أحجيات الكون والوجود البشري..في كتاب يخاطب القارئ العام

رقم العدد: 4346 نوع النسخة: ورقية تاريخ اخر تعديل: 1/8/2019 7:49:07 PM

ترجمة وتقديم : لطفية الدليمي

هذه ترجمة للمقدمة الثرية التي كتبها البروفسور ( بول ديفيز ) لكتابه الموسوم (الإله والفيزياء الجديدة) ، وهو الكتاب الذي نشرته دار نشر بنغوين عام 1990 في طبعة ثانية له .
المترجمة


منذ مايزيد على الخمسين سنة* حدث أمر غريب في العلم الفيزيائي ؛ فقد إنبثقت أفكار مذهلة وغير مسبوقة بشأن الفضاء والزمان ، والعقل والمادة ، سادت بين أوساط المجتمع العلمي ، ولم تبدأ تلك الأفكار بالشيوع بين أوساط جماهير العامّة إلا في وقتنا الراهن حسب ، وغدت المفاهيم التي لطالما فتنت الفيزيائيين وبعثت الإلهام فيهم لجيلين كاملين تحوز في نهاية المطاف إنتباه عامّة الناس من الذين لم يعتقدوا يوماً أنّ ثورة كبرى قد حصلت في الفكر الإنساني . شهد عصرنا إذن ولادة الفيزياء الجديدة .
قُدّمَتْ في الربع الأول من هذا القرن ( العشرين ، المترجمة ) نظريتان عظيمتا الأثر والزخم : نظرية النسبية والنظرية الكمّومية **، وانبثقت من تينك النظريتين معظم فيزياء القرن العشرين ؛ غير أنّ الفيزياء الجديدة سرعان ماكشفت عن نفسها بأنّها أكثر من محض نموذج ( موديل Model ) بسيط للعالم الفيزيائي أفضل من سابقيه ، وابتدأ الفيزيائيون يدركون أنّ مكتشفاتهم تطلّبت إعادة صياغة جذرية لمعظم الجوانب الأساسية للواقع الفيزيائي ، وتعلّم هؤلاء الفيزيائيون أن يقاربوا موضوعاتهم البحثية بطرق جديدة غير معهودة وغير متوقّعة بالكامل - تلك الطرق التي بدت بأنها ستُحدِثُ إنعطافة كاملة في حسّ البداهة العامّة ، كما ستوجِدُ توافقاً وانسجاماً أقرب إلى الرؤية التصوّفية من الرؤية المادية .
إنّ ثمار هذه الثورة الفيزيائية لم تصبح قُطوفاً متاحة للفلاسفة واللاهوتيين إلا في وقتنا الحاضر ، وهناك الكثير من الأفراد العاديين كذلك من الّذين يبحثون عن المعنى الأعمق الكامن وراء حيواتهم صاروا يجدون معتقداتهم بشأن العالم متناغمة إلى حدّ بعيد مع الفيزياء الجديدة ؛ بل حتّى أنّ نظرة الفيزيائي صارت تتآلف كثيراً مع نظرة علماء النفس ( السايكولوجيين ) وعلماء الإجتماع ( السوسيولوجيين ) وبخاصة هؤلاء الذين يعتمدون مقاربة كلية holistic في دراسة موضوعاتهم البحثية .
تبيّنتُ خلال محاضراتي وندواتي العديدة بشأن الفيزياء الحديثة شعوراً متنامياً بأنّ الفيزياء الأساسية صارت مثابةً تؤشر طريقة مميزة لفهم جديد للإنسان ومكانته في الكون . الأسئلة العميقة بشأن الوجود ( كيف بدأ الكون وكيف سينتهي ؟ ماهي المادة ؟ ماهي الحياة ؟ ماهو العقل ؟ ..... إلخ ) ليست بجديدة ؛ لكنّ موطن الجدّة هو أننا قد نكون في نهاية الأمر على أعتاب بلوغ إجابات حاسمة لتلك الأسئلة ، وينبثق هذا التطلّع المدهش من بعض الكشوفات الحديثة المدهشة في العلم الفيزيائي ، ولايقتصر الأمر على الفيزياء الجديدة وحسب بل يمتدّ الأمر إلى العلم المُقرّب منها وهو الكوسمولوجيا*** الجديدة .
صار في مستطاعنا ، للمرة الأولى ، بلوغ وصفٍ موحّد للخلق يمكن أن يكون في متناول قدرتنا على الفهم . ليس هناك من معضلة علمية أكثر جوهريةً أو أكثر مشقّة من أحجية اللغز الكامن في كيفية نشوء الكون : هل يمكن أن يكون هذا الأمر قد حصل من غير تدخّل أية قوة فوق - طبيعية Supernatural ؟ تبدو الفيزياء الكمومية وكأنها توفّر إجابة حلزونية ملتفّة حول مصداقية الإفتراض الضارب في القِدم والذي يقوم على فكرة " أنّك لاتستطيع الحصول على شيء من أجل لاشيء " . يتحدّث الفيزيائيون في وقتنا الحاضر عن " الكون ذاتي الخلق Self - Creating Universe " : الكون الذي ينبثق إلى الوجود تلقائياً وعلى نحوٍ يناظر مايحصل لجسيم من جسيمات نواة الذرة الذي يختفي أحياناً على نحو فجائي ولايعود يظهر في أيّ مكان في بعض تفاعلات الطاقة العالية . إنّ السؤال الخاص بكون تفاصيل هذه النظرية ( نظرية الخلق الذاتي للكون ، المترجمة ) صحيحة أم خاطئة ليس بالأمر عظيم الأهمية ؛ بل أنّ مايهمّ حقاً هو إمكانية الحصول على تفسير علمي لمجمل عملية الخلق . هل أزاحت الفيزياء الحديثة الإله أيضاً ) من مشهد العلم الحديث ) ؟
ليس هذا كتاباً بشأن الدين بقدر ماهو كتابٌ يتناول بيان تأثير الفيزياء الجديدة على ماكان يعدُّ سابقاً موضوعات دينية خالصة ، وقد تقصّدتُ بخاصّة أن لاأقحم نفسي في أية محاولة لمناقشة التجارب الدينية أو مسائل الأخلاقيات ، وليس هذا الكتاب أطروحة علمية خالصة - إنه كتاب بشأن العلم والمترتّبات الواسعة التي تتأسس عليه ، ويبدو أمراً لامناص منه بين الفينة والأخرى توضيح بعض التفاصيل العلمية التقنية بشيء من التفصيل الدقيق ؛ لكني لاأزعم أنّ هذه التفصيلات النقاشية العلمية كاملةٌ أو تتّخذ منحى علمياً مسلكياً صارماً ، ولاينبغي على القارئ أن يتوقف عن مواصلة القراءة تحت ضغط فكرة أنه سيواجه سيلاً من الصياغات الرياضياتية القاسية ( التي قد تكون بمثابة عقاب له ! ) أو سلاسل من المفردات العلمية الموغلة في التخصص والصعوبة ، وقد حاولتُ من جانبي تجنّب مخاضة الجعجعة التقنية بالقدر الذي أستطيعه .
قُصِد من هذا الكتاب أن يتوجّه بصورة أساسية إلى القارئ العامّ - سواء أكان مؤمناً بإله خالق أم غير مؤمن - والذي ليست له معرفة مسبقة بالعلم ؛ ولكن مع ذلك يحدوني أملٌ أن يحتوي كتابي هذا على مادة ذات قيمة فكرية حقيقية وبخاصة إذا ماوضعتُ في الحسبان إعتقادي بأنّ بعض الأعمال البحثية الحديثة في ميدان الكوسمولوجيا لم تكن قد حازت من قبلُ على اهتمام ومتابعة الفلاسفة واللاهوتيين .
تتناول الموضوعة المركزية في الكتاب ماأدعوه أسئلة الوجود الأربعة الكبرى :

- لِمَ قوانين الطبيعة على الشاكلة التي هي عليها؟
- لِمَ يحتوي الكون على الأشياء التي يحتويها؟
- كيف نشأت تلك الأشياء ؟
- كيف حقّق الكون هيكلية نظامه ؟
ونحن نمضي نحو خاتمة الكتاب ( كتاب الإله والفيزياء الجديدة ، المترجمة ) ستبدأ بالانبثاق إجابات دقيقة مُمحّصة - إجاباتٌ مؤسسة على فهم الفيزيائي للطبيعة . قد تكون تلك الإجابات خاطئة بالكامل ؛ لكني أعتقد أنّ الفيزياء هي دوماً في وضع فريد ومميز خليق بتوفير تلك الإجابات . قد تبدو تلك الإجابات مكتنفة بالغرابة أو الشذوذ ؛ لكنّي أرى دوماً أنّ العلم يقدّمُ لنا طريقاً أكثر موثوقية يقودُ إلى الإله بالمقارنة مع مايفعله الدين ، وسواءٌ أكان هذا المسعى صائباً أم خاطئاً فثمّة حقيقة مؤكّدة هي أنّ العلم قطع أشواطاً بعيدة إلى الحدّ الذي بات بمستطاعه توسّل مقاربة جادّة بشأن الموضوعات التي كانت فيما سبق تُعدّ موضوعات دينية حصرية ، وتؤشّر هذه الحقيقة الجليّة بذاتها المفاعيل العظيمة التي بلغتها الفيزياء الجديدة .
إنّ تقديمي للفيزياء ( في هذا الكتاب ) هو رؤية شخصية لي على نحوٍ لامحيد عنه على الرغم من أنني قد حاولت مااستطعتُ استبعاد آرائي الدينية الشخصية ، وليس ثمة شكّ لديّ في أنّ العديد من زملائي العلماء سيتقاطعون بشدّة مع النتائج التي أسعى لبلوغها ، وأنا أحترم آراءهم . هذا الكتاب - ببساطة - هو رؤية رجلٍ واحد للكون ، وثمة بالتأكيد الكثير من الرؤى الأخرى ، ومادافعي لكتابة هذا الكتاب سوى قناعتي بأنّ هناك الكثير ممّا يختصّ بالعالم أعظم بكثير من محض ذلك العالم الذي نراه بعيوننا فحسب .

هوامش المترجمة
* وقت نشر الكتاب في طبعته الأولى عام 1983 .
** جرت العادة على تسمية Quantum Theory بالنظرية الكمية ؛ ولكنّ الأسلم والأفضل تسميتها ( النظرية الكمومية ) تمييزاً لفعل الصفة الكمية فيها عن الصفة الكمية المجرّدة المقابلة لمفردة Quantitative .
*** الكوسمولوجيا Cosmology : العلم الخاص بدراسة نشأة الكون وتطوّره .