التحديات القادمة للعراق والتي اشارت إلى رقم مهم جدا يعد مؤشرا لابد للحكومة العراقية الجديدة أن تأخذه بنظر الاعتبار وهو أن 2 مليون عراقي سيواجهون خطر نقص حاد لمياه الشرب علاوة على تضيق لقدرات العراق "الانتاجية الزراعية" مايعني أن الامن الغذائي في خطر من امثلة ذلك "نقص حاد في أنتاج الحبوب" ..كل ذلك مترافق مع فترات انقطاع طويلة للقدرة الكهربائية وعدم وجود قدرة مائية- هايدرولوجية كافية. المسح المتقدم للمصادر الهايدرولوجية في مرحلته الثانية Advanced Survey of Hydrological Resources-II اعتنى بالكشف عن كافة مصادرالمياه الارضية في ظل إدارة مخطط لها علميا - متكاملة تتسم برعاية فاعلة وكفوءة هدفها صناعة سياسة مائية رصينة . كشف المسح الذي أجري بصورة علمية عن واقع ومستقبل الانخفاض الحاد لمعدلات تجهيزات المياه في العراق . واقع كهذا يوجب تصاعد ضرورة إهتمام القيادة السياسية ببناء قدرات و الامكانات العراق الذاتية التي إذا ما توفرت بشكل صحيح وسليم ستؤدي ايضا وبالضرورة لحماية للامن الانساني . السؤال المطروح : كيف ستتم ذلك خاصة مع عدم استثمار آليات تنفيذ لمثل هذه المشروعات الحيوية ؟ الجواب لابد من تأهيل وتدريب القيادات السياسية – التشريعية والتنفيذية وباسرع وقت ممكن مسألة أخذت ايضا بنظر الاعتبار من قبل مؤسسة اليونسكو ومؤسسات أخرى دولية مماثلة ولكنها تحتاج لدعم حكومي أكبر. إن القضاء على آفة الفساد هي السبيل الرئيس لنجاح العراق ولكنها يجب أن تأتي متوازية مع عملية إنعاش حقيقي مؤسساتي للسياسة العلمية – التقنية والتي يجب أن تتسم بالابتكار إذ لابد ان تنعكس الخطوات إيجاباً على التخفيف من مشكلات وأزمات العراق المتعددة التي من ضمنها استمرار انتشار حالات الفقر ـ سوء الصحة وتردي حالة التعليم والتلوث البيئي وغيرها من أزمات حياتية خانقة . إنطلاقا مما تقدم تأتي أولوية رعاية اليونسكو لكل الجهود الخيرة الرامية للوصول للمعرفة وللمعلومات المتطلبة بأتجاه تنمية السياسة الاقتصادية الوطنية العراقية. من المناسب ان يتم ربط تقييم تقرير اليونسكو بشكل يتوافق ايضا مع تقييم صدر مؤخرا من دبلن في 2 من أوكتوبر 2018 عن Globe Newswire تحت عنوان: تقييم الفرص في العراق : السوق الغير مستثمر للعام 2018< Assessment of opportunities , an untapped market. ضمن هذا السياق يعتبر العراق الذي يبلغ عدد سكانه قرابة 40 مليون نسمة من أكثر الدول المستهلكة للبضائع المستوردة من خارج العراق. علما بأن قيمة السوق الكامنة للاستهلاك تصل الى قرابة 40 مليار دولار.التقرير المعني سلط الاضواء على إمكانية توفر الفرص المناسبة للنمو الاقتصادي في القطاعات الاقتصادية المتنوعة للاعوام 2018-2022 . إن توافر فرص مهمة لاعادة الاعمار وللاصلاح الاقتصادي عقب أندحار داعش وأنتهاء أحتلالها لما يقارب ثلث أراض العراق هي مسألة اساسية لاتحتاج للتردد . الصورة المثالية التي حضرت في الذاكرة تبين ان العراق سيدعم في مشروعاته التنموية من قبل الجهات الدولية التي لديها إحتياطات نقدية كافية على رأسها الولايات المتحدة الاميركية ودول الاتحاد الأوروبي الصين ودول الخليج العربي ، إضافة إلى ضرورة تسهيل حركة انتقال رؤوس الأموال عبر الحدود الدولية التي يجب أن تتمتع بذات الوقت بحماية قانونية كافية تسهم فعلا بتشجيع المستثمرين الأجانب للاستثمار في العراق مع كل ما يمكن للدولة في المقابل من الحصول عليه من عوائد مالية مجزية مستقبلا. ضمن هذا السياق – يجب ان تتوافر إمكانات مهمة لمايعرف بدورة الاستثمار الاجنبي المباشر FDI’s التي بدورها ستطلق فرصاً للاستثمار الاقتصادي المجزي . حقيقة الأمر أن العراق ذاته بما يمتلكه من إمكانات بشرية ومالية ضخمة يمكنه أن يقود عملية الحراك الاقتصادي والمالي بمبادرات حكومية وغير حكومية . الشيء الذي يجب أن لانغفله ونحن نعد لعراق متمكن جديد هو أولوية وحيوية توفر الأمن والأمان والتخطيط السليم المتابع علميا وتقنيا كي تنتهي أو تحجم إمكانية تصاعد وتيرة العنف المسلح من قبل بعض الخلايا النائمة لداعش وغيرها من عصابات الجريمة المنظمة في المناطق الجغرافية التي تعرف ب"الرخوة" التي سارعت فعلياً القوات المسلحة العراقية وقوات الحشد الشعبي وأجهزة مقاومة الارهاب في توفير كافة مطلبات الحماية الأمنية – العسكرية المناسبة لها وذلك تأكيدا لأهمية تعزيز السيادة الوطنية العراقية..من منظور مكمل لإهمية بناء وتنمية مؤسسات الدولة سياسياً وامنياً تأتي الأهمية المتصاعدة لتعزيز الاقتصاد الوطني العراقي. من هنا ضرورة مراجعة وتقييم ظواهر متنوعة منها "تنويع مصادر الدخل من قطاعات إنتاجية اساسية" سبق وأن وفرت للعراق وللعالم الخارجي مصالح متبادلة بصورة متوازنة نسبيا وغيرها من قطاعات الاقتصاد الجديد المواكب للعصر "الرقمي –المعرفي –الثقافي" . ولعل من المناسب أن نؤكد أن أزمتي الطاقة والمياه لن تحل دون إعتماد خيارات ذاتية أبداعية من امثلتها البدء بكل همة وإرادة في العمل على الاستفادة من "الطاقة المتجددة للشمس وللمياه وللرياح " والطاقة النووية للاغراض السلمية وغيرها بعيداً عن الدولة الريعية .