تطبيقات بنود الإعلان العالمي لحقوق الإنسان في العراق

رقم العدد: 4323 نوع النسخة: ورقية تاريخ اخر تعديل: 12/3/2018 6:10:39 PM

زهير كاظم عبود

1 - 2
يُشكل الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر بتاريخ 10/ كانون الأول /1948 في باريس بإقرار الجمعية العامة للأمم المتحدة وثيقة إنسانية مهمة وبياناً إنسانياً صريحاً يشير الى الإجماع على الإقرار بالحقوق المتساوية للبشر ، ويشكل قاعدة مشتركة تهتم بها كل شعوب الأرض ، وتعد تلك الوثيقة من أهم وأشمل التطورات القانونية الدولية الحديثة ، رغم انها لم تكن تعتبر ملزمة كمعاهدة دولية إلا إنها اعتبرت كمصدر قانوني ووثيقة دولية اكتسبت قبولاً واسعاً ، وخطوة إنسانية جريئة ومهمة للاعتراف بكرامة الإنسان وحقه في الحياة الحرة والكريمة ، ما جعلها مصدراً لأغلب الدساتير الدولية المكتوبة للدول الأعضاء لما تضمنته من فقرات وما لحقها من مبادئ مكملة لهذا الإعلان أهمها حق تقرير المصير الذي تم الاتفاق عليه في العام 1960 .
ويدعو الإعلان لضمان كرامة الإنسان وحقوقه الأساسية في الحياة الحرة والكريمة ، وأن يكون الناس متساويين في الحقوق والواجبات تحت ظل حياة مدنية قانونية تضمن العدل والسلام والمساواة بين الجنسين ، ومن ضمن ما نادت به اللائحة كون البشرية تنادي ببزوغ عالم يتمتع فيه الإنسان بالحرية في القول والفعل والعقيدة وأن يتحرر الإنسان من الفقر والخوف كأسمى ما ترنو إليه النفوس البشرية ، وأن يساهم الجميع في بناء عالم تسوده العلاقات الودية والسلام بين البلدان وصولاً الى النهوض والتقدم الاجتماعي وتحسين مستويات الحياة في جو فسيح من الحرية .
وقد قامت المنظمة الدولية بوصفها القاسم الدولي المشترك للبشرية بنشر وإذاعة هذا الإعلان على الملأ سعياً الى قيام الحكومات والأفراد بالتقيد والتطبيق العملي والالتزام بما ورد فيه حرفياً باعتباره يمثل الحقوق الأساسية للبشر والتي تمثل الحقوق الطبيعية للإنسان وبما لايمكن التنازل عنها أو عن قسم منها وبما لايمكن خرقها أو تجاوزها .
وبصدور هذا الإعلان العالمي الذي أعتبر بحق وثيقة عالمية ملزمة معنوياً لجميع الدول المتحضرة المنضوية تحت خيمة الأمم المتحدة ، فقد فصل الإعلان النصوص والمبادئ العامة التي أوردها في العام 1948 وبهذا يكون قد مضى على الإعلان ( 70 سنة ) تطورت فيها أساليب وطرق ضمان حرية وكرامة الإنسان وصلت الى حد التقديس في بعض الدول والدساتير ، وتسابقت الدول في ضمان حرية الإنسان حتى صارت سمة التنافس غالبة في إطلاق هذه الحريات .
وبعد هذا الشوط الزمني الطويل يمكننا أن نلمس بشكل دقيق مدى عدم جدية تطبيق بعض النصوص التي أوردها الإعلان في مسار عمل السلطة ضمن نصوص الدستور العراقي من خلال العزوف عن تطبيق بعض مباديء الحقوق المدنية والسياسية ، وخصوصا ما يتعلق بالمساواة بين العراقيين أمام القانون ( دون تمييز ) بسبب الجنس أو القومية أو الدين أو المذهب أو المعتقد ، ومبدأ المساواة بين العراقيين والذي لم يشهد تطبيقاً سليماً وأميناً إلا خلال فترة قصيرة من بداية الحكم الجمهوري الأول ويكاد أن ينتهي في هذه المرحلة ، وما يقيد هذا المبدأ هو انعدام تكافؤ الفرص الذي كفله الدستور بين جميع العراقيين ، فغدا الانتساب الحزبي معيارا وضمانا يضعف من هذا المبدأ إن لم يلغيه .
وتنتشر حقيقة بين أوساط العراقيين اليوم وهي انعدام فرصة الحصول على وظيفة أو عمل مضمون أمام المواطن المستقل للأسف ، في حين تتوفر لمن ينتسب لحزب من الأحزاب الماسكة بمقاليد السلطة فرصة الحصول على فرصة الوظيفة أو العمل ضمن فترة صعبة يمر بها العراق لا تتوفر فيها فرص العمل والدرجات الوظيفية مع ظروف راهنة يمر بها ، مما يشكل وسيلة ضاغطة لإجبار الناس على الانتساب إلى الأحزاب ، مع أن الفقرة الثانية من المادة ( 39 ) من الدستور لم تجوز إجبار أحد على الانضمام الى أي حزب أو جمعية أو جهة سياسية ، أو إجباره على الاستمرار في عضويتها .
والتجاوز الآخر هو ان الدستور جعل حرمة للمال العام ، وكان القانون المدني العراقي رقم 40 لسنة 1951 المعدل في الفقرة الأولى من المادة ( 71 ) منه قد عرف الأموال العامة العقارات والمنقولات العائدة للدولة أو للأشخاص المعنوية والمخصصة للمنفعة العامة بالفعل او بمقتضى القانون ، وجعل حمايتها واجب على كل مواطن ، وبالرغم من كل هذا التأكيد من نصوص الدستور والقوانين ، والتي جسدها قانون الإدعاء العام رقم 49 لسنة 2017 في المادة الثانية / أولاً منه حيث يهدف الى حماية نظام الدولة وأمنها والحرص على المصالح العليا للشعب والحفاظ على أموال الدولة والقطاع العام ، فأن الفساد الذي استشرى في جسد الحكومة العراقية لم يكن سهلاً أو قليلاً ، ولم تتم مواجهته او التصدي له بحزم ، مما جعله ينتشر كالسرطان في جسد العراق فينتشر في مفاصل سليمة ، وحتى صارت النكت المتداولة بين العراقيين تتهكم على الفاسدين والهاربين من القانون وتحدي البعض منهم مع إصراره على الاستمرار بفساده والاستفادة غير المشروعة من أموال العراقيين لأنه لا يجد من يقف له ويخضعه للقانون والذي يقف أمامه كل العراقيين دون استثناء ، مع وجود الميليشيات العسكرية المسلحة خارج إطار القوات المسلحة والتي تنتهك القانون وأمن المواطنين وتتحدى الدولة دون أي رادع أو موقف يثبت هيبة الدولة وقدرة الحكومة على تطبيق القانون وتوفير الأمن للمواطن ، مع انتشار غير معقول للأسلحة النارية الثقيلة منها أو الخفيفة في البيوت والشوارع والمدن مما يتناقض مع حقيقة دولة القانون .
ولعل من بين أهم الحقوق التي نصت عليها الحريات ، هي حرية الإنسان وكرامته ، والتي تم خرقها والتجاوز عليها تحت ظل فتاوى واجتهادات وأوامر شخصية تتناقض مع نصوص القوانين النافذة و تخالف نصوص الدستور العراقي دون أن تجد من يردع الجماعات والأفراد التي تخرق تلك النصوص ما جعلها تتمادى وتتبجح بأنها تنفذ الفتاوى والإجتهادات التي تصدر عن شخصيات أو أحزاب أو تجمعات سياسية او مذهبية رغم أنف القانون ، ولعل تكبيل حرية الأفراد وتقييد رغباتهم غير المخالفة للقانون لممارسة حرياتهم ونشاطهم تحت شتى المزاعم والآراء يشكل حقبة من حقب الخرق الفاضح الذي صار اليوم نمطاً من العمل المتناقض مع حقوق الإنسان في العراق تحت مسمع ومرأى السلطة والقضاء دون أن نلمس أي إجراء أو موقف يدلل على رفض السلطة لهذا التقييد او المنع غير القانوني وغير المقبول .
وإذا كانت حياة الإنسان وأمنه وحريته أساساً وقاعدة في الحقوق ، فأن استهداف بعض الناشطين ضمن منظمات المجتمع المدني بارتكاب جرائم القتل أو بالحجز أو بالتوقيف في غير الاماكن المخصصة والخاضعة لسلطة الدولة ، وتقييد حرياتهم وتوجيه الاتهامات لهم أو إحالتهم بشتى الاتهامات على المحاكم الجزائية يشكل تعسفا وخرقاً كبيراً لكل تلك الأسس التي تقوم عليها نصوص الإعلان العالمي لحقوق الإنسان ، حيث لم يتم الكشف عن الفاعلين من القتلة وقيدت الجرائم ضد مجهول بالرغم من كل القرائن والدلائل التي تشير الى اتهام جهة أو أشخاص ، ولم يتم التوصل الى الجهات التي تستهدف النشطاء ، ولاتم التصدي لتلك الجرائم التي ترتكب ضد المواطنين بشكل جدي ومتناسب مع بشاعة وجسامة الجرائم المرتكبة ، بالإضافة الى الملاحقات الخالية من السند القانوني لبعض الناشطين ، والاتهامات الباطلة بسبب نشاط تلك المجموعات التي تمارس نشاطها بشكل سلمي سعيا للتعبير عن أهدافها ضمن الإطار القانوني سواء في التعبير الإعلامي او في التظاهر السلمي .
ولأن حرية التعبير عن الرأي بكل الوسائل تشكل مادة أساسية من مواد الحريات ، فان الدستور الزم الدولة بكفالة تلك الحرية ، ولم تزل السلطات القابضة على الحكم تمارس فهمها الضيق بقلق واضح في فهم او تطبيق هذا النص ، فتنتفض أحيانا وتصدر البيانات والتحذير من المساس بقدسية الأحزاب والشخصيات السياسية ، أو إنها تضع الخطوط الحمراء تجاه النقد والإشارة الى الخلل . وتهدد الناشطين بالعقوبات والإجراءات التي تتخذها للجم المطالبات المشروعة .
إن حرية التعبير عن الرأي جزء من العمل الديمقراطي الذي أكدته الفقرتين ( ب و ج ) من المادة الثانية من الدستور ، وتشكل حرية التعبير انعكاس للأفكار التي يعتقد بها الإنسان تجاه قضية أو مشكلة معينة بجميع الوسائل المشروعة ، وبالتالي فأنها تخرج للعلن تعبيراً عن تلك الآراء والأفكار اعتقاداً منه أن تلك الآراء والأفكار هي التي تحقق المصلحة الأساسية .
فإذا عرفنا بان القوانين والأحكام تصدر باسم الشعب ، ولايمكن تقييد ممارسة أي من الحقوق والحريات الواردة في متن الدستور ، إلا وفقا لقانون أو بناء على قانون ، على أن لا يمس هذا التحديد او التقييد جوهر الحق أو الحرية بأي حال من الأحوال ، وإن هذا الدستور هو القانون الأسمى والأعلى في العراق ، ويكون ملزماً في كل أنحاء العراق وبدون استثناء ، فأين يمكن أن نضع الخروقات والتجاوزات على القانون والدستور ؟