سؤال التنوير..حقوق الإنسان ..عبارة من عبارات الأنوار

رقم العدد: 4368 نوع النسخة: ورقية تاريخ اخر تعديل: 2/9/2019 10:10:54 PM

|   الحلقة التاسعة   |

 علــي حســـين

كان الذكاء ، هو روح عصر التنوير، يزداد تقديراً في المجتمع الراقي، فهو القيمة التي تُتخذ مقياساً لتقدير الناس.

برنار غروتويزن

توفي والده في نفس السنة التي جاء فيها الى الدنيا ، فنال عناية خاصة من والدته التي كانت تخشى عليه من الاختلاط بالآخرين ، مما ولّد لديه فيما بعد شعوراً بالخوف من النساء ، وقد لاحظ عمه إن الصبي الصغير يمتلك موهبة التعلم ولديه حب لقراءة الكتب ، فأدخله مدرسة تديرها جماعة من القسس " الجويت " ممن كانوا يؤمنون أن التعليم لا يقتصر على مُجرد "تعلم محتوى الكتاب" بل يتجاوز ذلك ليشمل تكوين الشخص بكافة جوانبه: العقل، القلب، الجسم، الروح. وهكذا، ينمو الطُلاب ويصبحون أفراداً ناضجين وقادرين على المُساهمة بما لديهم من مواهب ومهارات لخير بلادهم وأخوانهم في الإنسانية، إذ يصبحون ، رجالاً ونساء من أجل الآخرين ، وقد أبدى مهارة كبيرة خلال السنة الأولى من الدراسة حتى إنه استطاع أن يحل مسائل رياضية معقدة ، لكن النظام الصارم الذي كان يتبعه "الجزيت" في الدراسة والمعيشة جعلته يكره هذه الجماعة ويحقد عليها ، ولم يتخذ أثناء دراسته أي صديق ، بل كان دائماً يشاهد لوحده جالساً في أحد الأركان وهو يمسك كتاباً .
ولِد ماري جان انتوان نيكولا كاريتانت والذي اختصر اسمه فيما بعد إلى المركيز دي كوندرسيه في 17 أيلول عام 1743 في بلدة شمالي فرنسا ، وقد كان والده ينتمي الى أسرة برجوازية ، تدرّج في الوظيفة العسكرية حتى أصبح ضابطاً في سلاح الفرنسان ، ولهذا أصرت والدة كوندرسيه أن تدخله كلية متخصصة في العلوم العسكرية ، لكنه عارض هذه الرغبة وأصر عندما استقر في باريس عام 1765 أن يدرس العلوم فقدم بحثاً بعنوان " الحساب التكاملي " وعن طريق هذا البحث تعرف على مجموعة الموسوعة التي كان أشهر أعضائها ديدرو ، ودالمبرت ، وهيلفيتس ، وبعد تخرجه تمكّن من العمل في أكاديمية العلوم . وفي عام 1770 ذهب بصحبة دالمبرت " لزيارة الفيلسوف الكبير فولتير ، وبعد العودة قرر أن يترك العمل في أكاديمية العلوم ، وأحرق بحوثاً عن الرياضيات كان ينوي نشرها ، وقرر الاتجاه لدراسة الفلسفة والعلوم الاجتماعية يكتب في يومياته :" كانت زيارة تحية للعبقري الذي ما أن غادرته حتى عرفت جيداً أن ليس في العالم سوى عبقري واحد اسمه فولتير ، عندما استقبلنا كان في غاية التألق .تكلم بغزارة عن مئات الموضوعات .. عن السياسة وعن ديكارت ونيوتن ..وما شدني حديثه عن عالم الإنسان المدهش " ظل كوندرسيه يتذكر حديث فولتير عن الأخلاق ، كان فولتير في السادسة والسبعين من عمره ، يؤمن أن الأفكار الأخلاقية هي قوام المعارف الضرورية للبشر ، أما سائر المعارف الأخرى فلا نفع لهم فيها .. ومنذ هذه اللحظة كفّ كوندرسيه عن البحث في علوم الرياضيات ، ليتجه الى العلوم الاجتماعية ، وفي عام 1773 عُين سكرتيراً لأكاديمية العلوم الاجتماعية ، وفي عام 1774 يكتب " رسائل من متدين الى مؤلف القرون الثلاثة " ، وفي هذه الرسائل يكشف كوندرسيه عن شخصية فيلسوف مجادل متحمس ومدافع عن التسامح الديني ..في عالم 1789سيصبح عضواً في بلدية باريس ، وسيشارك بمجهود كبير في تحرير صحيفة " أخبار باريس " ، وكانت يكتب مقالات تثير الرأي العام .. بعدها سيؤسس جريدة " المجتمع " التي نادى فيها برفع شعار حب الحرية . في عام 1791 ينتخب عضواً في الجمعية التشريعية ويكتب في يومياته :" إنني وجدت نفسي في الجمعية التشريعية مع عدد قليل من الرجال العادلين المستنيرين المتحمسين بلا انقطاع لحقوف الشعب " ، وفي الجمعية طرح عدداً من الاراء الخطيرة حول العمل على إزالة الامتياز الخاص بديانة الدولة ، ورفض خطط الغزو واحترام حقوق الشعوب الأخرى " .، وفي عام 1792 يتقدم للجمعية التشريعية بتقرير مهم عن إصلاح التعليم بحيث يصبح قائماً على أساس المساواة والديمقراطية في المعرفة .. وعندما انعقد المؤتمر الوطني كان كوندرسيه أحد أعضائه ، حيث قدم مشروعاً لإصلاح الدستور ، وقد واجه المشروع معارضة شديدة داخل المؤتمر من قبل اليعاقبة وخصوصاً من روبسبير الذي كان أحد زعماء الثورة الفرنسية ، حيث قدّم اليعاقبة مشروعاً آخر أقره البرلمان
الأمر الذي دفع كوندرسيه الى كتابة بيان طالب فيه الشعب بالثورة ضد البرلمان .، وقد أدى البيان الى صدور أمر بالقبض عليه في الثامن من تموز عام 1793 ، مما دفعه الى الاختباء في أحد منازل أصدقائه ، حيث عاش ما يقارب التسعة أشهر مطارداً بتهمة التآمر ، وفي مخبئه أكمل كتابه الشهير " ملخص لتقدم العقل البشري ، وخوفاً على صاحبة المنزل التي خبّأته خلال هذه المدة قرر كوندرسيه في يوم 25 آذار من عام 1794 أن يترك المنزل ويخرج متنكراً بزي شحاذ وكان قد قرر اللجوء عند أحد معارفه خارج باريس ، وبعد يومين من الرحلة المتعبة توقف عند أحد الحوانيت ليشتري طعاماً ، وقد أثار الشكوك حوله عندما أخرج وهو متنكر بزي شحاذ من جيبه محفظة مقود أنيقة ليقدم قطعة نقود ذهبية لصاحبة الحانوت ، الأمر الذي دفع بعض الحاضرين الى إبلاغ الشرطة عنه ، حيث تمّ إلقاء القبض عليه وأودع سجن " بورج لاين " ، وعندما حضر أعضاء الجمعية الثورية لاستجوابه في اليوم التالي وجدوا كوندرسيه ميتاً في زنزانته ، وقد صدر تقرير طبي أكد إنه توفي بسبب احتقان الدم ، لكن شائعات كثيرة انطلقت تؤكد أن كوندرسيه انتحر عن طريق سم فعال كان يحمله في خاتمه .

********
لقد سعى الفلاسفة لهز العرش بإحدى اليدين ، وإحداث اضطراب في الكنيسة باليد الأخرى ، وهدف الفلاسفة الى تغيير نظرة الرأي العام الى الأنظمة المدنية والدينية . ونستطيع القول بأن الثورة قد أحدثت أثرها
روكوان من كتاب " الروح الثورية "

أيّد كوندرسيه الثورة قبل حدوثها في فرنسا ، فقد اجتاحه حماس أفكار التغيير ، وازداد تفاؤله بعقيدة التقدم بعد انتصار الحرية في أميركا وانتشار الحركة المناهضة للعبودية .وظل يؤمن حتى اللحظة الأخيرة من حياته بأنه يعيش في ظل إحدى الثورات العظيمة التي عرفتها البشرية وقد عبّر في كتاباته عن اليوم الذي ستشرق فيه الشمس :" على أرض لايوجد فيها سوى أحرار ، لا يخضعون لسيد غير العقل ، بعد أن يكون الطغاة والعبيد والكهنة وعملاؤهم الأغبياء والمنافقون قد اختفوا جميعاً .. ولهذا كرّس نفسه للكتابة عن المستقبل الذي ينتظر البشرية في ظل الجمهوريات العادلة .
هدفَ مشروع كوندرسيه في كتابه "ملخص لتقدم العقل البشري " الى بيان :" التغيرات المتعاقبة في المجتمع الإنساني ، والتأثير الذي تحدثه كل لحظة في اللحظة التالية ، وبذلك يتحقق عن طريق التغيرات المتعاقبة تقدم الجنس البشري نحو الحقيقة أو السعادة " .وكان كوندرسيه وهو يكتب مؤلفه الذي وضعه في مصاف كبار الفلاسفة التنويريين ، يقدم للمجتمع أفكاراً حول إمكانية بلوغ الإنسان الكامل ، وتحوّل الجنس البشري من الظلام إلى النور ، ومن الهمجية الى الحضارة ، وكيف يمكن للإنسان أن يتقدم الى المستقبل بلا حدود ورغم إنه وضع كتابه هذا وشبح المقصلة يطارده ، إلا أن روح التفاؤل بتحرر الإنسان لم تغادره لحظة واحدة . وقد بيّن عنف السلطات وشرورها والتي تتحكم بالناس عن طريق الدساتير والقوانين السيئة التي أوجدها الحكام والكهنة ، لأن كوندرسيه لم يكن عدواً للنظام الملكي فقط ، وإنما للقوانين الكهنوتية ، ولكل دين يستغل ضعف الإنسان . لقد نظر الى الإصلاح الدستوري والى التعليم على إنهما الوسيلة لتعزيز التقدم . وكانت الخطة التي تقدم بها الى الجمعية الدستورية عام 1792 تقضي بإرساء أسس تعليم علماني حيث من خلاله تكون الرياضيات ، والعلم الطبيعي ، والعلم التقني ، والعلم الأخلاقي ، والعلم السياسي مواد التعليم الاساسية في تعليم أكثر تطوراً . ونجد إن تفسير كوندرسيه للتاريخ ينطلق من نظرته العلمية ، فهو يميز بين تسع مراحل مرّت بها البشرية ، حيث ينظر الى أن هناك في جميع هذه المراحل قانون للتقدم ينقل الإنسان من الماضي الى المستقبل ، غير أن العنصر الذي يشدد عليه كوندرسيه من حيث إنه الوسيلة التي تكفل التقدم المستقبلي ليس قانوناً اجتماعياً ولا سياسياً ، وإنما هو التعليم والذي يسميه " التنوير العقلي " ، ولهذا نجده في كتاباته يؤكد على أن التقدم في المعرفة هو المفتاح لتقدم الجنس البشري ، فتاريخ الحضارة مرادف لتاريخ المعرفة ونجده يركز على تأكيد :" الوحدة التي لاتنفصم بين التقدم الفكري والحرية والفضيلة ، واحترام الحقوق الطبيعية ، وتأثير العلم في القضاء على التزمت " وينبه كوندرسيه الى أن كل أخطاء السياسة والأخلاق قد نبعت من المعتقدات الزائفة الوثيقة الصلة بالجهل ، ورأى في المذهب الجديد للتقدم أداة للتنوير :" وضربة قاضية لصرح التزمت المتداعي " .
يرى كوندرسيه أن الحرية هي حق طبيعي للإنسان ، ويؤكد إنها أغلى حق طبيعي ، ويقصد بالحرية حرية التفكير ، ويجب على التفكير الإنساني أن يكون تابعاً للعقل فقط ولا يخضع لأية سلطة أخرى ، وقد نادى كوندرسيه بالحرية في كل المجتمعات وليس في فرنسا فقط . وظل يكتب المقالات أثناء الثورة الفرنسية يطالب بضرورة تحقيق حرية الشعب والقضاء على استبداد الحكام ، وتأمّل كوندرسيه الى جانب المساواة بين الأفراد الذين يتألف منهم المجتمع ، المساواة بين شعوب الأرض قاطبة ، ولهذا هو يطرح فكرة الحضارة الواحدة بين شعوب الأرض ، ومحو الفوارق بين الشعوب المتقدمة والمتخلفة ، وتنبأ بنهوض الشعوب المتخلفة مستقبلاً الى مكانة مساوية لفرنسا واميركا :" لم يكتب على أي شعب أن يبقى عاجزاً عن استعمال عقله الى الأبد " . أعجب كوندرسيه بفولتير إعجاباً شديداً وشاركه في معارضته الشديدة لكنيسة ، لكنه لم يشاركه في إيمانه باستبداد مستنير ، إذ إنه تطلع الى حضارة ديمقراطية وعلمية والتي يرى فيها خير الإنسان ورقيه .عندما تم نقل جثمان كوندرسيه من الزنزانة الى أحد المصحات وجد الأطباء ورقة ملفوفة بين ملابسه كتب فيها :"تتلخص أمنياتنا لحالة الجنس البشري المستقبلية في نقاط ثلاث : هدم التفرقة بين الشعوب ..تقدم المساواة بين الشعب الواحد ..وأخيراً الكمال الحقيقي للإنسان .
****

علينا أن نأمل إرتقاء الإنسان كنتيجة لتقدم التنوّر وجهود المثقفين ، ولنتضرع ألا يسلبنا هذا الأمل أخطاء عصرنا ومظالمه
موريليه

أثار اندلاع الثورة الفرنسية تعاطف بين المفكرين الانكليز ، حيث نشر ريتشارد برايس كتابه الشهير " ملاحظات عن حرية المواطن " وفيه كان متحمساً للثورة ، وقد لجأت الحكومة الانكليزية إلى نفيه في معسكر للاعتقال في أيرلندا ، وتعرض قبل هذا التاريخ توماس بين للاضطهاد بعد صدور كتابه " حقوق الإنسان " الذي دعا فيه الى الثورة مما أدى الى مطاردته فيقرر الهرب الى أميركا التي وصلها وهو في عمر السابعة والثلاثين ، عندما وطأت قدماه الأرض الأميركية تذكّر أن حياته السابقة كانت سلسلة من الإخفاقات والمتاعب ، وخيبات الأمل ، بسبب ما عاناه من أرائه الصادمة والجريئة . ولد توماس في التاسع والعشرين من كانون الأول عام 1737 في مقاطعة شرقي انكلترا لعائلة فقيرة حيث عانى في طفولته من الفقر والحرمان ، تعلم في إحدى المدارس حتى سن الثالثة عشرة إذ اكتسب كما يقول في يومياته " تعليماً أخلاقياً جيداً جداً ، وكمية طيبة من المعارف " . بعد هذا التعليم البسيط ، تتلّمذ على يد أبيه ليتعلم مهنة خياطة الملابس النسائية ، فقضى فيها ثلاث سنوات ، وذات يوم يقرر الهرب من الرتابة اليومية ، فيلتحق بإحدى سفن القراصنة ، وينقذه والده ، ليعود الى مهنة الخياطة ، وما أن يبلغ التاسعة عشرة حتى يقرر من جديد الالتحاق بسفينة قراصنة أخرى ، لكنه يشفى بعد مدة من هذه المغامرات ، ويقرر السفر الى لندن حيث يعمل أيضا في نفس مهنة والده ، لكنه كان قد قرر أن يعلم نفسه بنفسه ، فكان يقضي أوقات فراغه في سماع محاضرات عن الفلك والتاريخ ، وبعد سنوات من العمل في مهن متعددة يحصل على وظيفة مراقب في أحد المعامل ، لكنه لم يستمر طويلاً بسبب تعاطفه مع العمال وتهاونه بتنفيذ الأوامر ، فعاد الى مهنة الخياطة التي تركها بعد عام حيث وجد وظيفة مدرس في براتب بسيط جداً ، ثم عاد لوظيفة مراقب الإنتاج ، في هذه الفترة قضى كثيراً من وقته في القراءة والاشتراك في النقاشات السياسية وأحاديث عن الحياة اليومية ، وقد ظهرت براعته في إثارة الجدل حول موضوعات مهمة مثل أجور العمال ، وتحسين ظروف العمل .وكرس وقت فراغه في كتابه رسالة مطولة بعنوان " قضية موظفي مراقبة الإنتاج ، والآراء الخاصة بالفساد الناجم عن فقر الموظفين الصغار " .حيث نجده يقرر عام 1772 تقديم هذه العريضة الى أعضاء البرلمان ، ولم ترفض هذه العريضة فقط ، بل قررت إدارة المعمل طرده ، فوجد نفسه بلا وظيفة حيث تكاثرت عليه الديون وبيع أثاث منزله في المزاد ، وقررت زوجته الإنفصال عنه .. في تلك الفترة سيلتقي ببنيامين فرانكلين ، الذي أوفد الى لندن كسفير للمستعمرات ، ومنذ اللحظة الأولى أثار توماس إعجاب فرانكلين الذي نصحه بأن يجرب حظه في السفر الى أميركا ، وإعطاه رسالة لزوج ابنته في فلادليفيا كتب فيها أن " توماس بين شاب عبقري كفّ " موصياً بتعينه في إحدى المدارس ، ومع الرسالة مبلغاً من المال سيكون رأس ماله الوحيد وهو يصل الى الأراضي الأميركية ... لكنه قال لفرانكلين إنه سيحمل أيضا رأس مال ثانٍ وهو رأس مال بالغ القيمة ، هو حياته الماضية ، والأفكار التي يحملها عن الوحشية والاستبداد في بلاده انكلترا ، وقراءاته عن حقوق الإنسان الطبيعية ، وكيف كان يرى الفرق الشاسع بين ملايين البشر العاديين وبضعة آلاف هم أعضاء الأسرة المالكة والنبلاء ، وعرف وأدرك كيف تدار شؤون بلاده ، فتملكه حب جارف للحرية والديمقراطية والمساواة ، وقرر أن يسعى لنشر أفكار الإصلاح الاجتماعي . بعد وصوله الى فلادليفيا عين محرراً في مجلة بنسلفانيا ، وكانت تصدر حديثاً ، فاستمر في تلك الوظيفة ثمانية عشر شهراً ، حيث نشر فيها مقالات تندد بالرقيق وتطالب بحرية السود .. وساهم بعد ذلك بأسابيع في إنشاء أول جمعية أميركية لمحاربة الرق ، بعد ذلك نشر مقالات تطالب بمنح المرأة المساواة في الحقوق ، وتقترح تشريع قوانين دولية تكفل حرية النشر ، وتلغي الرقابة ، وبينما هو يكتب المقالات اندلعت دولية لعب فيها دوراً هاماً ، ففي عام 1775 قامت معارك بين المستعمرات الانكليزية ، فكتب رسالة الى فرانكلين يقول فيها :" رأيت من الصعب أن تشتعل النار في البلاد تحت سمعي بمجرد دخولي إليها " ... وقد انقسمت الآراء بعد الحرب انقساماً كبيراً ، فكان أن قرر صموئيل آدمز وجون هانكوك بضرورة الحرب ، بينما كان هناك فريق يمثله فرانكلين وتوماس جيفرسون وجورج واشنطن ، طرحوا فكرة الانفصال عن بريطانيا بشكل سلمي ، مطالبين بتسوية عادلة لقضية بلادهم ، وفي وسط انقسام هذه الآراء كان توماس بين يرى إنه لامفر من الانفصال عن انكلترا ، فتفرغ لكتابة مؤلف سيصبح فيما بعد أحد أهم الكتب التي ساهمت في الاستقلال الاميركي وقد وضع للكتاب الصغير الحجم عنوان " الإدراك العام " وفي ترجمات أخرى بعنوان " المنطق السليم " والذي ظهر مطبوعاً في العاشر من كانون الثاني عام 1776 وهو عبارة عن كتيب صغير لاتتجاوز صفحاته الخمسين صفحة ، وحال صدوره بيع منه اثنا عشر ألف نسخة في ثلاثة أشهر ، وبلغ مجموع مبيعاتها خلال العام الأول نصف مليون نسخة ، وفيما بعد ستصل مبيعاته الى ثلاثين مليون نسخة وزعت في أميركا وبريطانيا ومعظم المستعمرات البريطانية ..
يكتب فولتير بعد حصوله على نسخة من الكتاب الغثر أنه ليس في تاريخ الفكر البشري شيء يعادل كتاب توماس بين ، بينما وصفه كوندرسيه بأنه مثل نداء بوق الى الشعوب لكي تحارب من أجل استقلالها ، دون قبول صلح ولا تردد ..فالثورة هي الحل مثلما أعلن كوندرسيه ذات يوم يكتب بين :" بما إنه لاشيء يجدي غير الصفعات ، فإكراماً لخاطر الله هيا بنا إلى الانفصال النهائي . إننا ندفع ثمناً غالياً ، وغالياً جداً عن إلغاء القوانين ، إذا كان هذا هو كل ما نحارب من أجله .. ليس هذا موضوع مدينة أو مقاطعة أو مملكة ، بل موضوع قارة ..ليس هذا مصير يوم ولا سنة ولا جيل ، بل إن ذريتنا مشتركة في هذه التجربة .. الآن وقد البذر لاتحاد وإيمان شرف قارة .. إن حزام القارة المربوط واسعاً .. الاستقلال هو الرابط الوحيد الذي يحافظ على ارتباطنا معاً "
يتناول توماس بين في القسم الاول من كتابه نشأة الحكومة وطبيعتها مع تطبيق معين للدستور الانكليزي ونجده يكتب :" ليست الحكومة وطبيعتها سوى شر لابد منه ، وفي اسوء حالاتها ، شر لايطاق ..الحكومة كالثياب شارة البراءة المفقودة ..بنيت القصور على انقاض مقاصير الجنة .. كلما كثر كمال المدينة قلت حاجتها الى حكومة .. لكنه يقول ان نشأة الحكومة وقيامها ، صار ضروريا بسبب عجز الاخلاق الفاضلة عن حكم العالم ، وهو يضع فروق بين الحكومة والمجتمع ، حيث ينجذ الناس الى المجتمع وعن طريق التعاون الاجتماعي يمكنهم الحصول على حاجات معينة ، وفي هذه الحالة يملك الانسان حقوقا طبيعية معينة مثل الحرية والمساواة . " ولهذا يجب ان يكون الانسان قادرا على ان يعيش في سلام وسعادة بدون حكومة ، اذا كانت بواعث الضمير واضحة ومتناسقة بغير مقاومة " . بعد ذلك يوجه الانتقاد الى الدستور الذي تتباهى به انكلترا كثيرا ، فهو يجده غير كامل وعرضة للتأويلات المتناقضة ، لكنه يوجه اكبر نقد لموضوعة الملكية الدستورية والحق الالهي فيكتب بسخرية حادة :" نزل بيانكلترا صعلوك فرنسي ومعه عصابة مسلحة ، فاقام نفسه ملكا لانكلترا بغير موافقة السكان الوطنيين ، وهذه ببساطوة نشأة دنيئة حقيرة ، وبالتاكيد لاتنطوي على حق ألهي " وبعد ان يستعرض الاراء عن الحكومة الملكية ، بنتقل لمناقشة الحالة اللااهنة لاميركا فيطالب بشده بالانفصال وسخر من الذين يقولون ان انكلترا حمت مستعمراتها من الغزو الاسباني او الفرنسي :" انها من اجل التجارة والمستعمرات وعلى اي حال كان الدفاع على حسابنا " . ويؤكد بين في كتابه انه بينما يرزح العالم تحب وطأة الظلم ، :" يجب ان تفتح اميركا ابوابها على مصرعيها للحرية ، وان تتحول ملجأ للبشرية الضعيفة " ، وفي الفصل الاخير يتناول " المقدرة الحالية لاميركا " ليحصل على ثقة الاميركان ويفنعهم بان لديهم القدرة والقوة على بناء وطنهم من جديد ، الامر الذي جعل جورج واشنطن يغير اراءه ويتبنى افكار توماس بين فيكتب الى بعض الزعماء السياسيين يقول :" ارى ان كتيب توماس بين قد احدث تغييرا عجيبا في عقول كثير من الناس " .فيما يكتب توماس جيفرسون ان كتاب توماس بين كان الرسالة الثورية التي صعدت بالاميركان من الارض الى سلم الحرية ، وقد اثبت صاحبها بانه انسان مفعم بالعواطف ، ووطني عنيف ، وثوري بالفطرة " .