العراق بين دولة المواطنة ودولة الأحزاب

رقم العدد: 4364 نوع النسخة: ورقية تاريخ اخر تعديل: 2/3/2019 6:51:53 PM

د. أثير حداد

بعد حين سيصبح عمر العراق قرن على أول تأسيس له عام 1921 ،ونحن نبحث عن هوية لهذا البلد كي نصدر له شهادة ميلاد بجنس الوطن بعد حوالي 300سنة من الحكم العثماني على 3 ولايات هي البصرة وبغداد والموصل، كان مفترضاً أو مؤملا أن يصبح وطناً أو بتعبير أكثر تداولاً وطن المواطنة، أو الامة العراقية. ولست هنا في مجال مناقشة أي من المصطلحات هذه أصح، فكل ما اسعى له في هذه المقالة هو دولة يتساوى فيها عثمان مع علي و جرجيس وكاكا حمه وشيروان الآيزيدي، والبهائي والصابئي، لا وبل حتى اليهودي الذي اقتلع من جذورة في نهاية أربعينيات القرن الماضي .
في هذا البلد كان ممكن أن نصدر له شهادة ميلاد جديدة باسم الوطن حيث لا شيء يعلو على حقوق المواطنة ، فالكل متساوٍ أمام القانون، ولاوجود لمواطن درجة ثانية وعليه واجبات الخدمة العسكرية ودفع الضرائب كمواطن الدرجة الاولى الذي يتبوأ المناصب العليا بينما مواطني الدرجة الثانية لا يحق لهم ذلك .
وطبعا لا يمكن إنكار تخلف وضع المرأة في هذا البلد ووضعها خلف الذكر لا لشيء سوى إنه ولد ذكراً .
دعوني أعود الى البدايات عندما انتقل العراق من الدويلات الثلاث الى بلد العراق، لم يكن هناك لا زراعة متطورة ولا صناعات، وغياب البنى التحتية، أما المدارس فقد كانت عبارة عن مجالس لحفظ القران . أما العوائل الغنية فقد كانت ترسل ابنائها الى تركيا لاكمال دراستهم، مما يعني و يؤدي الى غياب أبسط أنواع التعليم لدى فقراء العراق. وكي لا أطيل في شرح فترة الاستعمار العثماني سأصفة بأنه الأكثر هولاً وتخلفاً في جميع الفترات التي مر بها العراق، ودعوني هنا أشير أو اتساءل مجرد سؤال بسيط وهو نوروني بأي عالم ظهر في الفترة العثمانية ؟، أكون لكم من الشاكرين. هذا الواقع المزري، المتخلف للعراق، جعل من المستحيل خروج العراق من ذلك المستنقع الآسن الى دولة المواطنة. فجاء قانون الجنسية العراقية الذي صدر في 1924 أي قبل صدور الدستور العراقي في 1925 .وجاء في قانون الجنسية ذاك أن رعايا الامبراطورية العثمانية عراقيون . واذا عدنا الى رعايا الامبراطورية العثمانية لوجدنا ان القانون ينص على “ المواطنين الاصليين أي تبعية عثمانية و الآخرين أي التبعية الايرانية “ . هذا القانون الذي أصبح دستوراً فيما بعد وضع شرخ بين ابناء بلد كان ممكن أن يكون وطنا للجميع. ومن ناحية أخرى فقد أسس ذلك الى دولة الرعايا وليس دولة المواطنة، وهو ما لعب عليه صدام حسين بكثافة شديدة عبر "مكرمة الريس" .
محطات توقف سريع من التاريخ العراقي كان الحكم الملكي يسعى لإقامة دولة المواطنة الحديثة على طراز الدول الاوروبية، وكان الملك فيصل الاول ذكياً أما نوري السعيد فقد كان سياسياً لامعاً، إلا إنهم قربوا منهم رجال العشائر العراقية مما أعاق تطور القطاع الزراعي العراقي الرأسمالي و أدى الى هجرة واسعة من الريف الى المدينة التي لم تكن مؤهلة لاستيعاب تلك الاعداد الهائلة من العمالة غير المؤهلة وذلك نتيجة لضعف القطاع الصناعي الخاص بدرجة كبيرة، مما أعاق أيضاً ذوبان
الجميع في المواطنة وتخليه عن الانتماء الفرعي، فتشكلت على حواضن المدن، بغداد مثالاً، مدن بائسة لا تختلف في علاقاتها الاجتماعية عن الريف القادم منه القاطن هذا . فكان القاطن في “ خلف السدة “ مثلاً يعود وبسرعة أي منطقته بعد الانتهاء من عمله في بغداد ليعيش حياة عشائرية مناطقية طائفية كما كان قبل المجيء الى بغداد، وبقي رجل الدين الى جانب شيخ العشيرة هو المهيمن الأكبر على مصائر القاطنين، رغم إنهم يعيشون في بغداد، فبقي انتماؤهم الاجتماعي-العشائري كما هو وبقي وعيه فرعياً وليس وطنياً.
ثم جاء عبد الكريم قاسم، رجل وطني بعمق يحب الفقراء، ولكن لكون خلفيته عسكرية فاعتقد إن الأمور السياسية ستسير كالأوامر العسكرية.
كما وأن توزيع الأراضي الصغيرة على الفلاحين أدى الى خراب القطاع الزراعي وتحول العراق من بلد كان ينتج و يصدر الأغذية الى بلد مستورد لها قاتــــــــــل دولـــــــــة المواطنــــــــة
انقلاب 1963 الذي حوّل العراق الى حمام دم يحكمه من الأصول الريفية المتميزة بالخشونة والجلافة . ليعقبه انقلاب آخر من أحد صانعي انقلاب 1963 وهو عبد السلام عارف، الرجل الضعيف الثقافة العسكري الطائفي . قاد البلاد بفكر قومي تابع لعبد الناصر . ثم ليأتي انقلاب اخر يقوده البعث ليفتح الطريق لتصفية لبنات تأسيس دولة العراق حيث حكم صدام حسين بمبدأ “ حين يقول صدام يقول العراق “ ّ وحول المواطنة الى رعايا عبر “ مكرمة السيد الرئيس“، وقاد حربين مدمرتين في المنطقة ، وحول الحصار الاقتصادي الجائر الى حصار على المواطن . وما ان اقتربت ساعة 2003 حتى كانت الدولة القومية التي تربع عليها صدام حسين تلفض أنفاسها الأخيرة بعد فشلها الذريع في بناء وطن للمواطنين لا تحكمه لغة الدم والعنف وتكميم الأفواه .

وقفــــــة قصيـــــرة قبــــــل 2003
يقول القاضي الفرنسي لابواسي في كتيبه العبودية المختاره ما يلي “ حينما يتحول أحد الملوك الى طاغية فان كل ما في المملكة من شر ومن حثالة، يجتمعون حوله ويمدونه بالدعم لينالوا نصيبهم من الغنيمة....إذا ما التقى الأشرار فإنهم لا يؤلفون مجتمعاً بل مؤامرة، وهو لا يتحابون بل يخشى بعضهم بعضاً، وليسوا أصدقاء، بل هم متواطئون.....يا الهي كيف يكون المرء منشغلاً ليلاً ونهاراً بارضاء رجل، ويحذّر منه و يخشاه أكثر من أي شيء في الدنيا“. هذه البلاقة والعمق التوصيفي للمجتمع الذي يحكمة الطاغية، وما يحمل أيضاً من تناقضات عنيقة جداً هو توصيف اعتقده دقيق للمجتمع العراقي تحت حكم صدام حسين.

ومــــــــا بعـــــــد 2003
عدا كردستان، ما إن سقط نظام صدام حسين حتى اتضح ان الساحة خالية الا للمسجد والحسينية، وهذا نتاج القمع المستمر للأمن والحزب لكل القوى التي من المؤمل أن تقود نحو بناء وطن للجميع . فالدولة مبتلعة من قبل حزب البعث وحزب البعث مبتلع من قبل عائلة صدام حسين، والعائلة مختزلة في صدام حسين، وصدام حسين مأزوم بعقلية ريفية عنفية . فمن مفرداته “ اطرا أربعة “ واستخدامه لمفردات ذكورية فجه “ وين الزلم “ “ الشوارب “ واستخدامه للبندقية في الاستعراضات ، تلك البندقية أصبحت أكبر من حلمة عندما كان صبي مدرسة . ففي كتاب إبراهيم الزبيدي “ دولة الاذاعة “ يذكر أن حلم صدام حسين كان أن يصبح شرطياً ويمتلك بندقية.
في غفلة من الزمن أو في “ الثقوب السوداء“ من التاريخ العراقي تصعد الى السلطة الأحزاب السياسية الاسلامية ، وهي لا تمتلك حتى رؤية بسيطة عن مفهوم الوطن سوى عبارة غامضة “ العراق بلد إسلامي“ . ولا يقدم لنا التاريخ
أية ادلة على انجازات القوى الدينية في مفهوم الوطن وبناءة ، فهي شعائرية تهتم بالآخرة والوطن بناء بشري دنيوي . فتجد الخطيب منهم يكثر من استخدام عبارات لا تمت بصلة لبناء الوطن من أمثال واجب شرعي، تكليف شرعي، مسؤولية شرعية، حرام، حلال، الأمر بالمعروف، بيعه، أحكام سلطانية. ولا تتعب تلك القوى من البحث في رفوف الماضي الذي هو بعمر 1400 سنة أو يزيد عن “ حلول “ لا تخرج عن إطار ربط ناقة في وتد خيمة .
القاتــــــل الاقتصــــــادي لوطــــــن للجميــــــــــع باجابة مباشرة إنه الريعية. ففي الريع النفطي لا يفعل المسؤول أي جهد سوى التعاقد مع شركات لاستخراج وبيع النفط في السوق العالمية. العوائد هذه خلقت لدى المتربعين على قمة السلطة شعوراً بالقوة، فهم لا يحتاجون الى الشعب لتكوين الدخل . فالسوق العالمية تفتح لهم بنوكها لايداع الأموال والصرف منها دون اي دور للقطاعات الاقتصادية . وهذا ما يفسر درجة اهتمام تلك القوى بقطاع النفط وتطويره دون القطاعات الاخرى. فخلال الـ 15 سنة الماضية لم يقدم دراسة ولا دعم لأي قطاع لا من قبل مجلس الوزراء ولا البرلمان .
أما النوع الآخر من الريع فهو ما يؤشره الاستاذ سيار الجميل بتسميتهم “ تنابلة المدينة “ ، وهم رجال الدين الذين لا يفعلون شيئاً سوى صناعة الكلام والتخوف في نار يوم الآخرة كما يدعون، وإن القرب منهم سيجنبهم تلك النار بشرط “ تقديم الأموال “ ، ولم يكتف هؤلاء بالخمس و الزكاة بل استندوا بثقلهم على ميزانية الدولة والتي خصصت لهم حوالي مليار دولار لكلا المذهبين .
لقد فشلت الدولة القومية فشلاً كاملاً، حتى قبل أن يسقط صدام من قمة السلطة، وفشلت أحزاب الاسلام السياسي في بناء وطن للجميع . وهنا لا أتحدث عن بناء نظام ديموقراطي في العراق بل علماني كمقدمة للنظام الديموقراطي، فلا البناء الاجتماعي- السياسي للعراق قادر الآن من على حمل أعباء النظام الديموقراطي المعقد، لذا توجب التنوير على أهمية العلمانية من أجل بناء المجال اي الوطن الذي تعيش فيه الديموقراطية. فالتجربة في أوروبا الغربية أوضحت أن العلمانية سبقت الديموقراطية المعاصرة, وإن العلمانية عاشت على التحولات الهائلة في الرأسمالية الغربية منذ أكثر من 500 سنة ونيف.