الدفاع تتصدّر قائمة الوزارات في منح سياراتها للأحزاب والشخصيّات السياسيّة

رقم العدد: 4363 نوع النسخة: ورقية تاريخ اخر تعديل: 2/2/2019 8:52:23 PM

 تقدّم الوقود والإدامة المجّانيّة للمركبات التي تمّت إعارتها

 بغداد / محمد صباح

دأبت وزارة الدفاع طوال السنوات الماضية على منح الكثير من سياراتها الى عدد كبير من الشخصيات والقيادات السياسية والأحزاب، وباتت هذه العجلات غالية الثمن والمستوردة من مناسئ عالمية تستخدم لأغراض شخصية وحزبية.
ولم تكتفِ الدفاع عند هذا الحد بل تكفلت أيضا بإدامة هذه السيارات التي يشغلها هؤلاء الزعماء وأحزابهم بشكل مستمر فضلاً عن قيامها بتخصيص كميات شهرية من الزيوت والوقود لسياراتها المستغلة من قبل الأحزاب.
ومازال الكثير من أعضاء الجمعية الوطنية وأعضاء من الدورة البرلمانية الأولى والثانية وبعض من وكلاء الوزارات والمدراء العامين الذين تمت إحالتهم إلى التقاعد منذ فترات طويلة لم يسلموا ما بذمتهم من سيارات وعقارات.
وفي خطوة متزامنة مع قرار مجلس الوزراء القاضي تسليم هذه السيارات من قبل الأحزاب إلى الحكومة، تكشف اللجنة المالية في مجلس النواب عن استعدادها لتشكيل لجنة مصغرة لمتابعة استحواذ الأحزاب والشخصيات السياسية على سيارات وعقارات الدولة.
وتقدر خسائر العراق خلال السنوات الماضية بمليارات الدولارات نتيجة الفساد المستشري في أغلب مؤسسات الدولة العراقية، حيث تتصدر وزارة الدفاع بحسب الجهات الرقابية المرتبة الأولى في المؤسسات الحكومية الأكثر فسادا.
ويقول النائب السابق رحيم الدراجي لـ(المدى) إن "الأحزاب والشخصيات السياسية هيمنت على موارد وممتلكات الدولة منذ أيام الجمعية الوطنية عام 2005 التي قامت بتحويل المؤسسات الحكومية إلى إقطاعيات موزعة في ما بينها"، مضيفا إن "عملية استيلائها لم تقتصر وتتوقف على سيارات الوزارات والدوائر بل امتدت لتشمل حتى العقارات التابعة لهذه المؤسسات".
وهيمنت الأحزاب الدينية منذ قدومها إلى العاصمة بغداد بعد 2003 على مئات من ممتلكات الدولة وحولتها إلى ملكيتها، حيث تتنوع هذه الممتلكات ما بين عقارات وأبنية تجارية وأراضٍ زراعية .
ويتطرق الدراجي إلى أنواع عمليات الاستحواذ التي نفذتها هذه الأحزاب والشخصيات طيلة السنوات الماضية من ضمنها قيامها بتفريغ الموظفين المقربين لها في مؤسسات الدولة المختلفة للعمل في صحفها وفضائياتها كصحفيين وإعلاميين"، منوهاً إلى أن "هؤلاء المفرغين يتسلمون رواتبهم من دوائرهم الحكومية".
وسارعت الأحزاب الدينية بعد دخول القوات الأمريكية للولوج إلى عالم الصحافة والإعلام عبر تأسيسها فضائيات وصحفاً ومواقع إلكترونية ووكالات أخبار موالية لها.
وبحسب عضو اللجنة المالية في البرلمان السابق رحيم الدراجي فإن "هذه الكيانات والأحزاب لم تتوقف عند هذا الحد بل واصلت سيطرتها على الكثير من عقارات الدولة متخذة إياها كمقارّ حزبية لها من دون الالتزام أو حتى دفع بدلات إيجار للجهات الحكومية".
وتشغل هذه الأحزاب والشخصيات أكثر من (1800) عقار تابع للدولة في بغداد وحدها، فضلا عن مئات البنايات والقصور في المحافظات العراقية، بحسب معلومات وردت لـ(المدى). كما طالت عمليات التزوير نقل ملكية الكثير من عقارات الدولة إلى شخصيات سياسية وأحزاب.
ويعرب النائب السابق عن اسفه الشديد من تمادي هذه الأحزاب والشخصيات السياسية، ويقول إنهم "كرّسوا بعضاً من مواد قانون الموازنة الاتحادية لصالحهم، مما جعلهم يمتلكون إمكانات مادية قد تفوق حتى إمكانية الدولة نفسها"، متسائلا "ماذا يعني لنا خروج رئيس حزب أو شخصية سياسية من مقر إقامته بموكب كبير تصل أعداد السيارات فيه إلى العشرات؟".
ويوضح الدراجي أن "كل حزب يحصل على وزارة أو هيئة أو موقع تنفيذي يقوم باستخدام كل ممتلكاتها من سيارات وأموال وعقارات وقضايا أخرى لصالحه"، منوها إلى أن "هذه العجلات التابعة إلى هذه الدائرة أو المؤسسة الحكومية ستدار وتستخدم من قبل الحزب وأعضائه حتى بعد انتهاء الدورة من دون تسليمها للإدارة الجديدة".
ودمرت المحاصصة الحزبية والطائفية عمل كل الوزارات ودوائر الدولة المختلفة وجعلتها بؤرة للفساد. ويعلل النائب السابق أسباب "فوضى هذه الأحزاب والشخصيات السياسية التي استولت على كل شيء في الدولة العراقية إلى غياب الأنظمة والقوانين التي تقوم وتساعد في بناء الدولة وتحاسب المقصرين الذين استولوا على أملاكها".
ويكشف أن "وزارة الدفاع تصدرت مؤسسات الدولة والوزارات الاتحادية في منحها سياراتها التي تستوردها من مناشئ عالمية بمبالغ كبيرة إلى أحزاب وشخصيات سياسية"، مؤكدا أن "الدفاع منحت عجلات إلى كل الشخصيات السياسية والحزبية".
وتعتمد هذه الشخصيات السياسية والحزبية على استخدام السيارات الحديثة في مواكبها التي غالبا ما تكون من أنواع، المونيكا، جي ام سي سوبربان، وسيارات الباترول، في حين يتم استيراد سيارات مصفحة على شكل طلبية خاصة تتولى الدولة أيضا دفع كلفها.
ويعتبر النائب السابق أن "عملية منح هذه السيارات الحكومية غالية الثمن تندرج ضمن العلاقات الشخصية والمجاملة بين المسؤولين في دوائر ومؤسسات الدولة المختلفة والأحزاب"، مؤكدا أن "هناك موظفين حزبيين يعملون في هذه المؤسسات هم من يقوموا بمنح السيارات إلى أقرانهم الحزبيين".
ويتابع أن "هذه الأحزاب لم تقتنع بالاستيلاء على السيارات الحكومية فحسب، بل حصل بعضها على دراجات نارية من مديرية المرور العامة من اجل فتح الطرق لمواكبها أثناء تنقلها من مكان إلى آخر".
ويضيف أن "كل وزارة تقوم بدفع أجور الوقود وإدامة هذه السيارات المستخدمة من قبل هذه الشخصيات والأحزاب على حسابها الخاص".
ويبين أن "وزارة الدفاع تمنح هؤلاء الزعماء السياسيين أموالاً شهرية للوقود والإدامة إلى السيارات الحكومية التي يستخدمونها"، موضحا أن "كميات الوقود تصرف بحسب عدد السيارات المخصصة".
ويطالب النائب السابق الجهات والشخصيات التي تدعو إلى محاربة الفساد بـ"تبني تشريع قانون (من أين لك هذا؟) في مجلس النواب لمحاسبة هؤلاء المقصرين"، معتبرا أن قرارات مجلس الوزراء الأخيرة الداعية إلى تسليم هذه السيارات بـ"قرارات هوائية" ستطبق على الشخصيات والأحزاب غير المتنفذة فقط.
وقرر مجلس الوزراء خلال جلساته السابقة إعادة السيارات الحكومية المخصصة للاستخدام المؤقت للأحزاب والشخصيات إلى الجهات الرسمية المالكة خلال مدة لا تزيد على ثلاثة أشهر وبخلافه تتخذ الإجراءات القانونية بحق المخالفين، مع إمكانية بيعها إلى الجهات المستعيرة على وفق القانون .
ويبين أن "أعضاء الجمعية الوطنية لم يسلموا ما بذمتهم من سيارات التي تعود عائديها إلى الوزارات"، مضيفا أن "قسما كبيرا من أعضاء الدورة البرلمانية الأولى خصصت لهم سيارة أو سيارتان لكل عضو نتيجة لظروف العراق الأمنية آنذاك لكنهم لم يقوموا بتسليمها حتى هذه اللحظة".
وعن الآلية التي مكنت هذه القوى والشخصيات من الحصول على هذه السيارات من الدولة قال النائب السابق إن "الآلية المعتمدة في منح هذه الشخصيات سيارات الدولة تقوم من خلال قيام رئيس مجلس الوزراء بتخصيص سيارة أو سيارتين من وزارتين مختلفتين إلى شخصية أو حزب معين".
ويصف ان "هذه العطايا تخضع لنوع العلاقة القائمة بين هذه جهة السياسية المنتمي لها النائب أو المسؤول أو السياسي مع رئيس الحكومة وهي التي تحدد عدد المركبات ونوعها وغالبا ما تكون من دون تحديد فترة زمنية لشغل هذه المركبة وإرجاعها".
في هذا الإطار يعتبر وزير الداخلية السابق جواد البولاني، قرار مجلس الوزراء الأخير القاضي بإعادة السيارات ذات الاستخدام المؤقت من قبل الأحزاب والشخصيات إلى الجهات الرسمية المالكة، قراراً جيداً لتقليل المصروفات والإنفاق الحكومي على هذه السيارات".
ويضيف البولاني في تصريح لـ(المدى) أمس، أن "إدامة هذه السيارات المستخدمة من قبل هذه الجهات والشخصيات السياسية تكلف خزينة الدولة أموالا طائلة"، داعيا "الشخصيات الحزبية والسياسية إلى رفع يدها عن هذه السيارات وإعادتها إلى جهتها الرسمية استناداً لقرار مجلس الوزراء الأخير".
ويشدد النائب السابق على أن "عملية تطبيق هذا القرار تبدأ من الأحزاب والشخصيات السياسية من خلال تقديمها كشفاً عما بذمتها من سيارات إلى هذه الوزارات والمؤسسات الحكومية"، مطالباً بأن "يكون تسليم السيارات من الأقضية ومجالس المحافظات صعودا إلى وزارات الدولة المختلفة".
ويضيف عضو اللجنة الاقتصادية في البرلمان السابق أن "كل وزارة لديها كشف خاص عن السيارات ذات الاستخدام المؤقت من قبل الأحزاب والشخصيات السياسية وفقاً لمخاطبات رسمية مثبتة في كل الدوائر والمؤسسات الحكومية".
وتعتمد هذه الأحزاب والشخصيات السياسية على وضع أرقام وهمية لهذه لسيارات المستخدمة من قبلهم أو رفع الارقام أصلا في بعض الأحيان من أجل إبعاد أنظار الرأي العام والمواطنين.
في هذه الأثناء تكشف اللجنة المالية في مجلس النواب عن استعدادها لتشكيل لجنة مصغرة لمتابعة استحواذ الأحزاب والشخصيات السياسية على سيارات وعقارات الدولة"، مؤكدة أن "هناك موظفين تمت إحالتهم إلى التقاعد مازالوا يشغلون عقارات الدولة وسياراتها".
وبيّن رئيس السن للجنة أحمد الصفار في تصريح لـ(المدى) أن "مهمة هذه اللجنة المصغرة متابعة التجاوزات التي حصلت على المال العام من قبل السياسيين والأحزاب"، موضحاً أن "تشكيل هذه اللجنة ستكون في بداية الفصل التشريعي الثاني".
من جانبه يؤكد عضو لجنة الأمن والدفاع في البرلمان السابق عبد العزيز حسن حسين أن "عدد السيارات المستخدمة من قبل الأحزاب والشخصيات السياسية كثيرة جدا لذلك يجب إعادتها إلى الحكومة"، منوها إلى ان "عدد من وزراء الحكومات السابقة لم يسلموا العقارات والسيارات التي بذمتهم".
ويضيف حسن حسين لـ(المدى) أن "هناك وكلاء وزراء ومدراء عامين يستخدمون سيارات وعقارات الدولة رغم إحالتهم إلى التقاعد"، مؤكدا "عدم امتلاك لجنته السابقة إحصائيات دقيقة عن عدد هذه السيارات والعقارات ".
ويشير إلى ان "هناك تعمداً من قبل مؤسسات الدولة بعدم إعلام الجهات المعنية بالرقابة عن أعداد هذه السيارات والعقارات التي تمتلكها هذه الشخصيات"، مؤكداً أن "أغلب مكاتب المفتشين العموميين متواطئين بالفساد وفي تغطية الكثير من الأمور".
ويؤكد أن "وزارة الدفاع من أكثر المؤسسات في منح المسؤولين والسياسيين سيارات، لما تتمتع به من إمكانات كبيرة مقارنة بالمؤسسات الحكومية الأخرى".
يذكرأنّ نسبة الإنفاق العسكري في مشروع قانون موازنة عام 2019 التي صوت عليها مجلس النواب خلال الفترة الماضية بلغت 25 ترليون دينار وهو ما يعادل 19.6% من إجمالي النفقات العامة.