تلويحة المدى: رَسَبَ الطالب في أعماق النهر

اسم الكاتب: شاكر لعيبي رقم العدد: 4323 نوع النسخة: ورقية تاريخ اخر تعديل: 12/3/2018 6:09:26 PM

 شاكر لعيبي

في نهاية الامتحانات الدراسية، ثمة الكثير من الراسبين دائماً، فمن أين جاء مصطلح الرُّسُوب بدلالة الفشل في الاختبار؟
في لسان العرب لا أثر لذلك. ثمة الرُّسُوب عكس الطفو، الرُّسُوبُ الذَّهابُ في الماءِ سُفْلاً. رَسَبَ الشيءُ في الماءِ يَرْسُب رُسُوباً، ورَسُبَ ذهَبَ سُفلاً.
لعلهم اشتقوا في العصور الحديثة فقط هذا المعنى المدرسيّ، فاعتبروا من لا ينجح، ويطفو مع الناجحين، الناجين، كأنه قد رسب في الأعماق، غرق، غرق في الاختبار. وهذه دلالة مجازية تقع في صلب الاستخدامات الشعرية الممكنة للمعجم العربيّ.
في اللسان اشتقوا من الفعل رَسَبَ أشياء أخرى، كقولهم رَسَبَتْ عَيْناه أي غارَتَا. وهذه دلالة على التراجع في المحجر. وفي حديث الحسن يَصِفُ أَهلَ النار (إِذا طَفَتْ بهم النارُ، أَرْسَبَتْهُم الأَغْلالُ) أَي إِذا رَفَعَتْهم وأَظْهَرَتْهُم، حَطَّتْهم الأَغْلالُ بثِقَلِها إِلى أَسْفَلِها. وسَيْفٌ رَسَبٌ ورَسُوبٌ ماضٍ، قاطع، يَغِـيبُ في الضَّريبةِ [الضربة]؛ قال الهذلي (أَبيض كالرَّجْعِ، رَسُوب، إِذا - ما ثاخَ في مُحْتَفَلٍ، يَخْتَلِـي). وكان للرسول سيف يقال له رَسُوبٌ أَي يَمْضِي في الضَّريبة ويَغـيب فيها. ولدينا هنا عرضاً استخدام الضريبة التي تعني بين ما تعني ما ضربته بالسيف. والضريبة المضروب بالسيف، وإنما دخلته الهاء لأنه صار في عداد الأسماء، كالنطيحة والأكيلة. وفي التهذيب أن الضريبة كل شيء ضربته بسيفك من حي أو ميت. وأنشد لجرير:
(وإذا هززت ضريبة قطعتها - فمضيت لا كزماً ولا مبهورا)
وربما سمي السيف نفسه ضريبة. لكنها تتغلغل بدلالة اقتصادية أيضاً، فالضريبة واحدة الضرائب التي تؤخذ في الأرصاد والجزية ونحوها، ومنه ضريبة العبد وهي غلته. وفي حديث الحجام "كم ضريبتك؟" الضريبة ما يؤدي العبد إلى سيده من الخراج المُقرّر عليه، وتجمع على ضرائب. ومنه حديث الإماء اللاتي كان عليهن لمواليهن ضرائب. يقال "كم ضريبة عبدك في كل شهر؟". وهذا من شعريات الفعل ضَرَبَ نفسه كما أوضحنا ذات مرة.
والغريب أن الرَّسُوب (بفتح الراء) هي الكَمَرة، كأَنها ترسب لِـمَغيبها عند الجماعِ. ها هنا بمعنى تغيب عميقاً، وليس ضد الطفو. فالكَمَرة لا تطفو.
أتباع مدرسة فرويد استخدموا مفردة الراسب والترسُّب (الرَّسُوب) في الحقل النفسيّ. يقول أحدهم إن الأنا العليا ليست محض راسب précipité، مترسّب sédimentation، ثفل résidu، لحاجيات الهُوَ ça البدائية (ص215 من: Jean Florence; L'identification dans la théorie freudienne).
متى يا ترى صار الفعل رسَب [التِّلميذُ] يعني أخفق في الامتحان؟ ليس لدينا معجم اشتقاقي تأريخي عربيّ للأسف، لكن يمكن الافتراض أن ذلك جرى في وقت متأخر. فكيف جرى وصل الرسوب بالإخفاق الدراسيّ في حين أنه لا يشير إلى دلالة مثل الإخفاق في أصل استخدامه؟
إن الاستخدامات الشعرية الكامنة في مفردات المعجم (ولا أقول المجازية أو الاستعارية مع أنها جوهر الاستخدام الشعريّ) قد سمحت بذلك لمن اقترح للفعل دلالته المدرسية الحالية.