تارةً أُخرى .. صراع الثقافة المدنيّة وثقافة الإسلام السياسي في العراق

رقم العدد: 4325 نوع النسخة: ورقية تاريخ اخر تعديل: 12/5/2018 6:30:24 PM

ناصر الحجاج

صحيح إن ما قدمه أستاذنا علي الوردي من تشخيص عميق لإزدواجية الشخصيّة العراقية في تجاذباتها بين البداوة والتحضّر، لا يعدو تصعيداً لنظرية عالم الاجتماع الأفريقي (التونسي) عبد الرحمن بن خلدون في "العمران"، إلا أن ذلك التشخيص منع الباحثين في العلوم الاجتماعية من الإتيان بتفسير عصري يواكب الصراعات الثقافية التي تتنازع الحكومات العراقية، ومن ثم تنعكس على طبيعة المجتمع العراقي وسلوك أفراده وجماعاته.
إن المثقِّف الأكبر في كل أمة هو نظامها السياسي (نظريّة المثقِّف ـ بكسر القاف)، ولهذا تتكالب أحزاب الإسلام السياسي على الحكم في مصر وتونس والعراق، على الوصول إلى سدّة الحكم (نظرية التمكين، أيضا) لتثقيف الشعب بما يناسبها، وبطريقة ميكيافيلية مقيتة إلى الوصول إلى وزارة الداخلية بالتحديد، لأنها في نظرهم العصا التي تضبط رقصة الشعب في حلبة الرعيّة (سياسة الحِسبة في عقيدة داعش، ومثيلاتها)، يقابل ذلك وبطريقة براغماتية (النفعية: سياسة إسلامية ـ وأمّا ما ينفعُ الناسَ فيمكثُ في الأرض ـ الدينوقراطية) ما تقوم به الولايات المتحدة الأميركية من دعم الديمقراطيات النامية في البلدان التي شهدت حكومات مستبدّة (NID) وقد وجد هذا الصراع الثقافي الجديد، وإن كان صراعاً ثقافياً غير عادل ولا متكافئ، في البيئة الاجتماعية العراقية تربة خصبة صالحة للنمو، أبرز مظاهرها: التخوين، والتسقيط، والإفك والتزوير، والتخويف، والقتل، أو كل ما تقدم، أي أن يُخوَّن العراقي أولا تمهيداً لتسقيطه، وقتله مادياً أو معنوياً، أو أن يُقتَل العراقي أولاً، ثم يبرَّر قتله بتسقيطه وتخوينه.
مظاهر هذا الصراع الثقافي بارزة للعيان في كل ما يجري في العراق، وإن عميت عنها أعين الباحثين الاجتماعيين ودراساتهم، فحين يهمّ البصريّون بالتظاهر مطالبة بالخدمات ونبذ الفساد، تتعالى صيحات فريق بأن تلك التظاهرات يتم تحريكها من فرنسا، أو من السفارة الأميركية، أو أنها تريد إسقاط الحكم الإسلامي الشيعي في العراق، لأنها في دعواتهم مدعومة من السعودية. وفي الوقت نفسه يروج الفريق الآخر إلى أن التظاهرات في البصرة تحركها إيران كوسيلة لإيقاف تصدير النفط العراقي، وأن إيقاف إيران للخط الناقل للكهرباء في وقت الصيف، جاء تلبية لإرادة إيرانية للضغط على بغداد لتشكيل الحكومة العراقية بالشكل الذي تريده إيران.
وعلى هذا المنوال من الصراع الثقافي المرير بين الفريق المدني وفريق الإسلام السياسي، تمرر الكثير من الصفقات، وتتم الكثير من التصفيات، والكوارث، يكون الخاسر الأكبر فيها الثقافة المدنية الداعية إلى علمانية الحكم، وفصل الدين عن سياسة الدولة، فيما يقاتل الإسلام السياسي بكل ما أوتي من (إمكانيّات) لإدخال أدبيات الدين إلى الدستور، ومزج "ديانتنا بسياستنا"، لأن شعار الإسلام السياسي في إدارة الدولة يقول "سياست ما عين ديانت ما وديانت ما عين سياست ما ـ حسن المدرّس، بالفارسية : ما أي نا نحن".
ليس من السهل عزل الثقافة الشعبية، المبنية على تقديس العمامة وتبجيل المعممين، عن التفكير بالطريقة التقديسية لرجل السياسة المدعوم دينيّاً، إلا أن الخراب الذي ألحقه الإسلام السياسي بصورة رجل الدين، من خلال تجربة الفساد والقتل واللطم، جعل المجتمع العراقي ينتبه تدريجيّاً إلى خطورة ثقافة التخوين والإفك وتسقيط الخصوم التي يقوم عليها حكم الإسلام السياسي، وصار العراقيون بشكل عام يتخوّفون من كل دعوة يروّج لها رجال الدين، بما يعني أن العراق مقبل على مرحلة مدنيّة جديدة تلقي على عاتق المدنيين مسؤولية كبيرة في طرح فكرهم التنويري بثقة أكبر خارج عباءة رجال الدين.