الجهل السياسي في العراق: التأسيس لدورة جديدة من الأزمات وتداعيات المستقبل

رقم العدد: 4323 نوع النسخة: ورقية تاريخ اخر تعديل: 12/3/2018 6:14:28 PM

د. أحمد عبد الرزاق شكارة

الجهل السياسي مسألة لاتختص بالعراق فقط بل تغطي دولاً عدة في عالمنا الفسيح منها مايعد متقدماً وأخرى تعاني من أمراض التخلف الاجتماعي – الثقافي والاقتصادي - السياسي .
المشكلة أن الدول التي تتسم بالضعف النسبي وتقع في مرحلة أنتقالية حرجة من تأريخ تطورها السياسي كما هو شأن العراق حيث الآمال مشرعة على مفترق طرق بين ترقب لأنجازات حقيقية على الأرض وأزمات مالبثت أن تتراكم ، إضافة لتعدد وتنوع المسارات والاتجاهات سواءً المتضاربة منها أوالمتقاطعة المصالح بين الأحزاب والكتل السياسية التي يشوبها أحياناً مناخ غموض لسقوف التوافق الفعلي ، ضمن إطارعملية التحول الايجابي نحو نظام عراقي ديمقراطي سليم لاتحتمل مرحلة كهذه حقاً وجود من يوصفون بالجهلة من بين صناع القرار أو حتى من بين من يعرفون بالنخب التي كثير منها يقدم وعظاً أو قدحاً للنظام السياسي القائم .
يبدو أن زمن وعاظ السلاطين الذي يراد له أن ينتهي مازال قائماً بين ظهرانينا. تاكيداً لمقولات مفكرنا الجليل رحمه الله الدكتور علي الوردي . بمعنى من المعاني إنها قيادات أو نخب تدعي العلم والمعرفة بكل شيء بل وحتى ببواطن الأمور أو بخفايا المشهد السياسي المشحون أحياناً بالتوتر وأحياناً أخرى بمجموعة من التناقضات الايدولوجية والفكرية تناقضات لابد من تخفيف حدتها وصولاً لمرحلة أكثر أمناً واستقراراً ورخاءً للعراق. من هنا تأتي أهمية الإشارة إلى مسألة الجهل السياسي سماته –خصائصه- وتداعياته السلبية على المشهد العراقي .
المفارقة هي أنه حين ننتظربفارغ الصبر بناء عراق حديث يتجه لتصحيح أغلب ان لم يكن كافة مساراته السياسية – الاقتصادية والاجتماعية والتربوية وغيرها ، مازلنا نواجه مسألة الجهل والجهلاء السياسيون.ضمن هذا السياق استهل ممثل المرجعية الدينية العليا للسيد علي السيستاني السيد أحمد الصافي في خطبة الجمعة (30 /11 /2018) قول للسيستاني أفصح عنه يرجع الى حديث للإمام عليه السلام ورد فيه (لاغنى كالعقل، ولافقر كالجهل ، ولاميراث كالادب ، ولاظهير كالمشاورة). ركز السيد الصافي من منظوره على التعريف بسمات الجهل بصفة عامة والجهل السياسي بشكل خاص : "كم من جاهل له سلطة ومواقع ورأي متسائلاً هل يمكن من هذا الجاهل أن نحصل على رأي حسن؟"، مضيفاً "إن الجاهل الذي يعتقد نفسه عالما لايمكن أن يتعلم لأن عنده جهل مركب الذي يعد من أصعب أنواع الجهل".
ضمن هذا السياق وصف الكاتب علي حسين عبيد في مقالته "السياسيون ومشكلة الجهل الثقافي" الجهل السياسي على أنه نابع من المجتمع بإعتباره "حاضنة للجميع ..أفراد الطبقة السياسية التي تقود الدولة سياسياً ، يخرجون من هذه الحاضنة وثقافتهم من ثقافة المجتمع".
مايضاعف من خطورة مشكلة الجهل السياسي – المعرفي أنه ينعكس سلباً على المجتمعات التي تعاني من تفشّيه وتبلوره كظاهرة حيث انه ومع مرور وقت تغيب في المصارحة والمكاشفة بالاخطاء التي ترتكبها السلطات الحاكمة وتتصاعد حدة الازمات القائمة ولعل أزمة البصرة المركبة مجتمعيا –اقتصادياً –سياسياً وبيئياً هي من هذا النوع من الأزمات الحرجة التي تحمل بذور ديموتها خاصة مع تعقد المشهد البصراوي خاصة والعراقي عموماً. إن الاسراع بإتخاذ إجراءات ملموسة لأنقاذ شعبنا العراقي في البصرة وفي عموم العراق مسألة غاية في الأهمية لأنها ستمكن الدولة من إجتياز المشكلات والازمات في وقت مناسب وسريع نسبياً. عكس ذلك صحيح كلما تأخرت الحلول لمشكلات وأزمات مجتمعية – اقتصادية -أمنية يعاني منها العراقيون في بعض أطراف المحافظات العراقية مايعرف بـ"المناطق الرخوة" كلما تصاعدت ضرورة تفعيل القدرات "الامكانات" لمواجهة عصابات الجريمة والارهاب بصورة حازمة تنهي وإلى الابد وبشكل فاعل وجوده على أرض العراق الطيبة .
إن للإعلام الحر المستنير الشفاف الذي يعتمد كشف الحقائق طريقا للمحاسبة عن الأخطاء والجرائم يعد فعلاً السلطة الرابعة التي يفترض أن تنظر الدول والجماعات والافراد إليها بعين الاعتبار والاهتمام. إن الاعتزاز بالنفس في إنكار المسؤولية الأدبية والمعنوية بل والجنائية سيرجعنا للمربعات الأولى من التطور السياسي بصورة تحجب التوصل لتوافقات حقيقية، الأمر الذي يقيد عملية بناء عراق عزيز مؤثرمستقل يتمتع بسمات الدولة الفاعلة. مقالة مهمة أخرى للدكتورة إيمان عبد الفتاح أحمد تحت عنوان " الجهل السياسي عفوي أم ممنهج؟" طرحت تساؤلاً مهما لابد من الاجابة عنه يقع في أطار يحتاج للمزيد من التعمق مقولته : "أن الجهل السياسي هو أداة ممتازة للتحكم والسيطرة على الشعوب.." إذ أن تسيد الجهل السياسي في مجتمعنا والمجتمعات الأخرى يشير إلى حقيقة ان بعض الحكومات تستغل الجهل السياسي بصورة ممنهجة هدفها "صناعة أوهام وتبسيطات عاطفية لأبقاء العامة على جهلهم السياسي مستخدمة وسائل الإعلام والقلة القليلة من الناس التي بمنطق نادر".
ضمن هذا التصور كل فريق اخذ يدعي الاحقية في أمتلاك "الحقيقة" في حين أن معرفة الحقيقة بصورة واضحة يعد أمرا تكتنفه التحديات وعدم التيقن ليس لأن الحقيقة غائبة أو مغيبة تماما عن المشهد السياسي العراقي مثلا بل لأنها حمالة أوجه وتفسيراتها مختلفة أو ربما مختلقة قد يشوبها الغموض. أكثر من ذلك ، المشهد السياسي العراقي لازال معقدا يكتنفه الغموض لجهة كون الآراء التي يطرحها الاشخاص المعنيين بتطورات الوضع العراقي لاتتمتع بعد بمساحة واسعة من المصداقية خاصة عند تعارضها مع المصالح الذاتية الشخصية أو تكون مثل هذه الاراء تعبر عن أهداف مهمة ولكنها محدودة خاصة على حساب ما يعرف باصحاب المصالح الخاصة. إن أنهاء انسداد الأفق الذي فرضه واقع الجهل السياسي وتداعياته ولد أزمات متفجرة قد تتصاعد في حالة عدم توفر حلول ناجعة تلبي مطالب الجماهير العراقية المتعددة : في الامن ، إعادة الاعمار ، إرجاع النازحين لمناطقهم ، استيعاب البطالة في سوق العمل ، حماية حقوق الانسان وحرياته الاساسية وأخيراً الاهتمام بجودة الحياة وضرورة ارتفاع معدلات مستويات المعيشة.
أدوار المجتمعات المدنية والمنظمات غير الحكومية تفاعلت بصورة ايجابية نسبيا (وإن ليس بصورة فاعلة) مع المطالب الشعبية للسكان الأقل دخلاً الذين يرون الفجوات المتسعة من عدم العدالة الاجتماعية – الاقتصادية حيث قلة من النخب تحتكر السلطة السياسية مستفيدة من مزايا كبيرة جدا شرعت قانونا .
إن استخدام وسائل الاتصال الاجتماعي على انواعها المتعددة قد يسر نقل المعلومات بسرعة شديدة إلى السكان بالترافق مع طبيعة الشفافية التي يحملها عصر الانفتاح الرقمي = عصر الاقتصاد القائم على المعرفة التي تأخذ اشكالا مختلفة تصب في خدمة الانسانية التي عانت وتعاني من مسألة التجاهل والجهل السياسي معا خاصة مع افتقاد "الحكم الرشيد" الوطني – النزيه البعيد عن كل انواع الفساد الاقتصادي – الاجتماعي والسياسي. اخيرا عكس الجهل السياسي الجهود التي تبذل من قبل النخب المثقفة – المتعلمة التي ترنولأنهاء الجهل بينما تتطلع لإعلاء التثقيف وإنعاش الثقافة العامة والسياسية بشكل خاص ما يؤدي في النهاية للتخلص من الجهل والجهلة من دعاة السياسة وادعيائها . ما يوفر في المستقبل فرص للمثقفين وللذين يتابعون الثقافة على اوسع نطاق ممكن وفي مختلف ميادين الحياة. آمال ننتظرها بفروغ الصبر ووفقا لقول الشاعر : "أعلل النفس بالامال أرقبها ما أضيق العيش لولا فسحة الأمل" . الأمل هنا القضاء على الجهل سواءً أكان معرفياً أم سياسياً وإن لم يحصل فلا أقل من تحجيمه وعزله تدريجياً بصورة تنهي وجوده مستقبلاً معا لأية أزمات قادمة تهدر الامكانات بل وقد تضيع الأجيال Lost Generations القادمة من أطفال وشباب الذين هم عماد مستقبل بلادنا.