مَن يقتل المثقف في العراق؟

رقم العدد: 4368 نوع النسخة: ورقية تاريخ اخر تعديل: 2/9/2019 7:08:00 PM

 زهير كاظم عبود

جميع الجرائم التي ارتكبت بحق المثقفين من العراقيين لم تكن بدافع السرقة أو التسليب أو العداوات والمشاكل العشائرية ، ولم تكن أيضاً بسبب نزاع بين مثقفين لتصل الى مرحلة الأقدام بتهور على إنهاء حياة الآخر ،  بل إن جميعها يكاد يوحدها الهدف والغاية من ارتكابها ، وهي إسكات صوت المثقف ، او اعتبار موقفه أو كتاباته تمس بعض ما يعتقده القاتل أو من أصدر الأمر له بارتكاب الجريمة ، مقدساته او معتقداته السياسية أو الدينية ،

ولهذا لم يجد القتلة حلاً وفقا لذهنياتهم الإجرامية والمحدودة سوى طريق الجريمة ، ليكون قتل المجني عليه عبرة لغيره من المثقفين ومن الأصوات التي تعمل في مجالات الدفاع عن الحقوق ليخفت صوتها أو يسكت تماماً .
ومسلسل اغتيال المثقفين والناشطين في مجالات المجتمع المدني وحقوق الإنسان يصاحبه استنكار وشجب عام ، ويشمل الشجب والاستنكار حتى من الجهات المتهمة بالاغتيال وأرتكاب الجرائم ، كما أن السلطات المختصة بالتحقيق تشمر عن سواعدها وتشرع بالبحث عن الجناة ، وتتوعد القتلة بالقصاص العادل وتطبيق حكم القانون ، وكشف الجهات وأسماء مرتكبي تلك الجرائم ، غير أن تلك الوعود ما تلبث أن يطويها النسيان ، فتتركها الجهات التحقيقية على رفوفها وتقدمها بعد حين الى قضاة التحقيق ، حتى يتم تقييدها في سجلات السلطة ضد مجهول ، حيث يقرر قاضي التحقيق وفقا لأحكام الفقرة ( ج ) من المادة ( 130 ) من قانون أصول المحاكمات الجزائية غلق الشكوى ( مؤقتا ) باعتبار أن الفاعل مجهول ، وأن الجهات التحقيقية استنفذت جميع الطرق لمعرفة الجناة ولم تتوصل الى نتيجة ، ولم يكن أمامها دليل أو قرينة يمكن الاستفادة منها .
والغريب في الأمر إن بعض من هذه الجرائم يتم ارتكابها في وضح النهار ، ووسط شوارع آهلة بالناس ، وأمام أنظار العديد من المواطنين والمفارز التي تملأ الشوارع ، غير أن جميع تلك القضايا تفتقر الى الشهادات العيانية والمنتجة ، كما تفتقر الى فراسة ومعرفة وتدقيق المحقق المختص بهذه القضايا ، وهو ما نفتقر إليه في مراكزنا الأمنية
وبالرغم من أن الغلق المؤقت للقضايا يجيز العودة الى اتخاذ الإجراءات القانونية خلال فترة سنتين من تأريخ صدور قرار الغلق المؤقت ، فأن اغلب أن لم تكن جميع الجرائم لم يتم الإعلان عن التوصل الى الجناة خلال تلك الفترة القانونية المحددة .
وبعد ارتكاب أي جريمة من هذه الجرائم تسري الشائعات والأقاويل بين الناس حول اتهام جهات أو أشخاص بشكل غير رسمي ، غير أننا لانجد أحداً تقدم بجرأة للإدلاء بشهادته ، مما نتيقن معه أن الخشية من الشهادة والخوف من الجهات المتهمة بالفعل سببا وجيها ومقبولا ، مع أن السلطات التحقيقية والجهات القضائية يمكن ان تساهم في حماية الشهود تسهيل مهمة الاستماع الى شهاداتهم .
العزوف عن الشهادة موقف يسهل عمل الجناة ، ويعزز من الجرائم التي يمكن ارتكابها مستقبلا ، وعدم الأخبار عن الجرائم يجعل القتلة وهم يرتكبون جرائمهم بحق بشر يستسهلون إقدامهم على ارتكاب الجريمة بدم بارد ، والقانون العراقي يعاقب كل من قتل نفسا عمدا بعقوبة السجن المؤبد أو المؤقت حسب مقتضى الحال ، وفي حال الترصد والإصرار واستعمال السم أو التفجيرات أو كان القتيل من أصول الجاني وغير تلك الأسباب التي أوردتها المادة ( 406 ) من قانون العقوبات لتصل العقوبة الى الإعدام .
أن هذه الجرائم المرتكبة بحق المثقفين في العراق جديرة بأن يتم الفات نظر جميع الأحزاب والتجمعات السياسية والجهات المعنية لخطورة وجسامة ارتكابها ، حين يكون القتل بالرصاص أسلوبا لتصفية الخصوم أو لإسكات الصوت المدني .
وإذا كان التحقيق علما يعتمد على التخصص والمهارة والذكاء للتوصل الى الجناة ، فأن التعاون المشترك بين المواطنين والأجهزة الأمنية والقضائية يشكل سبباً هاماً في التصدي لمثل هذه الجرائم ، والحد من تسجيلها ضد المجهول ، وقد وصل التحقيق في بعض الدول المجاورة الى اعتماد التقنية والتكنلوجيا في عمليات كشف الجرائم ، وهي لاغنى عن اعتمادها في العراق حتى يمكن التصدي لمثل هذه الجرائم التي تهز الأمن والطمأنينة بين العراقيين ، وحتى لا يبقى القتلة يسرحون ويمرحون وفي مأمن من القصاص والتطبيق القانوني السليم .
ان تكرار ارتكاب مثل تلك الجرائم في وضح النهار يهدد الوحدة الوطنية واستقرار الأمن وتطبيق حكم القانون ، وإذا كان الجميع يريد تطبيق ما نص عليه الدستور من كفالة حرية التعبير ، فان الدستور نفسه ضمن لكل إنسان الحق في الحياة والأمن والحرية ، وتلك الأمور من مستلزمات الحياة المدنية التي تتباهى بها الشعوب ، وتحرص على تدوينها في نصوص دساتيرها وقوانينها ، وكلنا نعرف أن الدم المراق هو دم عراقي غالي ، لذا فأن عملية إرجاعنا الى الوراء أمر يحلم به القتلة لصغر عقلياتهم ، وأن أي جريمة مهما كانت ظروفها تستطيع الأجهزة الأمنية ( لو بذلت قليلا من الجهد الأمني والأستخباري ) أن تتمكن من كشفها والتوصل الى المجرمين الذين قاموا بتنفيذها ، وأن هذه الأجهزة لا تخشى من أحد مادامت تقوم بتطبيق القانون دون أي اعتبار لمراكز القتلة ومواقعهم في المجتمع ، وأن هذه الأجهزة غير عاجزة مطلقا أمام تحدي الجناة ، وتتوصل الى كشف بعض الخيوط وتفضح الجناة ومن يقف خلفهم أو يحرضهم أو الجهات التي تأمرهم بارتكاب مثل تلك الجرائم ، وأن هؤلاء القتلة يستخفون بقدرة الأجهزة الأمنية والأستخبارية ، وعلينا أن نتذكر أيضاً بأن المتهم بريء حتى تثبت أدانته .
ولم نزل نقول بأن انتشار السلاح بشكل غير قانوني بين الناس أمراً لم يعد مقبول ، وعلى الحكومة إذا كانت جادة في حصر السلاح بيد الأجهزة الأمنية والعسكرية ، وتقييد الجهات التي يتم منحها اجازات السلاح ، يساهم بشكل فعال في الحد من تلك الجرائم ويمكن أن يحفظ دماء الناس وأمنهم .
ولايمكن التغاضي عن تلك الجرائم البشعة التي مرت علينا والتي خسرنا بها أسماء لامعة ومرموقة وفعالة في الثقافة العراقية ، بزعم وجود جهات لا تعترف بالدولة ولا تتقيد بالقانون وتشكل مجرد عصابات الجميع يشخصها ويخشاها ، وهنا تكون السلطات الحكومية أمام حقيقتها في التصدي او غض النظر عن تلك الجهات ، أما التمادي في عدم كشف الجناة وصرف النظر عن تلك الجرائم سيدفعنا الى انتظار جريمة جديدة بحق أسم آخر .
الجريمة مهما كان سببها مدانة ، ويجب أن تكون لكل جريمة عقوبة متناسبة معها ، وان يكون هناك تحقيق قانوني يتوصل الى الفاعل الحقيقي ومن يشاركه في فعله مادياً أو معنوياً ، وأن تكون الإجراءات المتخذة للحد من هذه الجرائم وإيقافها بما يتناسب مع خطورتها الاجتماعية ، وما تولده من قلق وخوف وفزع في حياة الناس ، وتحدد حرياتهم وقدراتهم الثقافية والسياسية ، وبالتالي فأن مرتكب الجريمة ومن يقف خلفه يريدون ايقاف عجلة تطور البلد ، وإعادته الى الوراء ، وتقييد حريات الناس ، والاستخفاف بالقضاء والقوانين ، ولن يتوقف القتلة مادامت الإجراءات القانونية لا تتناسب مع حجم الجرائم ، وغير جدية في كشف تلك الجهات وأسماء الجناة .
عشرات الأسماء التي يفتخر بها العراق راحت ضحية لجرائم غاية في الخسة والنذالة بغدر ، هذه السماء لم تزل تطالب بكشف الجناة وفضحهم ، والذاكرة العراقية لم تزل تحفظ تلك الأسماء التي منحت أرواحها لتعزيز القيم والحقوق التي نص عليها الدستور ، والتي ناضل من أجلها ابناء العراق بكل مكوناته ، لذا فأن الأمر خرج عن حده والحكومة مطالبة اليوم أكثر من أي وقت مضى لتحارب الجريمة أسوة بالفساد المستشري بين مفاصلها .
استهداف المثقف العراقي الواعي ، واستهداف الشخصيات السياسية والثقافية والاجتماعية والناشطة في مجال المجتمع المدني وحقوق الإنسان ، يشير الى الجهات التي ترتكب مثل تلك الجرائم ، فلا تدعو مسلسل الدم يجري فيزيد من وجعنا وآلامنا بعد أن تخلصنا من القتل الطائفي وجرائم الإرهاب