في هجاء ما نحن فيه.. ومديحه

رقم العدد: 4321 نوع النسخة: ورقية تاريخ اخر تعديل: 12/1/2018 6:24:17 PM

 علاء حميد *

ظنّ العراقيون قبل لحظة تغيير النظام أن ذهاب صدام ونظامه كفيل بإنهاء مشكلات العراق وأهله، ما جعل الناس تنتظر قدوم هذا اليوم بفارغ الصبر، فأمست خيالاتهم تعيش أمل تحققه، وفي الوقت نفسه وصل بهم الأمر إلى صعوبة تقبل إمكانية حدوثه - التخلص من صدام ونظامه- ما جعلهم يقعون تحت طائل معاناة الأمل واللا أمل التي باتت تشكل تذوّقهم للحياة ومعانيها، يكفي إثبات ثقل تلك المعاناة العودة إلى إحدى النكات القديمة التي كان يتداولها العراقيون سرًا "إن أحداً من أفراد الشعب العراقي أراد الخلاص من صدام ونظامه، فطلب أن يُحقن بإبرة تجعله ينام سنيناً طويلة، تضمن استيقاظه بعد انتهاء حقبة صدام، وعندما استيقظ من نومه، وجد الناس تهتف لحفيد صدام الذي تسلم الحكم!!".

عندما حلّت لحظة التغيير، خالط العراقيين شعور غريب؛ إنهم فرحوا حدّ البكاء، لم يصدقوا ما حدث من حولهم، إذ كان من الصعب أن يتخيلوا العراق بلا صدام يومًا ما، بل وصل حد المستحيل، نظروا إلى وقع ذلك اليوم على أنه الخلاص بعينه، وهو يجب ما قبله من ألم وحسرات وخذلان ويأس أخذ ينخر أرواحهم، لم يدم طويلاً طعم الخلاص، كان لحظة برق ومضت ثم ذوت، وفجعوا بأنهم يبحرون في بحر متلاطم من الأزمات والمشكلات، ظنوا أن إزاحة صدام ونظامه ستمكنهم من مسك العصا السحرية التي يفلقون بها بحر همومهم وخذلانهم؛ بعد أن باتوا يواجهون تلاشي مذاق طعم الخلاص.
بعد أيام من سقوط نظام صدام شاهدوا كيف تنهب مؤسسات الدولة "ظاهرة الحواسم"، ومن قام بفعل النهب لم يكن غريباً عنهم، إنما هم العراقيون، قد يكون التحليل حاضرًا في تفسير هذه الظاهرة بإرجاعها إلى سنوات الكبت والطغيان التي أسست لظاهرة كراهية السلطة ومؤسساتها، وهذا نوع من التبسيط، لان ظاهرة النهب لم تحدث لأول مرة، وإنما تحمل سمات التكرار والحدوث حين تتوفر عوامل قيامها؛ وهي كامنة في السلوك العام، من خلال طريقة تعامل الفرد العراقي مع المؤسسات الحكومية وعلاقته بالمدينة واحترام النظام العام.
وحين نبحث عن تفسير يوضح أسباب كراهية الفرد لمؤسسات الدولة، قد لا نجد سوى عامل اللا استقرار السياسي كمدخل يمكن من خلاله البحث عن مكامن تلك الظاهرة، لكن يبقى هاجس السؤال حاضراً بعد 2003، فلو افترضنا جدلاً انهيار الوضع العام السياسي والاجتماعي الحالي، هل تتكرر هذه الظاهرة مرة أخرى وعلى أي المؤسسات ستقع أكثر؟

الهجاء وموجباته:
تقع محفزات الهجاء في أفق الغموض الذي يكتنف حياة العراقيين بعد 2003؛ اذ ان محنة هذا الغموض في أنهم لم يفلحوا حتى الآن في ضبط العلاقة بين طرفي البناء والنقد، تنبع جذور هذه المحنة في عوامل عدة أخذت تتكوّن وتعبر عن تأثيرها في مجرى حياة العراقيين بعد لحظة التغيير، لهذا بات الفرد العراقي يستهلكها كل يوم في مجمل أحاديثه التي يجريها في وسائل النقل وحواراته مع بقية أقرانه من العراقيين ومن هذه العوامل:
1. ظاهرة اكتساب الكلام وغياب الفعل.
2. ترسخ انفصال السياسة عن الأخلاق، بمعنى غياب المبدأ الذي يعبر عن المرجعية الفكرية والاجتماعية لمن يدير السلطة.
3. تحول الفساد إلى ثقافة اجتماعية لا يرفضها المجتمع بشكل واضح وملموس.
4. تغوّل واتساع ظاهرة العائلات والأقارب في المناصب الحكومية المؤثرة وغير المؤثرة.
5. إفراغ معنى التغير الذي حدث بعد 2003 من مضمونه المؤثر.
أمسى تكرار الأزمات يسلب من الخلاص ديمومة معناه، وكأنه يضع العراقيين أمام مطلب لا يريدون مواجهته يدور حول معرفة ماذا يريدون؟ إن الإجابة عن هذا السؤال مرهون بالرجوع إلى الغاية من إزاحة النظام السابق، هل هي لتغيير شكل النظام السياسي أو تغيير النظام الاجتماعي العام المنتج للكثير من مسببات دوام الأزمات.

العراق الذي نبحث:
في أحيان كثيرة، تظهر العلاقة بين الإنسان ومكانه غامضة ؛ اذ إنها تتعلق بالنظرة التي يكوّنها عنه والاحداث التي مرّ بها فيه، ربما يقع البحث عن العراق عند العراقيين في مستوى غريب نوعاً ما؛ فهم يرفضونه حين يكونون فيه ويتعلقون به حين يغادرونه، وهنا نكتشف عاملين متناقضين يُسيّران عملية البحث عنه "البقاء والمغادرة"؛ إذ يقع البحث عن العراق بين هذين العاملين، فالبقاء حالة تخلو من الاختيار وكأنها حتمية الولادة في مكان أنت لم تختره مسبقاً، وأما المغادرة فهي ترك المضطر الذي يريد تلافي حتمية البقاء وتحدياته، ولكن أين نجد العراق الذي نبحث عنه في معنى حتمية البقاء، أو اضطرار المغادرة؟!.
لذلك يقع معنى البقاء والمغادرة على طرفي خط أوله البقاء وآخره المغادرة، وهنا نحن نعيش حياة بندولية تتأرجح بين بقاء وذهاب، وازدهر البقاء حين تحققت لحظة 2003، وأخذت تنمو بين من يبحثون عن عراق مختلف، لكن الحال لم يدم؛ اذ ظهرت رغبة المغادرة من جديد بعد ان ذابت واختفى حضورها، إنها محنة لم يعرف العراقيون طريقاً لاكتشاف أسبابها، ربما هي استدراج خفي لاختبار معنى علاقتهم بالمكان الذي وجدوا فيه من دون اختيار منهم.
بعد كل هذا العناء مع مواجهة محفزات الهجاء، ما الذي يبقى للمديح في العراق بعد 2003؟ إنه تحدّ، أن تلاحق أشياء كنت تظنها قد حسمت لك أمرًا يئست أنه ربما سيحدث يوما ما، المشكلة أن المديح بات ينمو عندهم ويتلاشى عندنا، هم الذين وجدوا العراق الذي يبحثون عنه في مكتسباتهم وتمكين أحوالهم منه، ولهذا لا يخطر على بالهم الهجاء، لقد امتلكوه - العراق - في لحظة فقداننا له، وها نحن نقع في محنة كيفية المغادرة منه؛ لانه ليس لنا.
* باحث أنثـروبولوجي