كتاب مهرجان القاهرة السينمائي الدولي 40..فرصة من أجل استرجاع الماضي

رقم العدد: 4362 نوع النسخة: ورقية تاريخ اخر تعديل: 1/30/2019 7:37:04 PM

صلاح سرميني

"مهرجان القاهرة السينمائي الدولي"، عنوان جذاب لكتابٍ احتفائيّ، ومثيرٌ لانتباه أيّ مهتم بالشأن السينمائي، وخاصةً إذا كان المهرجان بهذا العمر، ويحظى بسمعةٍ طيبة تخطّت الجغرافيا المحلية، والإقليمية، جعلته واحداً من المهرجانات المُؤرشفة في قوائم المؤسّسات السينمائية العربية، والدولية، الأهلية، والحكومية على السواء.

ومن هنا تمتلك مبادرة إصدار كتاب بمناسبة 40 دورة من المهرجان أهميتها، هو الذي انطلق في عام 1976، ولكن، بحساب السنوات التي لم ينعقد فيها، يصبح العمر الحقيقي أكثر من ذلك.
هي أيضاً فرصة من أجل استرجاع الماضي دورةً بعد أخرى، والولوج تدريجياً في الحاضر بهدف قراءة التاريخ، وتحليله، ومراجعته.
صدر الكتاب باللغة العربية (حوالي123 صفحة)، والإنكليزية (حوالي 70 صفحة)، وهذا يعني بأنه موّجه إلى القارئ العربي بكامل معلوماته، وإلى القارئ الأجنبي بنصفها، اهتم الصحفي "محبّ جميل" بإعداده، أو بالأحرى جمع معلوماته، وغربلتها، وتكثيفها.
في الحقيقة، قبل أن أبدأ بقراءته كلمةً كلمة، وصفحةً صفحة، تأملتُ خيراً، وتوقعت بأن أجد فيه توثيقاً تاريخياً، وتحليلياً يتناسب مع الـ 40 دورة من المهرجان، ولكنه، ومنذ الصفحات الأولى، خذل أبسط توقعاتي، وآمالي، وهنا أتساءل بجدية، وأسأل:
ـ هل قرأ أحد من إدارة المهرجان نسخة الكتاب قبل الطباعة؟
يجدر الإشارة أولاً، إنه، وبسبب المساحة المُتاحة للنشر، لا يمكن لهذه القراءة التوقف عند كلّ الملاحظات، والأخطاء، والفوضى التي رصدُتها في الكتاب، وأتوقع بأن يعثر آخرون على تفاصيل أخرى فاتتني، وهكذا سوف أكتفي اليوم برصد "رحيم" للتقرير عن الدورة الأولى 1976، وعلى القارئ أن يتخيل حصيلة "أكثر رحمةً" لكل صفحات الكتاب، حيث لا يوجد صفحة منه بدون خطأ، أو مجموعة من الأخطاء.
بدايةً، أحبّ الإشارة إلى معلومةٍ حرص الصحفي على ذكرها في الصفحات الأولى بدون الإسهاب في تحليلها، علماً بأن التحليل غاب تماماً، ولم تكن حصيلة الكتاب أكثر من تجميع معلومات من مصادر كثيرة، وتلخيصها، وصفها خلف بعضها، وهو أبعد عن "التأليف".

تذكر تلك المعلومة الهامة:
"في عام 1975 اجتمع مجموعة من النقاد حول احدى الموائد أثناء مهرجان برلين السينمائي الدولي، وكان من بينهم: كمال الملاخ، وعبد المنعم سعد، وماري غضبان، وأحمد ماهر، وفوميل لبيب، وقد بدأ عبد المنعم سعد في قراءة خبر في صحيفة فارايتي الأمريكية التي تُوزع أثناء المهرجان حول توجه إسرائيل لإقامة مهرجان سينمائي دولي في القدس المحتلة".
هكذا في لحظاتٍ من المشاعر الوطنية، والقومية انطلقت فكرة تنظيم مهرجان سينمائي في القاهرة كي لا تسبقهم إسرائيل إلى ذلك، ومع حماس تلك الفكرة الجهنمية، كنت أتمنى، وما زلت، بأن تبادر أيّ جماعة إلى تنفيذ أيّ مشروع قبل أن تسبقنا إسرائيل، وبهذه السرعة كنا سبقناها في كلّ شيء، وانتصرنا عليها، وحررنا فلسطين، لأن تلك الفكرة تحققت فعلاً، وامتدت حتى يومنا هذا كما حال المهرجان الإسرائيلي، الفارق الوحيد بأننا لم نحرر فلسطين.
ونقلاً عن الأخبار التي عثر عليها الصحفي في بحثه عن تاريخ المهرجان، التقطت "صحيفة لوموند" الفرنسية ذاك الهدف الذي يبدو بأنه معلناً، وكتبت بتاريخ 24 آب 1976:
"نُظم مهرجان القاهرة الأول في سرعة غريبة حتى يسبق مهرجاناً سينمائياً آخر منتظر إقامته في إسرائيل في الخريف القادم فكان المحرك الأول لهذا المهرجان هو المعارك الداخلية للعالم الثالث".
ومن ذاك المحرّك الإيجابي لمُؤسّسي المهرجان إلى رصد الكتاب نفسه.
في تلخيصه لأحداث الدورة الأولى عام 1976 يكتب الصحفي "محبّ جميل" أسماء الأفلام (بترجمتها العربية) بدون كتابة أسماء المخرجين، وبهذه الطريقة، إذا أراد أحدنا البحث عن فيلم ما عن طريق محركات البحث، لن يجده، أو يتوجب عليه قضاء ساعاتٍ من الوقت كي يجده، وأدعو أيّ قارئ صبور إلى خوض هذه "المهمة المستحيلة".
مثلاً: ملك الليل (البرازيل)، الفتاة ربنسون (تشيكوسلوفاكيا)......
هذه الطريقة في الكتابة تشمل الكتاب من أوله إلى آخره، مع الإشارة، تفادياً للتعميم، أنه في بعض الأحيان يكتب أسماء المخرجين، وفي مراتٍ كثيرة يُغفلها، وبالعكس، يكتب أسماء المخرجين، ويُغفل كتابة عناوين الأفلام.
ويبدو أن أحد همّومه التجميعية توجهت نحو الإشارة إلى أسماء من حضر، ومن لم يحضر من الممثلين، والمخرجين، وكأنه يكتب عن حفلة زفاف، مع أن المهرجانات عودتنا على الإعلانات المُبكرة عن تكريم ضيوف من النجوم، وانتشار الأخبار في وسائل الإعلام، وبالآن ذاته تعودنا على غياب ضيف، أو مجموعة من الضيوف، وأصبح هذا الحضور، أو الغياب لا يعني أحداً، وبما أن الصحفي معدّ الكتاب لا يمتلك وسيلة للتحقق من صحة الأخبار، استعان بما نشرته الصحافة في تلك السنة، وكان عليه أن يسأل نفسه أولاً:
ـ ماهي الإضافة النوعية في التركيز على هذا الجانب؟
بالنسبة لي، الإجابة سهلة، كان بإمكانه الاكتفاء بجدول يسجل فيه أسماء الضيوف الأهمّ في كل دورة بدلاً من الدوخة في قراءة هذه الأسماء، وكـأننا نقرأ خبراً كتبه صحفي هاوي.
وفي الحديث عن الجوائز، كان يشير إليها في كل دورة، وبنفس الطريقة الفوضوية، ويُعيد إدراجها في جدول، ويضعها خلف بعضها، وكأنه يكتب خبراً في صحيفة يومية، أو موقع إخباري، وأدناه مثال/نموذج:
"فازت لينا كاريسثينز بجائزة نفرتيني الذهبية كأفضل ممثلة والمخرج برنهارد زنكيل بجائزة نفرتيتي لأفضل مخرج كما حصد ميهرداد فاهيمي جائزة نفرتيتي الفضية كأفضل مدير تصوير.....ونال فيلم المسدسات الخشبية جائزة نفرتيتي الذهبية كأفضل فيلم قصير من إيران.."
سوف نلاحظ بأنها معلومات متداخلة بدون فواصل، ونقاط، والأهمّ، يستحيل معرفة عناوين الأفلام، وهذه ليست طريقة بحثية، ولا توثيقية، ولا تاريخية، وأتوقع بأنه نقلها كما هي من الصحافة المحلية، وليس من مصدرها الأصلي، أو البيانات الصحفية الرسمية للمهرجان.
وهكذا، إما أن يكتب عنوان الفيلم بدون اسم المخرج، أو اسم من حصل على جائزة بدون عنوان الفيلم، أو يكتب معلومات ناقصة، مثل:
"بينما نال فيلم عندما يأتي الخريف إخراج أدموند كيوساجان من الاتحاد السوفييتي على جائزة المركز الكاثوليكي للسينما والتي رأس لجنة تحكيمها المخرج المصري أحد كامل مرسي..".
ويبدو بأن باقي أعضاء لجنة التحكيم، يبدو بأنها ليست ذات أهمية.
سوف نلاحظ أيضاً، أنه استعرض أحداث الدورة الأولى 1976 بإسهابٍ مفيد، وكتب أهمّ المعلومات ـ من وجهة نظره ـ ولكن عندما بدأ باستعراض الدورة الثانية 1977 شعر بثقل المهمة، وصعوبتها، وتعقيدها، ومن هنا بدأت تتقلص المساحات المُخصصة لكل دورة، من صفحتين، ونصف للدورة الأولى، إلى صفحة، وربع للدورة الثانية، إلى صفحة واحدة للدورة الثالثة، إلى صفحة، ونصف للدورة الرابعة، إلى نصف صفحة للدورة الخامسة....
وفي تجميعه لمعلومات عن الدورة الأولى، يشير إلى مواكبة الصحافة الأجنبية لهذا الحدث، ويقتطع منها بعض الفقرات، بينما تختفي هذه الإشارات تماماً في تلخيصه لأحداث الدورات اللاحقة، وهذا يعني بأن الكتاب بدون منهج واضح، أو بالأحرى بدون منهج، والطريف أن واحدة من تلك المقتطفات تكشف عن تلك الفوضى، ويتوضح ذلك بمقارنة الفقرة الواردة في صحيفة "هيرالد تريبيون" بتاريخ 24 أغسطس 1976:
"مهرجان القاهرة الأول عرض أكبر عدد من النشاط السينمائي في العالم حوالي 100 فيلم من 30 دولة بينما بدأ الصحفي تقريره عن الدورة الأولى:
"انتقت لجنة اختيار الأفلام....26 فيلماً من 23 دولة للمسابقة الرسمية..".
ولا يشير إلى الأفلام خارج المسابقة، بينما يشير إليها في تقاريره عن الدورات اللاحقة، ولا يمكن التبرير بنقص المعلومات، لأنها متوفرة في دليل كل دورة، والتي من السهل حصر عدد الأفلام في كل قسم، المسابقة، وخارج المسابقة.