المخرج السينمائي العراقي المغترب سلام مجيد : المؤسسات الفنية الرسمية تتحمل مسؤولية ضياع المواهب السينمائية

رقم العدد: 4367 نوع النسخة: ورقية تاريخ اخر تعديل: 2/6/2019 6:07:46 PM

حاوره : مروان ياسين الدليمي

مابين أوروبا والبلدان العربية هنالك الكثير من العلامات التي تكشف تبايناً كبيراً في ميدان العمل الاحترافي،سواء في مجال السينما أوالتلفزيون،حتى أن المخرج العراقي الذي يحمل الجنسية الهولندية سلام مجيد يجد في هذا التباين أن أسبابه تكمن في فلسفة العمل،كما يلقي جزءاً كبيراً من مسؤولية تردي الوعي على عاتق وسائل الإعلام والقنوات الفضائية العربية،لأنها وحسب قناعته تساهم بدرجة كبيرة في تسطيح الوعي بدل أن تساهم في تنمية هاجس التفكير والجدل خاصة عند شريحة الأطفال..أثناء زيارته القصيرة للعراق إلتقيناه وطرحنا عليه أسئلة حول السينما والتلفزيون والإعلام إنطلاقاً من عمله ولفترة طويلة ضمن مؤسسات فنية وإعلامية هولندية وألمانية،لديها رصيد كبير في ميدان الاحتراف .

*بدأتَ في بغداد دارساً للفن السينمائي في معهد الفنون الجميلة،إلاّ إنك وبعد أن انتقلت للعيش في أوروبا بدأت تعمل في ميدان التلفزيون،لماذا هذا التحول ؟
- كنا نحمل أحلاماً كبيرة ونعتقد أن المعهد بوابة لتحقيق هذه الأحلام وكانت شروط القبول في قسم السينما صعبة جداً،وكان الهدف من تأسيس معهد الفنون هو تأهيل عناصر أكاديمية متخصصة تستند عليها صناعة السينما في العراق،ولكن للأسف تمّ محاربة الفكرة من قبل المؤسسات الفنية الرسمية،حيث أغلقَت أبوابها بوجه الخريجين كما ساهمت الحروب أيضاً بضياع المواهب التي كان بإمكانها الارتقاء بصناعة السينما.وقد بدأت العمل بالتلفزيون قبل انتقالي للعيش في أوروبا ،وعملي في معهد الفنون الجميلة كمدرس لمادة التصوير آنذاك أحدث تحوّلاً في حياتي خاصة وإنني درَّستُ الإخراج لمدة تسع سنوات وأنجزت في حينها فلمين سينمائيين حصل أحدهماعلى عدة جوائز،ولكني تحوّلت الى التقنيات التلفزيونية لكوني وجدت أن إمكانية العمل فيها أكثر من الإخراج بالإضافة إلى أن اهتمامي بها جعلني أتواصل مع كل ما هو جديد في هذا العالم.

*مالذي وجدته من فروقات مابين عالم السينما والتلفزيون ؟
- في البداية كان التلفزيون والسينما عالمين مختلفين،لكل منهما شروطه ومعاييره وتقنياته،وكانت السينما قد سبقت التلفزيون في التأسيس لمفاهيم اللغة السينمائية،ووضعت مقاييس خاصة تفرضها على طريقة الإنتاج والعرض وبالتالي أصبحت صناعة تعتمد على الفن،أما اليوم فإنني أجد الفرق بينهما يكاد لايُذكر مع التقدم التقني الهائل حيث اعتمدت السينما على تقنيات التلفزيون وتبنت بعض مفاهيمه في حين أن التلفزيون بدوره أصبح صناعة ويشترك الاثنان بأن لهما دوراً إعلامياً وجمالياً في آن واحد.

*لديك تجربة طويلة في التلفزيون الهولندي لمدة تزيد على الخمسة عشر عاما،كيف بدأت،وماذا وجدت فيها؟
- بدايتي مع التلفزيون الهولندي تعود الى عام 2000 وكانت بمثابة تحدٍ ،لأني قادم جديد إلى هولندا،وكنت أعمل في مهن بعيدة تماماًعن تخصصي،وفي أحد الأيام نصحني أحد المصورين الهولنديين الذي عملت معه كمتطوع في تلفزيون المدينة التي أسكن فيها أن أحاول،وقال لي بالحرف(لديك الإمكانيات،ما عليك سوى أن تطرق الأبواب بقوة)وبالفعل قررت أن أتوقف عن ممارسة أي عمل لاعلاقة له باختصاصي، وبعثت برسائل إلى جميع المحطات التلفزيونية أعرض فيها إمكانياتي وأطلب العمل ولو كان مجاناً لفترة محددة على سبيل الاختبار.وبالفعل تمت دعوتي من قبل قناة (أس بي أس6 )وهي إحدى أكبر القنوات التلفزيونية في هولندا ،وعملت فيها بصفة مونتير في البداية ،ومن خلال عملي فيها استطعت الحصول على دورات تدريبية في المونتاج والتصوير وتحسّنت قدراتي التقنية. في الحقيقة تجربة العمل في التلفزيون الهولندي غيّرت الكثير من المفاهيم لديّ، سواء على مستوى طريقة العمل مقارنة بماهو موجود في البلاد العربية،كذلك على مستوى التفكير وطرق إيجاد الحلول العملية غير المكلفة، أو العمل كفريق يكمل بعضنا البعض بعيداً عن الأنانية واحتكار المعلومة. وقد اكتشفت إننا أهدرنا الكثير من الوقت في دراسة التاريخ والنظريات أثناء دراستنا للسينما في معهد الفنون في بغداد وأهملنا الجوانب العملية الحديثة ومثال على ذلك إن أحدث الكتب العملية الخاصة بالتصوير التي درستها في كلية الفنون عام1989 كان يعود إلى عام 1958 ! ،وخلال فترة عملي في هولندا أشرفت على عدد من المتدربين ممن يدرسون السينما والتلفزيون واطلعت على مناهجهم الدراسية فوجدت أن هناك فجوةً كبيرة تقدر بثلاثين عاماً على الأقل بين مايتم تدريسه في العراق ومايتم تدريسه في هولندا،بما يترك أثراً واضحاً على المُنتَج التلفزيوني وطريقة العمل،ويمكن ملاحظة هذا الفرق بمجرد عقد مقارنة بسيطة بين ريبورتاج تلفزيوني أوروبي وعربي.

*في إطار سعيك لنقل الخبرة إلى العالم العربي أقمت دورات في عدد من الدول العربية،ماهي طبيعة هذه الدورات ومالذي وجدته من فروقات بين العمل في الفضائيات العربية والأروربية ؟
- منذ عام 2014 بدأت مع مجموعة من الاختصاصيين الهولنديين والألمان في تقديم ورش لتطوير أساليب العمل في بعض القنوات العربية خاصة في التقنيات والتحرير ، ولكن للأسف اكتشفنا أن بعض إدارات القنوات يتمسكون بأساليب العمل القديمة وليس لديهم القدرة على استثمار التقنيات الحديثة.والآن أنا أعمل مع شركة (فيوتشر آرت) في دبي وشركة (ديدولايت)الألمانية على تقديم ورش لتقنيات الإضاءة الحديثة التي تتميز بها شركة(ديدو لايت) في ألمانيا وخصوصاً تلك المؤثرات الخاصة التي قامت بتصميمها لأفلام مثل (هاري بوتر) أو (سيد الخواتم) بالإضافة إلى تقديم الخبرة في مايتعلق بالطرق المبتكرة لاستخدام الإضاءة بأقل عدد من مصادر الضوء واستخدام العاكسات داخل الإستديو،وهذه آخر تقنيات توزيع الإضاءة الفنية في العالم وقد قدمت لحد الآن ثلاث ورش في مسقط ودبي وبغداد طبعاً ويشاركني في هذه الورش خبراء إضاءة من(ديدو لايت)وبعض مدراء التصوير الأجانب ،ولدينا في الأيام القادمة برامج لإقامة ورش خاصة بتأثير واستخدام الأشعة غير المرئية في التصوير الفني وأحداث التأثيرات السينمائية الخاصة .

*لو أتيحت لك الفرصة في أنْ تعود إلى العراق لتنقل هذه الخبرة لبلدك،هل ستُقدِم عليها ؟
- وجدت خلال زيارتي الأخيرة لبغداد إن لدى المصوريين والتقنيين رغبة كبيرة للتعرّف على الأساليب الجديدة،ولكن هناك مشكلة هي إن أغلب الفضائيات قد تمّ تأسيسها وفق أساليب عمل خاطئة أفقدتها القدرة على استغلال عناصرها البشرية بشكل جيد وعليهم أنْ يدركوا إن التلفزيون أصبح صناعة مثل السينما يعتمد على الجودة في تقديم المنتج وتحقيق الأرباح التي تضمن الاستمرارية في حال توقف الدعم المادي،وللأسف هذا حال أغلب القنوات التلفزيونية العربية.

*هل انتهت العلاقة بينك وبين السينما،ومالذي يمنع عودتك إليها ؟
- لم تنتهِ علاقتي مع السينما وعملي في مجال التصوير والإضاءة والمونتاج مرتبط بشكل كبير مع الفن السينمائي ولكن بصورتها العصرية التي تداخلت فيها تقنيات التلفزيون مع إمكانات السينما،وحتى مفاهيم اللغة السينمائية باتت تطبق اليوم في التلفزيون، فالتقنيات الحديثة ألغت الفوارق بينهما .

*مالمشاريع التي تحملها في جعبتك،وماذا تنتظرلتحقيقها ؟
- لديّ رغبة بتحويل بعض البرامج الهولندية إلى العربية وهذا عالم غير مكتشف من وجهة نظري،خصوصاً برامج الأطفال الهولندية التي استثمر فيها الهولنديون منذ أكثر من 50 عاماً واستطاعوا إنتاج برامج علمية وتعليمية بطرق مبتكرة في توصيل المعلومة وتمكنوا من بناء جيل لديه قدرة على التفكير والإبداع،واعتقد أن الطفل في المنطقة العربية بحاجة لهذا النوع من البرامج .

*سيرة ذاتية للمخرج سلام مجيد
مواليد الناصرية ، دبلوم معهد الفنون الجميلة بغداد/قسم السينما فرع الإخراج السينمائي عام 1981 ،خريج كلية الفنون الجميلة /جامعة بغداد/قسم الفنون السمعية والبصرية فرع السينما1989،مدرس مادة التصوير السينمائي في معهد الفنون الجميلة بغداد من العام 1989 إلى 1993، يقيم في هولندا منذ العام 1996 ،شارك في إنجاز أكثر من 300 فيلم وبرنامج تلفزيوني وثائقي لصالح قنوات فضائية هولندية وله مساهمات بهذا السياق لعدد من القنوات الفضائية العربية