مظفّر النّواب: تأملات وذكريات 2

رقم العدد: 4369 نوع النسخة: ورقية تاريخ اخر تعديل: 2/10/2019 6:42:32 PM

د .حسين الهنداوي

العراق هو النبع والبوصلة
ثمة أصالة وثراء وطاقة فائقة في قصائد الشاعر العراقي الكبير مظفر النواب الذي يستلهم اعلى منجزات الشعر العربي الكلاسيكي في أرفع تجلياتها، ويتماهى مع الروح العراقية في أرق تسامياتها وانتصاراتها وانكساراتها العظيمة، وينهل من التراث الفكري والسياسي والأدبي والشعبي لعوالم عربية وشرقية بأسرها ولبلاد الرافدين خاصة من جهة، والمنتمي بقوة وصدق الى الفكر الاشتراكي والتقدمي والانساني والمنخرط بجرأة في حركة شعبه الثورية منذ خيوط شمس حياته الأولى وحتى الرمق الأخير، والنزّاع الى التجديد وحتى المغامرة جماليا ولغويا وفنيا وفكريا، والمتعالي على الرتابة والتعصب والتحزب والجمود والجاه والمال. وهذا او بعضه ما اكتشفه وعرفه كثيرون مثلنا مبكرا وعن كثب لديه.
لكن ثنائي الحريّة والحب هو الخيط المرشد والحد الفاصل والمفتاح لدى هذا الشاعر. اما الوطن، اما العراق، فهو القلب والنبض وبوصلة البواصل والجرح المفتوح الذي لا يضاهيه جرح في اعماق هذه الملحمة الانسانية البديعة، ملحمة شاعر "الريل وحمد" و"وتريات ليلية" و"المساورة امام الباب الثاني" و"حجام البريس" وعشرات النصوص الطويلة والنادرة الاخرى المنشورة وغير المنشورة.
فشعر مظفر النواب، في تصورنا الخاص والراهن، سيل من مشاعر انسانية جياشة ومتسامية تنتمي الى عالم محدد وخاص حتى لغويا ربما.. بيد انها تظل مذهلة في قدرتها الفريدة على مواصلة التحرك بيننا، وحتى فينا، وكل يوم أحياناً، رغم ثقل الأزمنة وتنائي جسد وحتى روح عالمها الأصلي. وعلى العموم، يندر بيننا من لم يتمايل ببهجة مع "مرينه بيكم حمد" او "روحي" او "البنفسج" او لم يستذكر قصيدة "البراءة" او "سعود" او "القدس عروس عروبتكم" حيال لحظات خيبة، وما اكثرها، في حياتنا العاطفية او السياسية والمتراكمة مع مرور الأيام. او لم يتقاطع مع تجربة هذا الشاعر في لحظة او اخرى عبر سجن أو وقفة أو قصيدة أو لوحة أو فرحة أو بكاء قلب. وهذا منذ منتصف القرن العشرين ولحد الآن في الأقل.
وهي فترة طويلة عرفنا خلال عقودها منه مباشرة في الغالب، او من هذا وذاك احيانا، وتدريجيا، ان مظفر عبد المجيد النواب ولد في كرخ بغداد عام 1934 واكمل دراسته الجامعية في كلية آدابها، ثم عمل مدرساً فمفتشاً فنياً ثم مدرسا من جديد في متوسطات عدة في المسيب والكاظمية وبغداد، وانه انتمى الى الحركة الثورية واضطر على الفرار من بلاده متسللا الى ايران متجها الى الاتحاد السوفييتي السابق بعد سقوط بلاده تحت قبضة زمرة من الحثالات والقتلة اثر انقلاب 8 شباط الدموي عام 1963 الذي نظمته الاستخبارات المركزية الامريكية والبريطانية في العراق، إلا ان الجندرمة الإيرانية قبضت عليه في كمين في شمال ايران قرب الحدود السوفييتية ونقلته الى معتقل "باغ مهران" في التلال المحيطة بطهران واخضعته الى تحقيق وتعذيب نفسي وجسدي قبل ان تسلمه مخفورا إلى سلطة بغداد قبل ايام من انتهاء تلك السنة في اطار صفقة قامت السلطتان الايرانية والعراقية بموجبها باستبدال 121 مناضلا من اعضاء الحزب الشيوعي العراقي كانوا معتقلين لديها بـ 56 مناضلاً ايرانياً من أعضاء حزب توده كانوا في المعتقلات العراقية منذ الاطاحة من قبل الاستخبارات المركزية الامريكية والبريطانية بحكومة الدكتور مصدق في إيران عام 1953.
وفي 1964، وبعد فترات من الإقامة القاسية في سجون في البصرة والعمارة وبغداد، احيل مظفر النواب الى المجلس العرفي الذي حكم عليه بعد محاكمة صورية زائفة، بالسجن لفترة عشرين سنة أمضى بعضها في القاعة رقم عشرة من سجن "نقرة السلمان" الصحراوي واخرى في القاووش رقم أربعة من سجن "الحلة" الذي سرعان ما فرّ منه مع رفاقه في نهاية تشرين الثاني من عام 1967 عبر نفق حفروه بأدوات المطبخ، فنقلهم إلى عالم الحرية في عملية جريئة اثارت ذهول السلطة وفرح الشعب العراقي وافتخاره، وسمحت لمظفر النواب بالتسلل إلى أهوار الجنوب ثم الى بغداد ومنها الى لبنان في 1969 منتهزا فرصة عفو سياسي لم يلبث إلا بضعة أيام منحه الحرية لكنه فتح عليه ابواب التشرد والغربة الى الآن رغم عودة خاطفة الى بلاده في ربيع 2011، تكاد ان تكون لحظة عناق ووداع لكل تلك الرموز الكونية التي استبطنها الشاعر الكبير في روحه على انها العراق.. وتلك الرموز، وتحديدا الارض والشمس والناس البسطاء والشعر، هي ما كان يبحث عنه هذا الشاعر الوفي لشعبه ووطنه خلال زيارة امضى ايامها طائفا متنقلا بين شوارع المتنبي وأبي نؤاس والكاظمية والاعظمية والثورة والشعلة وجسر الشهداء، وبين مقهى الشاهبندر و«اتحاد الأدباء والكتّاب» معلناً من منصة الأخير: «وجودي في هذا المبنى أشرف من وجودي في أي مكان آخر في الدول العربيّة التي مكثت فيها» بعد أن كان قد رفض المجيء الى بلاده سواء في ظل السلطة الفاشية البعثية المدمرة او في ظل الإحتلال الأمريكي الغاشم، او المجيء من بوابة غير بغداد التي دخلها كمواطن بسيط وكمسافر بسيط، رافضا نظام المحاصصات الطائفية والحزبية رفضا قاطعا، وزاهدا مستكبرا على كل المغريات التي ترامت امام قدميه من رواتب ومكاسب وإقامة غناء وحفلات استقبال رسمية، مقتصرا على تلك التي جمعتنا به او جمعته مرارا مع نخبة من قدامى رفاق السجون والمنافي والاصدقاء. وكما يخبرنا الشاعر كاظم غيلان الذي رافقه خلال بعض جولاته تلك ببغداد، كان المشهد الوحيد الذي جعل دموع مظفر النواب تنهمر، هو نهر دجلة حين أطلّ عليه من نافذة السيارة بينما كان يبحث في بغداد عن بيت للعائلة في منطقة كرادة مريم، حيث قضى ليلته الأخيرة قبل المنفى، ليفاجأ بأنّه تحوّل إلى حديقة عامّة.
وهكذا، وطوال تلك العقود المليئة بالانكسارات والخيبات التي لم تعد تحصى، والاعياد القليلة والمنعطفات الدائمة، لم يكفّ هذا الشاعر من الحضور بشكل او آخر في همومنا الوجدانية او السياسية او كليهما، وغيرهما ايضا بين آونة واخرى متقاربة او متباعدة حسب الحال وبشكل حميم غالبا، لا سيما بين العراقيين في الخارج وحيثما انتشروا على أرض الله الواسعة التي بعثرتنا الغربة والمنافي فوقها والغربة جمعت قلوبنا طويلاً على حب العراق.