تونس ومشروعية وشرعية المساواة في الإرث

رقم العدد: 4325 نوع النسخة: ورقية تاريخ اخر تعديل: 12/5/2018 6:31:28 PM

هادي عزيز علي

جدل واسع أثاره مقترح قانون ينزع نحو المساواة بين الرجل والمرأة في الإرث في تونس امتد أثره الى المحيط الاقليمي العربي وتجاوز حدوده الى أبعد من ذلك . وعندما وجه سؤال الى الرئيس الباجي قائد السبسي عن سبب طرح المشروع أجاب : إنه يريد نقل هذا الموضوع من الفضاء الديني الى الجانب الحقوقي بغية المساهمة في استكمال بناء الدولة المدنية ، وإن السيد الرئيس عندما يقول ذلك ينطلق من مبدأ المشروعية المستندة الى الدستور بأعتباره الوثيقة التي اختارها الشعب التونسي بكافة أطيافه واعتمدها ميثاقاً من أجل البناء المؤسسي للدولة المدنية وعلى وجه الخصوص أحكام الفصل 21 منه الذي ينص على : ( المواطنون والمواطنات متساوون في الحقوق والواجبات وهم سواء أمام القانون من غير تمييز ) . لذا فالرجل هنا أمام قاعدة دستورية علوية وآمرة ولما كانت تونس دولة تقوم على المواطنة وإرادة الشعب وعلوية القانون )الفصل 2 من الدستور(، لذا لا مناص أمام الحكومة سوى الامتثال للمساواة المشرعنة دستورياً .
وضع هذا المقترح السيد راشد الغنوشي في حرج كبير ، فهو من جهة ملزم بتعهده أمام ( النداء) وبقية التشكيلات السياسية على اعتماد الدستور وتطبيق أحكامه باعتباره مواطناً تونسياً ، فضلاً عن إنها وثيقة نالت مصادقة الشعب التونسي ، في حين أن اتباعه ومريديه في حزب النهضة ( النسخة التونسية للاخوان المسلمين ) ينزعون نحو تطبيق الشريعة الاسلامية أو كحد ادنى أن لا يشرع قانون يخالف أحكامها . خاصة وإنهم يعتبرون أن : ( للذكر مثل حظ الانثيين ) أمراً شرعياً قاطعاً لا يجوز المساس به والمخالف لاحكامه يتهم بالخروج عن الملة .
وأمام هذا الانغلاق وجد أن الجانب الآخر من الفقه الاسلامي التونسي الذي يقرأ الاية 11 من سورة النساء قراءة مختلفة ومخالفة للقراءة المتزمتة: ( يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الانثيين فان كن نساء فوق اثنتين فلهن ثلث ما ترك وان كانت واحدة فلها النصف ) . ويعودون بهذه القراءة الى الشيخ الطاهر الحداد أحد شيوخ جامع الزيتونة الناشط بشكل ملفت في النصف الأول من القرن الماضي والمنحاز للمرأة في سعيها للحصول على حقوقها , ويعد كتابه الموسوم : ( امرأتنا – في الشريعة والمجتمع) المرجع الفقهي لمجلة الأحوال الشخصية الصادرة سنة 1956 بدعم ومباركة الرئيس الراحل الحبيب بورقيبة .
فالقراءة المتزمتة الغالبة في العالم الاسلامي بما في ذلك تونس تقول : ( إن المرأة لا تجب عليها النفقة لا على نفسها ولا على غيرها لذا فان التشريع أعطاها النصف مما يأخذه الذكر ، وجبراً للرجل المكلف بالاعباء كحماية العائلة والمصالح العامة للقبيلة فضلاً عن الانفاق فقد أعطي مثل حظ الانثيين لأنه مكلف بالانفاق ، فالزوج مكلف بالانفاق على زوجته والأب على ابنته والابن على والدته والاخ على اخته . وتلك هي الحكمة التي أرادها المشرع للتخفيف عن كاهل الرجل ومسؤولياته ، فلديهم إن علة التشريع في اعطائه حظ الانثيين هو لتمكينه من مواجهة تلك المسؤوليات والأعباء المكلف بها ومساهماته في المجال العام في مقابل قعود المرأة واستكانتها في الدار التي بسببها استحقت نصف حصة الذكر .
إذ يقول الطاهر الحداد رداً على القراءة المتزمتة : ( إن الاسلام لم يعطنا حكماً جازماً عن جوهر المرأة في ذاتها ، ذلك الحكم الذي لا يمكن أن يتناوله الزمن وأطواره بالتغيير .. انما الذي ابان عن ضعف المرأة وتأخرها في الحياة تقرير حال فرض كفالتها على الرجل وقد علل الفقهاء نقص ميراثها عن الرجل بكفالته لها ، ولا شيء يجعلنا نعتقد خلود هذه الحالة من دون تغيير .. ووجد الأسلام نفسه قد تجاوز هذه الحالة في كثير من أحكامه وضرورة تبدلها مع الزمن ) .
وفي ضوء ما طرحه الشيخ الطاهر حداد حينئذ وما كرره أتباعه والحاليون منهم المؤيدون لمقترح الحكومة في المساواة . فبعد مراجعة النص القرآني واعتماداً على المبدأ الذي يقول : ( لا ينكر تغير الأحكام بتغير الازمان ) وبعد زوال العلة التي تتمسك بها القراءة المتزمتة. فان المرأة وفي الوقت الحاضر ليس في تونس وحدها بل في جميع الدول الاسلامية تجد نفسها صاحبة عمل وكسب كموظفة او عاملة ، فهي التي تنفق على ابيها الشيخ المبتلى بأمراض الشيخوخة من سكر وضغط وسواهما من الأمراض الأخرى ، وهي كذلك تنفق على الزوج العاطل عن العمل والذي اعيته الحيلة في الحصول على فرصة عمل من دون جدوى، فضلاً عن الانفاق على أطفالها دراسة وتعليماً وصحة ومستلزمات أخرى ، أي أن المرأة والحالة هذه مكلفة بالانفاق بالنفقة بأنواعها الثلاثة المسكن والملبس والمأكل ، فهذا التكليف أزال عنها علة عدم الانفاق ولكي تتمكن من جبر الاعباء المحيطة بها فان هذا الجانب من الفقه يطالب بان يكون حظها كحظ الذكر ، وهو ما ذهب إليه مقترح القانون المطالب بالمساواة في الإرث .
ويضيفون إن الاحكام القرآنية الاخرى في الاية 11 من سورة النساء ذاتها تساوي المرأة والرجل في الحقوق الإرثية وفي أكثر من موضوع في القرآن الكريم كالنص الاية : ( ولابويه لكل منهما السدس مما ترك اذا كان له ولد) أي ان الاب والام ياخذان فرضهما بالتساوي وهو السدس لكل واحد منهما . وكذلك النص في الاية ذاتها : ( وان كان رجل يورث كلالة ...وله اخ واخت فلكل واحد منهما السدس). وهنا نجد ان القران الكريم يساوي بين الام والاب وامتدت المساواة الى الاخ والاخت لا بل ان القرآن يذهب ابعد من ذلك ويعطي المرأة اكثر من الرجل في قوله : ( فان لم يكن له ولد وورثه ابواه فلأمه الثلث ) النساء 12 وفي هذه الاية اذا كانت المتوفاة أمرأة ولم يكن لها ولد وورثتها أب وأم وزوج فللأم الثلث والزوج النصف والباقي للأب الذي هو اقل من الثلث أي ان المرأة في الاية 12 من سورة النساء تأخذ اكثر من الرجل .
لما تقدم فان جانباً من الفقه الاسلامي التونسي يقف مع المساواة في الإرث في حالة الاولاد وهو يدعم وجهة نظر الحكومة في هذا المسعى وهو المقصود بالجانب الشرعي .
بقي أن نضيف إن العراق سبق تونس بستة عقود بمساواة الاولاد في الإرث وجعل للذكر مثل حظ الانثى عند صدور قانون الا حوال الشخصية رقم 188 لسنة 1959 , ولكنه لم ينص مباشرة على المساواة بل جاءت ضمنا بحكم المادة 74 من القانون في صياغته البكر التي نصت على : ( تسري الاحكام الواردة في المواد 1187 الى 1199 من القانون المدني في تعيين الورثة وتحديد انصبتهم في التركة من عقارات ومنقولات ) . وأن المادة 1194 من القانون المدني تنص على : ( 1 – يراعى دائما في حق الانتقال ، أن يكون للذكر مثل حظ الانثى أيا كانت الدرجة التي انتقل اليها هذا الحق) .وبذلك فأن قانون الاحوال الشخصية أعطى للذكر مثل حظ الأنثى في الإرث أي قياسا على حق الانتقال الواردة في القانون المدني الذي ما زالت أحكامه سارية المفعول الى يومنا هذا ولها تطبيقات يومية في مختلف محاكم البلاد حتى هذه الساعة .
إلا أن انقلاب 8 / شباط/ 1963 ألغى هذا النص مفرقاً بين حق الإرث وحق الانتقال رغم أن الإرث يرد على الأعيان والمنافع ، وأعاد الحكم للذكر مثل حظ الانثيين .