تارةً أُخرى .. غياب الأخلاق يعني غياب الدولة

رقم العدد: 4347 نوع النسخة: ورقية تاريخ اخر تعديل: 1/9/2019 8:31:55 PM

 ناصر الحجاج

في الثقافة الاجتماعية العراقية، حيث عصور ما قبل الدولة، كان شيخ العشيرة يعتبر مثالاً "للحظ والبخت" وهما أعلى قيم الضمير في الصدق والإيثار على النفس في التقاليد القبيلة والعشائرية، فحين يقال للكاذب أتُقسم وتحلِف "بحظك وببختك؟"، يتراجع، إن كان كاذباً، فيقول: "لا، ما أظلم بختي!" ثم تردّت الأمور وشاع الكذب مجدداً، وغابت الدولة التي تقيم بقضائها وقُضاتها اعوجاج الأخلاق، وتعدل كفة الميزان بالحق، ولطالما ترافق حضور الدولة مع حضور الأخلاق، لأن الإنسان كائن يستبطن الكثير من الشر والظلم، والبغي، "فالظلم من شيم النفوس .."، (النفس الأمارة بالسوء، والتي تفسد في الأرض وتسفك الدماء ـ بحسب القرآن الكريم)، لهذا كانت الحاجة إلى الدولة لتضبط بمؤسساتها وتنظّم بدواوينها حياة الناس، وتعتني بشؤونهم، وتحل الخصومات فيما بينهم، فالدولة، وبخاصة التي يشترك الجمهور في تأسيسها، أي الجمهورية، حلم كل الفلاسفة (محبي المعرفة، والعارفين) وتأتي في أقل تقديراتها على شكل مجتمع في "مدينة فاضلة" نظرية، على غرار يوتوبيا الفارابي، أو مدينة اشتراكية دينية على غرار "مجتمع أونيدا" Oneida Community التي أسسها جون نويس في نيويورك 1848، بل ويمكن أنْ تعد إسرائيل مثالَ الدولة اليوتوبيا في التهوّد السياسي، إذا حسبنا الجمهورية الإيرانية المبنية على أساس فلسفي هي الأخرى نموذجاً يوتوبيّاً، مثلما يراها الرئيس الإيراني السابق محمد خاتمي في كتابه (بيم موج).
بعد 2003، عاد العراق إلى (الشيخ) سوبرمانه القديم، حيث شيوخ عشاير التسعينيات الذين تسيّدوا عشائرهم لا بالانتخاب الاجتماعي العفوي التقليدي، بل بكتابة التقارير الحزبية عن عشائرهم، فقد قال صدام (وإذا قال صدام قال العراق) إن على شيخ العشيرة أن يكون شرطياً على حضيرته، يحق له أن يعدم "المتخاذلين" (أعطي مسدساً لهذه المهمة كعنصر ضبط قضائي)، أو أن يلقي القبض عليهم ويسلمهم إلى الفرقة الحزبية (لإجراء اللازم). بما يعني أن القوات الأميركية التي حررت العراق من حكم صدام، وقامت بحل الجيش العراقي، وأعلنت عن قانون اجتثاث البعث De-Ba'athification لم تتدخل لإبطال قرارات صدام، فتلغي سلطات شيوخ التسعينيات، ولم تدع العراقيين إلى الثورة عليهم، بل تركتهم وقودا للعملية السياسية، ولاستلام (مكرمات القائد ومسدساته) مجدداً، وما يزال السياسي العراقي يعتبر شيوخ العشائر وسائل فاعلة للتحكم بالمجتمع، وبخاصة لضمان الفوز بالانتخابات.
المدينة الفاضلة في العصر الديمقراطي ما تزال مدينة أخلاقية، وهي بالفعل كذلك، إذا أقررنا أن الأخلاق Ethics هي الضوابط التي تحدد سلوكيات الإنسان، وهذا بعينه ما ألزم دولة ديمقراطية كالولايات المتحدة الأميركية الملأى بوحوش الرأسمالية بأن تسعى جاهدة لضبط سلوك رأس المال من خلال لجنة الأخلاق البرلمانيةCommittee on Ethics ، كما تضبط غيرها من السلوكيات الفردية والاجتماعية من خلال تحديث وضبط قواعد السلوك Code of conduct وبخاصة سلوكيات المسؤولين الرسميين Official Conduct ، بعيداً عن التجاذبات الحزبية، إذ يتم انتخاب أعضاء لجنة الأخلاق في الكونغرس من المستقلين عن الحزبين الرئيسين الجمهوري والديمقراطي independent non-partisan entity ، ليتاح لها التحقيق في الخروقات الأخلاقية التي قد يرتكبها أعضاء الكونغرس أنفسهم.
وفي العراق، اليوم، في عصر ما قبل الدولة (الجاهلية المعاصرة) لا ضوابط لموظفي الدولة (وشتان بين الوظيفة والعمل) بما يعني أن الدولة العراقية بلا أخلاق، وأن البرلمان العراقي بلا أخلاق، حتى يتم انتخاب هذه اللجنة أسوة بلجان التعليم، والمالية، والأمن والدفاع ..، فالعراق محتاج إلى ضبط السلوكيات والأخلاق قبل حاجته إلى الأمن وإلى لقمة العيش والماء الصالح للشرب، لأن الأخلاق هي الضوابط التي تصنع عبرها "الدولة الكريمة" قبل قيام "دولة الخلافة" أو "دولة الإمام المهدي" عج.