جدل الدينية والعلمانية في رواية مدام بوفاري..

رقم العدد: 4344 نوع النسخة: ورقية تاريخ اخر تعديل: 1/6/2019 6:35:57 PM

د. لاهاي عبد الحسين

تصنف رواية "مدام بوفاري" للكاتب الفرنسي غوستاف فلوبير (1821 – 1880) بإعتبارها من روائع الأدب العالمي التي أعادت المدى طبعها ضمن سلسلة أعمال خالدة عامي 2007 و2014. لم تنج الرواية أول ما صدرت في خمسينيات القرن التاسع عشر من النقد والتجريح والإساءة بدعوى الترويج للفساد والحط من القيم الدينية. وهذا ما أدى بمؤلفها والناشر الفرنسي لها إلى دخول قاعة محكمة جنح باريس عام 1857 في محاكمة شغلت الرأي العام الفرنسي حينها. أطرت المحكمة بالنهاية على الجهد الأدبي الرفيع الذي وضع فيها وحكمت بالبراءة لصالح مؤلفها بعد الإستماع إلى الدفاع الرائع والحاذق عنها. على الضد من محاولة المدعي العام لتجريدها من القيمة الأخلاقية من خلال التركيز على موضوعة الخيانة الزوجية التي تورطت "إيما" بطلة الرواية بها اختتم محامي الدفاع مرافعته بالقول: لا تجتزئوا الفكرة وضعوها في سياقها السليم وفكروا هل توحي قراءة مثل هذه الرواية بالرذيلة أم تظهر بشاعة التورط فيها!. ويجيب على هذا التساؤل بالقول لقد أدركت الزوجة الجموح خطل أحلامها في البحث عن السعادة خارج الحياة الزوجية والمخاطرة بعلاقات سرية عابرة أدت بها إلى إهمال بيتها وابنتها الرضيعة وصولاً إلى الإسراف الذي تسبب في أنْ تمد يدها إلى ما لا تملك من مدخرات زوجها. فكان أنْ ضاعفت أخطائها وزادت في تراكم خيباتها حتى اختارت الإنتحار وهي في عز شبابها وصحتها وجمالها. رواية انطلقت من موضوعة الخيانة الزوجية وإنعدام التكافؤ بين الزوجين على مستوى التطلعات والأحلام وبحثت في فشل المؤسسة الدينية في تقويم سلوك الأفراد وثبوت إنعدام فاعليته. كانت مدام بوفاري قد تلقت تعليماً كنسياً منتظماً في سني حياتها المبكرة قبل الزواج. وهناك السيد بوفاري، الذي حصل على شهادة تؤهله لممارسة وتقديم الخدمات الصحية ولكنه تزوج من إمرأة بدينة تكبره سناً نزولاً عند رغبة أمه طمعاً في مالها مما أدى به إلى أنْ يعيش حياة اجتماعية محبطة وغير مقنعة. ثم حدث أنْ ماتت الزوجة وشاءت الظروف أنْ تقوده إلى "إيما" الشابة التي تمتلئ حيوية وحراكاً والتي أصبحت "مدام بوفاري" لتصير عنده وكأنّها حلم حياته وعلى نحو غير متوقع البتة. هذا جانب مهم من الرواية يسلط الضوء على تدخل الأهل ورسمهم الخطط بعيداً عما يرغب الأبناء به حقاً ويريدونه. وهي رواية تخوض أيضاً في إشكالات الحياة الزوجية والتحديات التي يواجهها الأزواج وبخاصة على مستوى عدم الإنسجام وضعف التوافقات اللازمة لبناء زيجات ناجحة تتطلب الكثير من الإحساس والتبادل والجهد المشترك.
بالحقيقة هناك جانب آخر لا يقل أهمية عن الجانب الأخلاقي في هذه الرواية وهو الذي يتعلق بجدل النزعة الدينية والعلمانية بين الأفراد ودور الكنيسة كمؤسسة في محاولة وقف الإجتياح الجارف للعلمانية كطريق للحياة مما عصف بأوروبا القرن التاسع عشر وهو القرن الذي ظهرت فيه الرواية. الرواية أشبه ما تكون باللوحة التي يمكن للناظر إليها أنْ يعثر فيها على أكثر من معنى ورسالة وبحسب ما يعتمل في ذهنه وذاكرته من أفكار وتجارب وخبرات. والرسالة المهمة هنا تقديمها للصراع المتصاعد بين القوى الدينية التقليدية من جانب والقوى العلمانية المتنامية من جانب آخر والذي يتجسد في الجدل المحتدم والمتواصل بين شخصيتين ثانويتين في الرواية أبدع المؤلف في تقديمهما بشفافية عالية. ولعل المثير للإهتمام ألا يقف القارئ على جدل فرنسي أو أوروبي غريب وبعيد ولكنه يقف إزاء جدل إنساني حيّر الذوات منذ زمن بعيد ولا زال يقدم نفسه بصورة متجددة وبحرارة حتى يظهر وكأنّه منزوع من العوامل الثقافية التي تحبسه في إطار محدد وتغلق الباب عليه. إنّه الجدل حول مكانة الدين والعلم في المجتمع الإنساني المعاصر قديمه وحديثه، غربيّه وشرقيّه على السواء.
ويتجسد الصراع هنا من خلال الحوار بين "هوميه" العلماني الذي يشغل وظيفة صيدلي والقس بورنيسيان ممثل المنظومة الدينية التقليدية. يمهد المؤلف لهذا الحوار من خلال حديث متبادل بين هوميه وصاحبة الفندق السيدة لوفرانسوا التي تسأله بتهكم عما يفهمه بالزراعة فيقول لها إنّه يفهم الزراعة جيداً ما دام صيدلياً، أي كيميائياً. ويستطرد بالقول: هل تظنين أنّه لا بدّ للمرء أنْ يحرث الأرض ويربي الدواجن لنسميهم رجال زراعة! إنّ الأكثر ضرورة هو أنْ يعرف المرء تركيب المواد التي تتعلق بالزراعة. الخواص البيولوجية والعوامل الجوية ونوع التربة والمعادن والمياه وكثافة الأجسام المختلفة وخاصية الجاذبية. ويكمل قائلاً: إني لأدعو الله أنْ يكون كل المشتغلين بالزراعة عندنا كيميائيين أو أنْ يولوا مجالس العلم اهتماماً، على الأقل. فقد ألفت كتيباً لا بأس به وأرسلته إلى الجمعية الزراعية فكان سبباً في أنْ أحظى بشرف الإنضمام إلى عضويتها في قسم الزراعة. ويؤكد "ألا فلنحيي علماءنا الأخيار، تلك الأرواح التي لا تمل والتي تكرس لياليها لتحسين جنسها، أو التخفيف من آلامه. فلنحييها ولنحييها أكثر من مرة ؟ أوَ لسنا في موقف يصح فيه أنّ العميان سيبصرون والصم سيسمعون والمرضى سيشفون وأنّ ما يعد به الدين المؤمنين قد أصبح في متناول أيادي جميع البشر بفضل العلم.
ثم يشرع الراوي بتقديم الحوار بين الصيدلي هوميه والقس بورنيسيان تعقيباً على إصابة هيبوليت خادم الإسطبل بالغرغرينا ليبادر القس بالقول مخاطباً المريض: عليك أنْ تبتهج ما دامت تلك إرادة الرب، وأنْ تنتهز الفرصة لتتصافى مع السماء. ويستكمل قائلاً بنبرة أبوية وبطريقة تنطوي على فكرة أنّ الإصابة بالمرض عقوبة سماوية: لقد كنت تهمل بعض الشئ واجباتك وقلما يراك الناس في الصلاة ولم تقترب من المائدة المقدسة. ويضيف: أفهم أنّ الحياة أخذتك ولكنْ هذا هو الوقت المناسب. توسلْ إلى رحمته كما توسل مذنبون كبار عندما أحسوا بدنو ساعات مثولهم أمام الرب "وماتوا وهم في خير حالة". إمتعض الصيدلي مما اعتبره مناورات القس وقال مخاطباً إياه بصورة غير مباشرة من خلال الحديث مع مدام لوفرانسوا: إنّك تنزلين الإضطراب في نفسه بهذه الغيبيات".
وعلى صعيد آخر يدافع هوميه الصيدلي عن الأدب بالقول: إنّ المسرح يحطم الآراء الرجعية ويدعو إلى الفضيلة تحت ستار اللهو. ويضيف باللاتينية: إنّه يقوّم الأخلاق بالضحك ... فأنظر مثلاً مسرحيات فولتير تجدها ممزوجة بمهارة بالآراء الفلسفية التي تعتبر بالنسبة إلى الشعب مدرسة حقيقية في الأخلاق والدبلوماسية. ويستشهد القس بمثل سئ عن المسرح ليرد عليه هوميه لا بد أنّ هناك أدب ردئ كما إنّ هناك صيدلية رديئة بيد إنّ إدانه الفنون الجميلة بالجملة يلوح بقساوة وتزمت لا يليقان الا بتلك الأيام اللعينة التي سجن فيها غاليلو. ويمتد الحوار بينهما ليأخذ سمة جدال ساخن وصولاً إلى اجتماع الرجال والنساء الذي يمكن أنْ يؤدي إلى "توليد نوع من الإباحية النفسية وغرس الأفكار الفاسدة والشهوات المدنسة"، برأي القس الذي يضيف قائلاً: هذا على الأقل رأي جميع آباء الكنيسة.
ويأتي أبلغ تعبير عن العلمانية بالرواية عندما يقول القس في حفل عزاء بطلة الرواية "إيما" ليقول: لم يبق الا أنْ تصلوا من أجلها". فيندفع الصيدلي هوميه إلى القول: نحن بين أمرين. إما أنّها ماتت في مغفرة ورضوان كما تقول الكنيسة، وهي بهذه الحالة ليست بحاجة إلى صلواتنا، وإما أنّها ماتت عاصية كما يقول التعبير الكهنوتي وعندئذ ... ويقاطعه القس بالقول: على أية حالة لا بد من الصلاة عليها. فيعترض الصيدلي قائلاً: ولكن ما دام الرب يعلم ... فينهره القس قائلاً: إنّك لست مسيحياً. فيرد هوميه قائلاً: عفواً انني معجب بالمسيحية التي حررت العبيد وأدخلت الأخلاق في العالم". ويقاطعه القس بالقول: ليس هذا هو المقصود إنّما كافة النصوص". فيجيبه هوميه: أما عن النصوص فأفتح التاريخ. لقد زورها اليسوعيون. ويستمر الجدل بين الإثنين، الصيدلي والقس ويحمر وجهاهما ويتكلمان في وقت واحد دون أنْ ينصت أحدهما إلى الآخر ليصف المؤلف القس بالمشمئز من مثل هذه الجرأة فيما يعبر الصيدلي عن الدهشة من هذا القدر من الغفلة! وتختتم الرواية بأنْ يقوم القس برش غرفة المتوفاة بالماء المقدس فيما يلقي هوميه "قليلاً من الكلور على الأرض". ويعلق فلوبير مؤلف الرواية على هوميه بالقول إنّه يحب التقدم ويكره القساوسة لتناقضهما معبراً عن شعور بالإختناق داخل الحدود الضيقة للثقافة الدينية. رواية تُقرأ ولا تُنسى.