الهيئة الوطنية للاستثمار ومشروع بسماية الاسكاني 2-2

رقم العدد: 4320 نوع النسخة: ورقية تاريخ اخر تعديل: 11/28/2018 6:48:28 PM

د. مهند محمد البياتي

عند التدقيق أكثر في تفاصيل المشروع، نجد أن هنالك ثغرات كبيرة في المشروع وعدم شفافية ووضوح الهيئة الوطنية للاستثمار، فهي لم تعلن لغاية الآن عدد الذين سجلوا لشراء الشقق ودفعوا فعلاً مقدمة قيمة الشقة إن كانت 10 أو 25 بالمائة وما هي مساهمات المصارف الثلاثة في استكمال دفعات البنية التحتية للمشروع، وهي لم تذكر عن مجموع الوحدات السكنية الفعلية، لكن تذكر فقط مائة ألف وحدة، ولكن من يقوم بالتدقيق في مخططات المشروع سيتفاجأ بان مجموعها 111 ألف وحدة موزعة على تسعة أحياء فيها 925 عمارة وجميعها متشابهة وذات عشرة طوابق، وفي كل طابق 8 شقق بمساحة 100 مترمربع وشقتين بمساحة 120 متراً مربعاً وشقتين بمساحة 140 متراً مربعاً، أي أن المجموع الكلي للشقق الصغيرة هو 74 ألف شقة والشقق ذات 120 أو 140 متراً مربعاً هي 18500 شقة لكل واحدة، وعند حساب سعر بيع المتر المربع الواحد 630 دولاراً اميركياً، سنجد أن إجمالي بيع جميع الشقق سيكون 7 مليارات و692 مليون دولار، وإذا علمنا أن قيمة العقد مع شركة هنوا هو 7 مليارات و750 مليون دولار، والحكومة ساهمت بمبلغ مليار دولار في البنية التحتية وذلك للتخفيف من كاهل المواطنين حسبما تم ادعاؤه، سنجد أن هنالك فائضاً بقيمة 942 مليون دولار بيد الهيئة من بيع الوحدات السكنية تستطيع أن تستخدمه في أي مجال أو كمصروفات لا نعرف تفاصيلها، لذلك لم تذكره الهيئة في أي وقت العدد الحقيقي للوحدات السكنية وحتى لم تذكر عدد الشقق من كل نوع إلا لاحقاً، والسؤال البسيط، أين هي اللجان الاقتصادية في البرلمان أو المستشارون الاقتصاديون لرئيس الوزراء لكشف هذه الأمور، إضافة لذلك لماذا لم تقم أي من المصارف الثلاثة الرافدين والرشيد والتجاري بذكر مساهماتهم الفعلية بتمويل هذا المشروع وما هي ضمانات هذه المصارف عند حدوث اي ظرف طارئ ينتج عنه فشل هذا المشروع.
وفي واقع الأمر لم تذكر الهيئة في أي وقت عدد الشقق التي تم التسجيل عليها ودفع مقدمتها، وهذا الأمر ضروري، لمعرفة كم هي مساهمة المصارف في استكمال دفعة البنية التحتية للمستثمر و التي تم بموجبها دفع ما مجموعه مليار و937 مليون و500 ألف دولار لشركة هنوا في 17 تشرين اول 2014 وحسب العقد المبرم معها، وكانت مساهمة الحكومة العراقية 400 مليون دولار كجزء من المليار دولار التي خصصتها للمشروع، وتدل بعض الارقام المأخوذة من بيانات الهيئة أن أعلى رقم لعقد تم توقيعه مع أحد مشتري الشقق هو 14717، في حين ذكر السيد علي عدنان الرماحي مدير التسويق والمبيعات في 28 كانون ثاني 2015 ان عدد المسجلين للمشروع هو 40 بالمائة من عدد الشقق السكنية، وحتى لو اخذنا هذا الرقم المبالغ فيه واعتبرنا أن كل واحد فيهم قد دفع مقدمة الشقة وهي عشرة بالمائة وكان توزيع نوعية الشقق المباعة حسب نسبة وجودها لتسهيل الحسابات، سنجد أن مجموع ما أودعه مشترو الشقق هو تقريباً 277 مليون و200 ألف دولار، أي أن المصارف الثلاثة قد دفعت تقريباً مليار و 260 مليون دولارلشركة هنوا عن الجزء المتعلق في البنية التحتية للمشروع ومن دون أي ضمان من أي جهة كانت بان حقوق المصارف مضمونة، ولم يتدخل البنك المركزي لحماية مؤسساته المصرفية، وهذا جزء من صلب عمله الاساس، ولا يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل يتوجب على المصارف لاحقاً تسليف المواطنين 80 بالمائة من قيمة الشقق، واذا افترضنا أن الهيئة أتمت بيع جميع الشقق المستلمة من شركة هنوا ولغاية منتصف هذا العام وهي سبعة قواطع في الحي أ والبالغ عدد شققها 10920، علما ان القاطعين 8 و9 سيستكملان في نهاية هذه السنة حسب ادعاء الهيئة، لذلك فان على المصارف ابتداءً من العام القادم ولغاية استكمال المشروع توفير ما مجموعة تقريباً 5 مليارات 548 مليون دولار وهي تمثل 80 بالمائة من قيمة الرهون العقارية على الشقق التي ستباع لاحقاً، وتسدد خلال 15 عاماً، هذا عدا عما دفعته سابقا لاستكمال دفعات البنية التحتية لشركة هنوا نهاية عام 2014 والذي يقرب من مليار و260 مليون دولار إضافة للرهون العقارية المختلفة والتي دفعت لتمويل شراء بقية الشقق في المجمع أ، ولا نعلم ماذا سيكون الوضع المالي لهذه المصارف اذا تلكأ المشترون بدفع الأقساط، أو لم تتمكن الهيئة من تسديد قيمة مساهمة المصارف في البنية التحتية، ومع الأسف لم يصرح أي مسؤول في هذه المصارف أو البنك المركزي عما سيؤول له موقع هذه المصارف اذا انكشفت عن هذه المبالغ. ان كل هذه الاشكالات والبطء الشديد في اكمال المشروع وعدم تمكن الهيئة من اقناع المواطنين بشراء هذه الشقق والتي نفذت بشكل ممتاز، يقع بالدرجة الاولى على الهيئة التي فقدت مصداقيتها منذ البداية، فهي أعلنت إن سعر المتر المربع شاملا للبنية التحتية هو 500 دولارللمتر المربع، ولا يزال اعلانها هذا موجود على موقع الهيئة الالكتروني، وقامت بعدها في ايلول 2011 بزيادة السعر الى 600 دولار بحجة توفير البنية التحتية، علماً إنها ضمنتها في سعرها السابق، ثم قامت في حزيران 2012 وبعد توقيع العقد مع شركة هنوا لتنفيذ المشروع برفع السعر مجددا الى 630 دولاراً ومن دون ذكر السبب وراء هذا الامر، مما حدى ببعض الناس اعتباره وساطة او كومشن بمقدار 5 بالمائة، وهذا دفع الكثيرين الى التردد بالشراء، وذكرت بعض المصادر ان عدد المسجلين على الشقق والذين دفعوا المقدمة لم يتجاوز الألف شخص في الشهر الاول، ثم اقنعت الهيئة الحكومة لاحقاً بالمساهمة ودفع مليار دولار بحجة التخفيف عن قيمة البنية التحتية، والتي لو قسمت على مساحات الوحدات السكنية، لخفضت قيمة المتر المربع 90 دولاراً، لكنها ابقت السعر للمواطن 630 دولاراً، أي أصبحت كلفة المتر المربع 720 دولاراً فعليا، وهذا يعتير زيادة في سعر المتر المربع 220 دولاراً أو 44 بالمائة من القيمة الأولية، لذلك ارتبطت الهيئة ومشروع بسماية ومنذ البداية بشبهات فساد وزاد الأمر سوءا فشل الهيئة في الترويج لبيع الشقق، في حين أن هنالك أزمة سكن حادة في العراق ومعظم المواطنين يتطلعون للحصول على سكن مناسب. ولم تكن ردود الهيئة في ايلول 2013 وكذلك في تشرين اول 2015 على الاتهامات التي وجهت لها، مقنعة ولم تحتوي على أية أرقام بل مجرد استطراد بالحديث ودفع التهم بدون اثباتات، وقدمت رقما مضحكا بان عدد الذين سجلوا على الشقق في موقعها الاكتروني عام 2011 بلغ 70 ألف شخص، وان المصارف الثلاثة وافقت على شراء 30 ألف وحدة سكنية، ومن دون إبراز أية وثيقة من المصارف تؤكد ذلك، والغريب ان تستند الهيئة الوطنية للاستثمار على التسجيل الالكتروني في الموقع، ومن دون التحقق بامكانية تكرار التسجيل لمرات عديدة ومصداقية من سجلوا وقد يكون البعض قد دفعوا للتسجيل لاظهار هذا الرقم الكبير، ثم تعتبرالهيئة هذا الرقم كمعيار لحال السوق العقاري في العراق، لكي تقوم لاحقاً بالتعاقد على مشروع بحدود ثمانية مليارات دولار، وتزيد الاسعار لأكثر من مرة.
وبالاضافة لما ورد أعلاه فهنالك ملاحظات كثيرة عن تخبط الهيئة في اعلانات متكررة وقيامها بتوقيع مذكرات تفاهم مع شركات وجهات تبين عدم جديتها لاحقاً، بالاضافة الى ملاحظات مهمة حول النواقص في متطلبات الشقق ومنها تكييف وإنارة الوحدة السكنية والتأمين الضروري للمشروع وغيرها من الأمور التي ادرجتها في مقالة سابقة لي بعنوان "من يدقق بمشروع بسماية الاسكاني و الاستثمار يستحوذ على 810 مليون دولار من قيمة المشروع" والمنشور في موقع شبكة الاقتصاديين العراقيين بتأريخ 10 شباط 2017، وتم ارسال نسخ من المقال الى مجلس رئاسة الوزراء وموقع الحكومة الالكتروني والوزارات المعنية ولأعضاء في البرلمان.
وهنالك خشية كبيرة من أن تتدهور حالة مجمع بسماية السكني وابنيتها بسبب عدم وجود جمعيات للسكان وشركات متخصصة تقوم بادارة وإدامة الابنية واحياء المجمع، وتحصيل رسوم الخدمات اللازمة لصيانة الاماكن المشتركة وهي كثيرة، وعلى المصارف الثلاثة ان تساهم في ابقاء المجمع في حالة جيدة، لأنها المستثمر الاكبر بل الوحيد في المشروع، لأنه اذا ساء وضع المشروع وانخفضت اسعار الوحدات السكنية ستكون هي المتضرر الاكبر من هذا الانخفاض والذي قد يؤدي الى توقف مشتري الوحدات السكنية من دفع اقساط الوحدات السكنية، ويجب ان تكون هي المشارك الاكبر والمتحدث الاساسي عن هذا المشروع السكني الكبير، ولا يترك الأمر لهيئة الاستثمار التي اخفقت كثيرا في ادارة المشروع، لانه لو كانت هنالك جهة أخرى أو إدارة اكفأ، لاستطاعت أن تنجز هذا المشروع في نهاية العام 2019 كما كان مخطط له، وليس كما هو الحال الآن، اذ تؤمل الهيئة ان ينتهي بناء الحي أ وهو حي واحد من تسعة أحياء يشملها المشروع في نهاية هذا العام 2018، علماً بأنه يحتوي على 13 بالمائة فقط من مجموع شقق مشروع بسماية وابتدأ العمل فيه بعد استكمال البنية التحتية ودفع كامل قيمة البنية التحتية في شهر تشرين أول عام 2014 اي استغرق بناؤه 51 شهراً، واذا استمر البناء على هذه المنوال فاحتمال اكمال بقية المشروع في 345 شهراً اي بحدود 29 عاماً، فهل ستستطيع الشركة المنفذة انتظار هذه الفترة، والمطلوب وبشكل عاجل إنهاء احتكار الهيئة الوطنية للاستثمار بادارة هذا المشروع الضخم، لا أن يقوم مجلس الوزراء بتسجيل أراضي الشقق السكنية، لينطبق عليها قول انطو للبزونة شحمة.
اكاديمي مقيم في الامارات