رحيل رائد سينما الأندرغراوند جوناس ميكاس

رقم العدد: 4362 نوع النسخة: ورقية تاريخ اخر تعديل: 1/30/2019 7:34:57 PM

نجاح الجبيلي

توفي صانع الأفلام جوناس ميكاس، الذي يُعد عرّاب سينما الأندرغروند "الأنفاق" عن عمر قارب 96 سنة. وقد ولد في ليتوانيا وهرب من النازية واستمرّ على العمل مع نخبة الطليعة في مدينة نيويورك أثناء الستينات من القرن الماضي، بضمنهم آلآن غينسبرغ وأندي وارهول وجون لينون ويوكيو أونو.
وأعلنت وفاته على صفحته في الفيس بوك:"رحل جوناس بهدوء وسلام مبكراً هذا الصباح. كان في البيت مع العائلة. سوف نفتقده كثيراً لكن ضوءه سيظل مشرقاً".
صنع المخرج حوالي ستين فيلماً، وكانت عادة بأسلوب تعبيري ويومي إذ تكشفت صوره النابضة بهدوء، عن لحظات حميمة بدلاً من سرد فخم. وقد قال لمحرر صحيفة الأوبزرفر في مقابلة معه عام 2012:"من المهم أن تعرف بأن ما أفعله غير فني. أنا مجرد صانع فيلم.أعيش كيفما أعيش وأعمل ما أعمل، مما يسجل لحظات حياتي بينما أنا أتقدم.وأنا أفعله لأني مجبر على فعله. الحاجة وليست البراعة هو الخط الحقيقي الذي تستطيع أن تتبعه في حياتي وعملي".
غرفته العلوية في منهاتن أصبحت آصرة للتجريب الفني. وتمت تجربة "النفق المخملي" هناك؛ يقال بأن ميكاس قدّم لو ريد إلى وارهول ، الذي أنتج ألبومهم الأول.وزار سلفادور دالي المكان أيضاً، وكان فضولياً حول مشهد نفق نيويورك الذي نتج عنه فيلماً لميكاس أطلق عليه "سلفادور دالي أثناء العمل"، الذي يظهر الفنان وقد غطى الموديل فروشكا بكريم الحلاقة.
ألهمت أعماله أجيالاً من صناع الأفلام من جون ووترز وجيم جارموش إلى هارموني كورين وما بعده. كان كورين يدعو ميكاس "بطلاً حقيقياً للأنفاق وراديكالياً من الدرجة الأولى... إنه يرى الأشياء التي لا يراها الآخرون.. سينماه هي سينما الذاكرة والروح والهواء والنار. لا أحد يشبهه. ستعيش أفلامه للأبد".
فاز فيلمه "الحبس"، الذي يدور حول سجن عسكري، بالجائزة الكبرى في مهرجان البندقية السينمائي عام 1965، بينما أضيف فيلمه "ذكريات الرحلة إلى ليتوانيا"، المصنوع سنة 1972، إلى سجل الأفلام في مكتبة الكونغرس. تعاون ميكاس في إنشاء "أرشيفات أنطولوجيا الفيلم"، الذي استمرّ بعرض الأفلام التجريبية في نيويورك إيست فيلج وكانت أكبر مكتبة في العالم تضم تلك الأفلام.
كان عنوان الفيلم الأخير له الذي أنتج عام 2012 بعنوان "لمحات من حياة رجل سعيد". ونشرت أنطولوجيا أعمدة ميكاس في مجلة "فيلج فويس" بعنوان "أحاديث مع صناع الأفلام" عام 2018. انخرط ميكاس في رحلة للترويج لكتابه بضمنه حديث في غاليري سربنتين بلندن، الذي احتضن في عام 2012 معرضاً استعادياً لأعماله.كان هذا المعرض مصاحباً لفصل من أفلامه في معهد الفيلم البريطاني وآخر في معهد بومبيدو في باريس.
و ميكاس، الذي كان شاعراً أيضاً نشر 20 كتاباً، ولد في "سيمنيسكاي" بليتوانيا عام 1922. وترك البلد عام 1944، وأوقف النازيون القطار الذي ركب فيه وأخذوه هو وأخاه إلى معسكرات الاعتقال، وقد هربا بعد ثمانية أشهر ليختفيا في حقل بالقرب من الحدود الفنلندية. وبعد الحرب عاشا في معسكرات الناس المشردين، ثم درس ميكاس الفلسفة في جامعة ماينتس. وفي عام 1949 أخذت منظمة المهجرين التابعة للأمم المتحدة الأخوين إلى نيويورك.
جمع ميكاس المال ليشتري به كاميرا نوع "بولكس" وثق بها الحياة الجديدة وسرعان ما أصبح منخرطاً في مشهد المدينة الطليعي. وفي عام 1954 أسس الأخوان "مجلة ثقافة الفيلم"،وبعد أربع سنوات أصبح الناقد السينمائي الأول في صحيفة "فيلج فويس" التي تصدر في نيويورك.في الستينات عرض ميكاس في غرفته العلوية أفلاماً تجريبية لجماعة بضمنهم وارهول وأونو وروبرت فرانك. تسبّب عرض فيلم "مخلوقات محترقة" لجاك سميث عام 1964 في القبض عليه بسبب الفحش. عمل ميكاس بصورة متتابعة في فيلم "أمباير"، الذي صنعهُ وارهول لمدة ثماني ساعات ويدور حول بناية الأمباير ستيت.
في آخر حوار له مع مجلة دفاتر السينما قال:
أعارض كلياً عبارة «سينما تجريبية» أو «مخرج تجريبي». في نظري، أنها تعابير خاطئة تسعى الى عزلنا في غيتوات. نحن لا نصنع أفلاماً تجريبية، بل بكل بساطة أفلاماً.. واستخدام هذه العبارة يعد شكلاً من أشكال الدونية ويؤدي الى تهميش عملنا. نحن مخرجون بكل معنى الكلمة ونحن جزء من السينما، ونحن نجرب شيئاً. وإذا كان لا بدّ من تسمية أنواع أو أصناف، فإني أفضّل «سينما الطليعة» أو «السينما المستقلة».