البدو الجدد في القرن الحادي والعشرين

رقم العدد: 4346 نوع النسخة: ورقية تاريخ اخر تعديل: 1/8/2019 7:52:31 PM

 حسين سعدون

"نحن سندخل عالم سيشهد أكثر فأكثر حياة الترحال (البدو الرحل). بحيث سيكون في أعلى الهرم بعض عشرات الملايين من الأغنياء سيعيشون حياة الترحال للتمتع بالذهاب أين ما شاءوا في العالم. وفي أسفل الهرم بعض مليارات من البشر سيعيشون حياة البدو الرحل بحثاً عن الطعام، بالتنقل من الريف إلى المدينة، ومن مدينة إلى أخرى وأغلب هذه التنقلات ستكون داخل بلدان الجنوب، ومن الجنوب إلى الشمال كذلك. وفي وسط الهرم طبقة متوسطة ستكون محدودة أكثر والتي ستعيش حياة الترحال الافتراضية على أمل اللحاق بأعلى الهرم وعيش حياة ترحال الأغنياء، وخوفا من السقوط أسفل الهرم وعيش حياة ترحال الفقراء، وكل هذا الترحال الإفتراضي ستعيشه هذه الطبقة المتوسطة من خلال الشبكات الإجتماعية (الفايسبوك وغيره) التي ستعرض فيها مشاهد لحياة ترحال الأغنياء في أعلى الهرم، وحياة ترحال الفقراء في أسفل الهرم.
هذا الاقتباس المهم للمفكر الفرنسي المعروف، جاك أتالي، من كتابه الأخير «الإنســان البــدوي» ، الذي يذهب فيه إلى القول، بأن الإنسان الذي بدأ منذ وجوده قبل ملايين السنين بدوياً راحلاً، عاد من جديد إلى أصله البدوي،يتحدث في الكتاب عن البدوالجدد وتنبأ بأن العالم سينقسم إلى ثلاث فئات
- البداة المنحطون الذين يتوزعون إلى بقايا البدو الأصليين (الشعوب القديمة)
-والبداة المضطرون الجدد مثل عديمي المأوى والعمال المهاجرين واللاجئين السياسيين والعمال المتنقلين وممثلي الوكالات التجارية
- والسكان المستقرون مثل المزارعين والتجار وموظفي الدولة والقطاعات العمومية والمهندسين والأطباء وعمال المصانع التقليدية والتقنيين والموظفين والمتقاعدين والأطفال
-و البداة الإراديون، أي الذين اختاروا بمحض إرادتهم نمط التنقل والترحال، ويتوزعون إلى قسمين هما من جهة، «البداة الأعلون» من مبدعين وأطر عليا وباحثين ومخرجين سينمائيين، ومن جهة أخرى بداة الترفيه من سياح ورياضيين وهواة لعب ،وبحسب اتالي اذا كان بيت البدوي خيمته التي ينصبها حيث تيسّر الكلأ والماء، فإن "البدوي الرقمي" ينصب "خيامه" أينماوجد خدمة إنترنت، حيث يرتزق على التجارة بخدمات "معلوماتية" أو رقميّة، والبدوي الرقمي حسب اتالي ، إنسانٌ مولعٌ بالحرية، فهو لا يُريد أن يتسلّط عليه أحد، هو لا يُريد مديراً يُملي عليه متى يستيقظ للعمل ومتى يُغادر، بل يعمل متى يحلو له العمل، والأهم أنه يرى العالم كُله وطناً له، يحفل الكتاب بأرقام مهمة وقراءات جديدة تدعم رأي الكاتب بظاهرة البداوة الرقمية ، فحادثة ١١ سبتمبر ٢٠٠١ كما يراها اتالي هي مثال لحروب البدو ضد الامبراطورية المحصنة، وان العولمة أعادت الانتصار للرحل، والأمم اليوم هي مجرد واحات تتصارع على القوافل المارة، وإن هناك اليوم ٥ ملايين بدوي بالإكراه :المهاجرون واللاجئون والمشردون الذين لا منزل لهم، ويرى اتالي ان القرويين المستقرين لم ينتصروا على البدو الا في القرن الخامس عشر باكتشاف البارود والبندقية ،فحسب جاك اتالي :البدو اخترعوا اهم أشياء الحضارة النار والصيد والزراعة والرعي والثياب والطقوس والفن والموسيقى والحساب والكتاب والقانون والسوق، وسكان المدن المستقرون لم يبدعوا سوى الدولة والضريبة والسجن والتوفير والبندقية والرصاص..يرى اتالي إن البدو يهدمون لكنهم ينشئون حركة التاريخ والمدنيون يتكيفون ويحافظون فقط بدون إبداع، والبدو العرب اليوم هم محور الاقتصاد والتنمية ومركز الصناعات الثقافية والمدن المراكز تتهاوى وتتحطم:القاهرة ودمشق وبغداد،
تلك أبرز الأفكار التي يعرضها كتاب أتالي المثير، الذي يوجه النظر إلى ظاهرة البداوة من زاوية جديدة .