حان الأوان لتعريف مصطلح "المدنية" واقتران هذا التعريف بتشريعات واضحة وجسورة

رقم العدد: 4341 نوع النسخة: ورقية تاريخ اخر تعديل: 12/30/2018 6:43:19 PM

 لامعة الطالباني

كثُر استهلاك مصطلح "المدنية" من جانب أكثر من طرف، ومن شتى المنابت الفكرية والعقائدية، لما تختزله هذه الكلمة من تجاوب شعبي معها. مثلاً، نجد المتظاهر والناخبة والكاسب والطبيبة يتطلعون الى العيش والعمل ورعاية ابنائهم في ظل "دولة مدنية" ويتطلعون الى يوم ما حيث ستنجح الطبقة السياسية بإرشاد البلد الى مستقبل مدني، وهم يقولون هذا الشيء ويتداولون المصطلح بصورة عفوية بل أصبحت اشبه بالتلقائية، من دون تصور واضح لما تحتويه وتتضمنه هذه الكلمة من معاني ومفاهيم. لذا، نجد بأن المرجعية العليا قد تبنت غاية "الدولة المدنية" في إحدى خطب الجمعة منذ عام 2013، وفي المقابل، نجد بأن اقطاب الحركة الماركسية أيضاً يتبنون هذا المصطلح. فهل ما تعنيه المرجعية بالمدنية هو عينه ما يعنيه الماركسي؟ ... وبات كلٌ من الإسلامي والماركسي والرأسمالي والقومي يردد هذا المصطلح لإستقطاب القدر الأوسع من تعاطف المواطنين، وكلٌ يدّعي بأنه سيسعى الى تطبيق المفاهيم المدنية في شتى المفاصل التنفيذية والتشريعية والقضائية من دون بذل المجهود الفكري المطلوب والمتوقع لتعريف ماهية المصطلح وأطره وتبويباته وتفرعاته.
إن تداول هذا المصطلح بصورة مُسْرِفة ومبتذلة من دون فحوى هو خواء فكري، بل هي حالة خطرة، لأنها ترفع من سقف التوقعات لدى المواطن والمواطنة، من دون أن ترسم خارطة واقعية للوصول الى هذا الهدف، من خلال محطات واضحة، وانجازات وتغيرات تراكمية، تتطلب الصبر والتريّث احياناً، والجسارة في أحيان أخرى. وإن حدث تباين كبير بين الآمال والانجازات، سيتصدّع الكيان السياسي، وقد يتصدّع الى نقطة اللا رجعة، اي سيتولّد غضب شعبي هائل لا فقط على القائمين على العملية السياسية بل على الحياة السياسية نفسها، وإن فقدنا المضمار السياسي، لن يبقى من سُبل الى المستقبل إلا تلك التي تمضي تحت ظل الحِرابِ والسيوف. ولعل الجُرْم الأكبر الذي سنقترفه بحق الأجيال القادمة هو تبذير هذه الفرصة التاريخية، فليس من السهل ظهور مصطلح جديد لديه مقبولية عالية، ولا يزال يحتاج الى تعريف دقيق، فهذا هو مخرج من التهكمات المعتادة التي كانت ولا تزال تُعيِّر مصطلحات مثل "الديمقراطية" و "الليبرالية" على أنها مصطلحات اجنبية ودخيلة، وهو كذلك فرصة لتجربة مسار جديد من بعد الفشل الذريع للأطُر القومية والدينية في إدارة دفَّة الحياة والتفاهمات الحساسة المطلوبة للحفاظ على السلْم الاهلي وتوفير فسحة لإنتعاش الفرد وتحقيق آماله في هذه الحياة. فإن خسرنا ما يكتنفه مصطلح مثل "المدنية" من مخارج وفرص ومسارات جديدة، وإن أصبحت المدنية هي أيضا مُدعاة للخيبة والاستياء من الحياة السياسية، فسأقولها بكل وضوح، لن نجد طوق نجاة آخر، خصوصاً إن ادركنا بأننا نواجه موجة هائلة من التشاؤم والغضب، قد تأتي على كل شيء، ومن ضمنها الأدوات الفكرية القليلة التي هي في متناول يدنا كنخب ثقافية وفكرية وحركية. والفشل، إن حصل، سيُعلّق في رقبة هذه النخبة، لأن دورها، ومنذ ظهور أولى المدن في هذا السهل الرافديني، وفي كل ما توصل اليه الإنسان من رقي وسمو، وفي كل بقعة من الارض، هو الاجتهاد في ايجاد السبل الجديدة في إدارة البشر لشؤونهم. ولعل المسؤولية الأكبر تقع على عاتقْ من ورث هذه الارض، بأن يعي المعاني العميقة لظهور تلك المدن هنا، وما يعنيه هذا في مسعى تعريف المدنية. أي اننا أولى من اي مكان آخر لكي نضع بصمة عراقية رافدينية مميزة على هذا التعريف.
بالتأكيد، كل واحد منا أكبر وأعمق من اجمالي ما ورثناه من الأجداد. ولو كان الأجداد في حالة جامدة، أي إنهم لن يستطيعوا أن يخرجوا على ميراثهم الحضاري، لكانوا سيستنكفون تناول المعول وقد يحسبوه بدعة، وقد يتوجسون من ركوب الخيل ويحسبونه ضربٌ من الشعوذة، وقد يضرمون النار بمن وضع الحروف الاولى على لوح طيني ويتهمونه بأنه قد انقلب ابليساً. كلا، في كل حقبة من زمن الاجداد خرج عليهم مُجدِّدْ، وهؤلاء المجددون تجاسروا وتجاوزوا على الموروث العام، وتمردوا على عادات وطقوس وحكم آبائهم، كي يأتوا بطفرة جديدة، بعضها يقترب من الشر المطلق، ولكن في المقابل بعضها قد أتى بالخير الوفير علينا. إذن، كان هؤلاء المجددون أكبر وأعمق من اجمالي ميراث اجدادهم، وعلى هذه الخُطى، علينا ان نتساءل، أليس التجديد من حكمة الدنيا وانسياب الزمن؟ فإن كان الأمر كذلك، من هم المجددون في زمننا هذا؟ وما هي أعمالهم؟
نجد انفسنا في حال بائس، كحضارة وثقافة ومجتمع وقيّم واقتصاد. وفي حال كهذا، سيَكْثَر من يدعي بنفسه مجدداً، وسينهض ومعه وعود وآمال كثيرة، وسيدعو القوم الى اللحاق بمغامراته كي يتحقق التجديد والانبعاث. فها قد رأينا حزب البعث يبشّر برسالته التجديدية ورأينا ما آلت اليه الامور، بل و حتى الجهاديين وقيادات الخلافة الاسلامية المزعومة يتصورون انفسهم بأنهم مجددين وثائرين. وهنا نجد أنفسنا على مفترق طرق في تعريف التجديد، فهناك من يعتقد بأن التجديد هو العودة مجددا الى ميراث حضاري تم تركُهُ منذ قرون خلت، وبأن هذا هو مفتاح الحل. وفي المقابل، هناك من سيقول بأن التجديد يعني الاتيان بما هو فعلا جديد، اي تقريبا ما يشابه عبارة "المجرَّبْ لا يجرَّب". وهذا الافتراق في الفكر لديه انعكاسات كبيرة علينا كعراقيين، بل سيَلقى بظلاله على محاولة تعريف المدنية واهدافها. ومن باب المثال، علينا أن نستوعب بأن الجريمة المروعة التي اقترفها أنصار الخليفة بحق اليزيديات كان من وجهة نظرهم محطة مهمة في تجديد مجد الاسلام. ما حصل للأيزيديات لا يمكن تجاوُزِه، فهو عار هائل على جبين العراقيين. الجرائم التاريخية الكبرى لا يمكن اختزالها بعدد الضحايا، وإن كان عدد الضحايا كبير في هذه الحالة أيضاً. الجرائم التاريخية الكبرى يجب معاينتها من خلال التبريرات التي يسوقها من يرتكبها أمام ضميره وأمام التاريخ. من قام بهذا العمل، إي إلغاء انسانية الفتاة الآيزيدية، لأنها انثى ولأنها من معتقد آخر، لم يكن ابليس او حيوان كاسر او آلة مبرمجة. من قام بهذا العمل هم بشر، لديهم أمهات وأخوات وبنات ربما. بل لربما حتى كانوا من جيران هؤلاء الآيزيديات. لا بد بأن وازع انساني تحرك لدى قسم منهم، ولكنهم كبتوه وروضوه، لأنهم برروا أعمالهم بأن ما يحصل على يدهم، وعلى مرآهم، ضروري بل هو امر واجب، لأن الغاية، اي استحضار مجد الحضارة الاسلامية، تتطلب ذلك. علينا أن نتذكر ذلك دوماً، لأن ما يعنيه هو أن أي شخص نجده في الشارع، إن كان جاراً أو مستطرقاً، قد يتحول الى هذا الكائن الداعشي إن تبنى بعض من الغايات التجديدية. فكيف لنا أن نحول من دون ذلك؟
من الضروري جداً أن نتوقف عند هذه الكارثة. فلا يمكن لنا أن نتجاوزها ونطوي الصفحة عليها من باب أن المآسي التي وقعت على شعبنا كثيرة ومتماوجة وما حصل للآيزيديين هو أمر قد مس غيرهم أيضاً. كلا، اغفال أو تناسي هذا الحدث ليس من العافية بشيء، بل هو دلالة اخرى على العلّة المتربصة بنا. ما حصل لليزيديين في ارض العراق يجب ان يشكل صدمة هائلة، تدفع بهذا المجتمع الى البحث عن سبل جديدة، عن تجديد يناهض وينافي ويقاوم "التجديد" الذي يدعو اليه الجهاديون.
وأملي هو أن مصطلح المدنية سيكون رأس الحربة في دفع التجديد الذي قد ينتصر فعلاً على العار الذي مر بنا ولا يزال يتحيّن فرصة للخروج مجدداً. وعليه، فإن علينا أن نجد الجانب الستراتيجي في فكر المدنية والذي قد يحقق هذا النصر المرجو، واجد بأن قضية المرأة، وموقف المدنية منها، هو فعلاً ما قد يجنّب الأجيال القادمة عار ما حصل للمرأة الآيزيدية في أرض العراق أمام انظار بقية العالم، وأمام أنظار التاريخ.
وعليه، وأثناء انعقاد ندوة خصصت لهذا الشأن مؤخرا، تصدينا نحن وانبرينا في مسعى تعريف المدنية حسب رؤيتنا وحسب قراءتنا لما يتوقعه المواطن والمواطنة من هذا المصطلح، وما هي المساحات فيما يخص حقوق الفرد وحرياته التي يفترض بالمدنية تغطيتها وإيجاد الحلول لها وخصوصاً تلك المتعلقة بالمرأة والتي لم تتناولها العقائد الفكرية الأخرى بالصورة المراد لها من قبل هؤلاء المواطنين. و هناك جملة من التشريعات المرجوّة التي تخص حقوق المرأة التي قمنا بصياغتها والتي نطالب كل من يَدَّعي بنفسه "مدني" أن يتبناها ويبادر الى إدراجها ضمن أعمال مجلس النواب العراقي وفي برلمان إقليم كردستان العراق، وفي شتى البرامج الحزبية والكتلوّية.
سبق وأن قدمنا وقدم غيرنا مقترحات لتغيير بعض مواد الدستور وقانون الأحوال الشخصية المرقم 188 لسنة 1959 والأحكام المتعلقة بالمرأة في قانون العقوبات المرقم 111 لسنة 1969 وأيضاً القانون المدني وتطبيق قرارات مجلس الامن الدولي والمعاهدات الدولية التي وقع عليها العراق، هذا بالاضافة الى تشريع قوانين جديدة تتناول العنف الأسري وتشريعات تخص النساء ذوي الاعاقة. ولكن، ما يختلف اليوم هو اننا نربط ما بين هذه التعديلات والتشريعات ومصطلح المدنية حسب تعريفنا له، وحسب قناعتنا لما تعنيه حرية الفرد وحقوق المرأة ضمن الاطار الفكري للمدنية والدولة التي تمارس هذه المفاهيم المدنية. أي إننا قد رفعنا سقف التوقعات وعلى الاقل في ما يخص المرأة لم يعد هناك مساحة رمادية وفضفاضة فيما تعنيه المدنية بالنسبة للمرأة. إن كنتم مدنيين فهذه هي المدنية في هذا الاطار بالتحديد، وإن اختلفتم معها، فهاتوا ما لديكم، ودعونا نتفحص اجتهاداتكم، لأن هناك احتمال بأن ما تقدموه أو تعتقدون به فيما يخص المرأة قد يندرج أصلاً ضمن عقيدة اسلامية أو قومية أو يسارية أو يمينية أخرى سبق وأن تم طرحها في السجال العام، وربما منذ عقود خلت، إذن عليكم أن تتكلموا بوضوح، لأن فكركم قد يكون اسلاميا او قوميا أو هذا وذاك، ولا يصح تسميته "مدنياً" او اعادة تسويقه وتصديره تحت ماركة "المدنية".
قد يقول بعض من الناس بأن ما سنعرضه اليوم من تعديلات ومقترحات هي سقوف غير واقعية في خِضَّمْ الاتجاهات الاجتماعية والسياسية الدارجة، والتي تميل اغلبها الى الرأي المحافظ والديني والعشائري. نحن نُدْرِك ونرى ونستشعر ما يحصل من حولنا. ولكن لأننا نُدْرِك بأننا في سباق مع بعض القوى الظلامية، والتي تصتنع التجديد من خلال استعباد السبايا وما مَلَكَتْ من اَيْمان، فعلينا ان نقدم ما نعتقده حقا وتجديدا حقيقيا بصورة واضحة وطموحة. لأن الوقت يدركنا، والخراب يتمدد من حولنا ويحاصرنا، وما لدينا من أدوات سياسية قليلة مثل التشريع النيابي وحرية الرأي والتعبير باتت مهددة بسبب الغضب الشعبي والذي قد يتراكض وراء أي راية ثورية أو عدمية تخرج من هنا أو هناك.
نعم، نحن أكبر وأعمق من ميراثنا، ونحن المجددون في هذا الزمن، وقد رفعنا راية المدنية للدلالة على التجديد ومساره الذي اخترناه، الذي نَصْدَح به من دون وجلٍ أو مواربة، لأن تلكئنا او تخاذلنا قد يؤدي الى كارثة اخرى كما حصل مع الآيزيديات، وما حصل نحن مسؤولين عنه كنخب عراقية، ولا ينبغي ان نعلق الفشل فقط في أعناق الساسة، لأن مسؤولية تعريف المدنية، هذا المصطلح الذي نزل علينا كمنٍّ من السماء، وكرحمة امام التاريخ، هذه الفرصة التي إن فاتت فلن تعوض، والتي تمثل نقطة تحول في مسار الشعوب، هي مسؤوليتنا، ولن نتقاعس عنها، ولن نتهرب منها، إكراما لكل دمعة سُكبت من أعين فتاة عراقية آيزيدية، واجهت ما واجهته بمفردها، وحيدة، وطريدة، مكبلة اليدين في زاوية من زوايا حجرة مظلمة، واكراما لإسم هذا البلد، ولإرث هذه الأرض، عندما تُدوَّن اخبار البلدان والاقوام بعد مئة عام من الآن. فهل سيقول التاريخ بأن ما كان يُعرف بالعراق هو ذاك البلد الذي وقعت فيه تلك الجريمة الكبرى، ام سيقول بأن العراق هو ذاك البلد حيث نَبتَت فكرة المدنية وجددت كيانه ورفعت من شأنه؟