الحظ بين القانون والخرافة في العمل السياسي

رقم العدد: 4322 نوع النسخة: ورقية تاريخ اخر تعديل: 12/2/2018 6:33:52 PM

القاضي سالم روضان الموسوي

إن غاية التشريعات إعطاء كل ذي حقٍ حقه، وفكرة تحقيق العدل والعدالة أصبحت تشكل جزءاً أساساً من فلسفة التشريع، والدستور العراقي هو تشريع يسمو على سائر التشريعات الأخرى مثل القانون أو التعليمات والأنظمة وغيرها من التشريعات الفرعية، ففيه تم رسم شكل الدولة العراقية ونوع نظام الحكم فيها ومؤسساتها الدستورية، وجاء فيه إن العراق دولة اتحادية ونظام الحكم فيه برلماني، على وفق نص المادة (1) من الدستور التي جاء فيها الآتي ((جمهورية العراق دولةٌ اتحاديةٌ واحدةٌ مستقلةٌ ذات سيادة كاملة، نظام الحكم فيها جمهوريٌ نيابيٌ (برلماني (ديمقراطيٌ، وهذا الدستور ضامنٌ لوحدة العراق)).
وحدد الدستور مكونات الدولة العراقية بان قسّمها إلى سلطات متعددة (التشريعية والتنفيذية والقضائية) واقرّ مبدأ الفصل بينها على وفق حكم المادة (47) من الدستور التي جاء فيها: ((تتكون السلطات الاتحادية، من السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية، تمارس اختصاصاتها ومهماتها على أساس مبدأ الفصل بين السلطات))، ثم تطرق إلى شروط إشغال بعض المواقع في هذه السلطات مثل رئاسة الجمهورية ورئاسة وعضوية مجلس النواب وكذلك رئاسة وعضوية الحكومة، إلا أنه ترك تنظيم بعض الجزئيات إلى تشريعات أدنى من مستوى الدستور يصدرها مجلس النواب تسمى القوانين، ومنها على سبيل المثال (شروط الناخب والترشّح)، وعلى وفق ما جاء في الفقرة (ثالثاً) من المادة (49) من الدستور التي جاء فيها (( تنظم بقانونٍ، شروط المرشح والناخب وكل ما يتعلق بالانتخاب)).
وبما إن أساس الحكم برلماني فان محور كل العمل السياسي بشتى أنواعه هو السلطة التشريعية (مجلس النواب) لان من خلالها تنبثق مؤسسات السلطة التنفيذية بشقيها رئاسة الجمهورية والحكومة. وعند النظر في قانون انتخاب مجلس النواب رقم 45 لسنة 2013 نجد إنه اعتمد على أسلوب التمثيل عبر القوائم المفتوحة نسبياً حيث جاء في المادة (14) من قانون الانتخابات طريقة توزيع المقاعد النيابية على أساس القوائم الفائزة وتوزع بينها المقاعد على نظام سانت ليغو المعدل، ويرى بعض الكتاب بان قانون الانتخابات رقم (45) لسنة 2013 يكمن فيه الخلل لأنه اعتمد على نظم انتخابية لا تحقق إرادة الشعب وإنما إرادة الأحزاب والكتل والطوائف والأثنيات العرقية المتسلطة على قرار الحكم في العراق، وهذه لا ترغب في خسارة امتيازاتها التي توفرت من خلال هذا القانون، لأنه يوفر لها ديمومة الهيمنة على سلطة الحكم بما يوفر لها من امتيازات مالية ومعنوية كبيرة على حساب المواطن الذي يفترض أن يكون هو مصدر سلطاتهم، ومن صور هذا التمثيل غير الحقيقي وصول بعض الشخصيات إلى مراكز القرار دون أن تكون هي الأفضل وإنما تقدمت إلى هذه المواقع بفضل التوسط أو المحسوبية أو بمعايير ووسائل أخرى، ويعتقد البعض إن هذا ما يسمى (بضربة الحظ) التي لم يكن يحلم بها هؤلاء ويذكر إن المقصود (بالحظ) كما يراه أهل الاختصاص بأنه لحوق حادث بالإنسان بمعزل عن إرادته أو هو تحقق حالة غير مؤكدة الوقوع بمعزل عن إرادته وفي الموروث الإنساني توجد لدى اليونانيين القدماء آلهة تسمى آلهة الحظ ويعتقد هؤلاء بأنها تتدخل في مجرى الحوادث وتتحكم في حظوظ الناس وارى إن في العراق لدينا عدد من آلهة الحظوظ، منها من تمثل برؤساء الكتل النيابية ومنها بالزعماء والقادة، والأمر له امتداد منذ أن تشكلت الدولة العراقية في عام 1921 ولغاية الآن، وان كانت في نسب متفاوتة، لان بعض الأشخاص لم يفكروا أو يحلموا بالوصول إلى ما وصلوا إليه وإنما هناك من أراد لهم ذلك من بعض القادة والسياسيين وغيرهم فأصبحوا ذو حظ عظيم بما آل إليهم من وجاهة ونفع عبر هذه المواقع، لكن بعض الكتاب يرى ان فكرة الحظ هي مجرد خرافة ولا يوجد شيء اسمه الحظ وخصوصاً في الإسلام، وهذا ما أشار إليه احد شيوخ الدين.
وفي العمل السياسي يكاد يتفق مع هذا المعنى، لأن من أتى وإن كان يرى بأن الحظ وقف معه فالحقيقة غير ذلك لأنه مجرد وسيلة لتحقيق أغراض وأهداف يسعى لتحقيقها من اختاره وبذلك تنعدم إرادته التي يتصور إنه يملكها ، أما من يتحكم بهذه الأمور ويلعب بخيوطها، فانه هو من يختار ومن يحدد بوصفه آلهة الحظ ، ومن ثم يتنصل عنهم عند انتفاء الحاجة اليهم، أو عند ظهور الاحتجاجات ضد أعمالهم لأنها أدت إلى كوارث اقتصادية أو سياسية وفي الأيام الأخيرة ظهرت الكوارث البيئية والصحية وغيرها من جوانب الحياة اليومية للمواطن، ثم تحول من كان يلعب دور آلهة الحظ الى تقمص الثعلب الواعظ الذي قال فيه أحمد شوقي (في شعار الواعِظينا... برز الثعلبُ يوماً ، فأجاب الديك : عذراً ... يا أضلَّ المهتدينا ، مخطئٌّ من ظنّ يوماً .... أَنّ للثعلبِ دِينا)، لذلك أرى بان لا وجود للحظ في العمل السياسي وإنما هو خرافة ابتدعها من يدير اللعبة لتمرير ما يسعى إليه بعيداً عن عيون الرقيب الشعبي، وحتى من يطلق عليهم (ساسة الصدفة) هم في الحقيقة لم يأتوا عن طريق الصدفة، وإنما كانوا بإرادة خارجية ممثلة بمن تحكم بمقدرات العراق منذ تشكيل الدولة العراقية ولغاية الآن وتم تفصيل التشريع على وفق غاياتهم ومطالبهم وفي التاريخ المعاصر كان للأجنبي دور في زرع المحاصصة التي أنتجت لنا هؤلاء الذين يزعمون إن الحظ كان معهم.
ومن خلال ما تقدم أرى إن بقاء قانون الانتخابات على حاله لن يؤدي إلى أي تغيير أو معالجة للوضع السائد، وأية عملية انتخابية لا تنتج إلا ما يماثل سابقاتها، لأنها تعتمد على ذات الآلية التي تمنح بعض الأشخاص سلطة التحكم بمن يرتقي إلى المناصب وأتمثل في هذا المعنى قول الشاعر:
"ومن نُسج بساطه بخيط أسود
لن يبيض بماء زمزمٍ وكوثر"