تلويحة لأحلام ناجية.. مراجعة للانتقال، أم تمرين في الإلغاء

رقم العدد: 4370 نوع النسخة: ورقية تاريخ اخر تعديل: 2/11/2019 7:10:39 PM

ميسلون هادي

في العام 2018، وقد مضت خمسة عشر عاماً على التغيير، تصدر دار الرافدين في بيروت هذه المجموعة الشعرية لتسعة شعراء عراقيين شباب هم: ( زاهر موسى، وحسام السراي، وصادق مجبل، وصفاء خلف، وعلي محمود خضيّر، وعمر الجفال، ومؤيد الخفاجي، وميثم الحربي)، وقد أعجبني قول الشاعر صادق مجبل في هذه المجموعة المشتركة : (اليوم سأنظر بخجل أقل إلى كتابي باختياري عدم الأستعجال.)


في (تلويحة لأحلام ناجية)، ليس للعجلة مكان، وليس هناك في الحلم إلا همه الأبدي بأنه مختلف وغير منقاد للسائد والعابر والمستهلك، بل محتاج لتقديم أو تنظير أو بيان يؤكد اختلافه، فجاءت تنظيرات الشعراء التسعة عن تجاربهم مكتوبة بلغة مختلفة ومدهشة، ككل البيانات العظيمة التي ظلت تترى منذ جماعات عربية كالمهجر والديوان وأبوللو ومجلة شعر، وحتى جماعة كركوك التي شكلت تجربة فريدة من نوعها في الحياة الثقافية العراقية.. وليس الشعر وحده كان عظيماً في العراق، وإنما الفن التشكيلي أيضاً، فساهم رسام غلاف المجموعة وتخطيطاتها الفنان الكبير ضياء العزاوي في تأسيس جماعة الرؤية الجديدة مع خمسة فنانين، بينهم الفنان رافع الناصري، وإصدار بيان تنظيري لها.
المشكلة في هذه المجموعة، إذن، لا تكمن في الافتقار إلى الهم الشعري، إنما تكمن في الأفكار المصرة على الإلغاء، حيث ساد الاعتقاد بين شباب المجموعة بأن لا شيء يصمد في العراق إلا بعض القصائد والأعمال الفنية، التي عبرت أو نجت بالمصادفة من حقول الألغام السياسية وما سواها. ولا جدال بأن الشعراء التسعة هم من أصحاب الرؤيا، أي من الأسماء الجادة في مشروعها وتطوير أدواتها، وهؤلاء سيفرضون أنفسهم على المشهد الثقافي بدون تخطيط أو ترويج. فهم ليسوا من الذين ركبوا الأمواج العالية المتكسرة على شواطئ شارع المتنبي، ولا من الذين اعتلوا المنابر وطافوا المهرجانات الرسمية.. بل هم من المعترضين على الشهرة والاستعراض.. وكل هذا جميل ولا اعتراض عليه، لكن الوجه المقلق للقضية هو موقف أولئك الشباب من شعراء المراحل السابقة، عقود الدكتاتورية، بطريقة فيها طعم المرارة والتعسف والإلغاء.. فهم يعتبرون أنفسهم بعيدين عن متن الأسماء الكبيرة، التي يشككون بها لأسباب سياسية، وقريبين من الهامش النظيف الذي لم تلطخه الأيديولوجيا.. وأعجبني أكثر ما أعجبني فيهم أن كل واحد منهم يحاول أن يراجع نفسه، ولا يضع نفسه ملاكاً في مجتمع من الشياطين.. ألا أني لمست نزعة الإلغاء تلك، وليس الاعتراض، موجودة منذ سطر المقدمة الأول.. فجعلت تلك المقدمة، وغيرها من المقدمات، الأجيال التي عاشت الزمن الدكتاتوري في خانة واحدة هي خانة (التوجيه المعنوي).
معهم الحق طبعاً فيما يتعلق بخانة قصص وقصائد الحرب التي سرعان ما احترقت (تحت لهيب النار)، أما خارج تلك الخانة، التي تبرأ منها حتى أصحابها، فإننا لو أخذنا عينة من أسوء وأصعب فترات ذلك الزمن الدكتاتوري، وهي فترة الحصار في التسعينات، لوجدنا الكثير من النتاج الذي صدر في تلك الفترة قد اقترب من الشرط الفني أكثر من أي شيء آخر، فانكتب بمداد الخلق الحقيقي، بعيداً عن جهة العرش قريباً من جهة الجدول.. وانزوى صاحبه الخلاق إلى حافة العالم، أو اعتاد أن يكون جالساً في الصف الأخير، غير أنه يعرف كف يكتب قصته وقصيدته. وقد يجد صعوبة في الإجابة على التساؤلات، لأنه لا يملك سوى الشواهد والحكايات، وأرجو المعذرة إن كانت هذه الشواهد قد أقتحمتها تجربتي الشخصية في الكتابة والقراءة:
(الأوجاع والمسرات، بابا سارتر، سابع أيام الخلق، رؤيا خريف، بصرياثا، ذلك الصيف في الاسكندرية، مملكة الانعكاسات الضوئية، مصاطب الآلهة، مملكة النساء، بلقيس والهدهد، رجل في المحاق، صقر فوق رأسه شمس، على دراجة في الليل، رائحة الشتاء، خاتم الرمل، نهايات صيف، المعدان، رياح شرقية رياح غربية، في البستان، موسيقى صوفية، الخطأ الاول، دع البلبل يتعجب، طبيعة صامتة، العالم ناقصاً واحداً)، فإذا كان السرد قد استطاع أن يضع بصمته القوية في تلك الفترة العصيبة من زمن التسعينيات، فكيف الحال مع التجارب الشعرية ذات القدرة الفائقة والصعبة على الترميز والمناورة.. وكيف نشمل بالإلغاء قمم الشعر العراقي، علامات الزمان العربي الفارقة، التي كان يباهي بها العراق، سبيعينية وستينية وثمانينية وتسعينية، خصوصاً وأن الملوحّين قد أصدروا كتابهم بعد 15 عاماً من التغيير.. وهي فترة كافية لاختمار الرؤى والأفكار قبل أن تتضوع، وإذا كان جائزاً أن نستثني كل من تمشى مع السلطة، من الملكية وحتى الدكتاتورية، أو عمل في مدارها، فهذا يعني أن تقوم منظمات حقوق الإنسان بإلغاء المتنبي بسبب بعض قصائده العنصرية. مع هذا فلنستبعد هذه الأسماء، أو نضعها على قائمة الانتظار.. لأنها قد عملت في مدار السلطة، لنجد بأن ما سنضعه بين قوسين من الشعر، كان قد قدم قصائد باهرة وبارعة مفارقة للزمان والمكان، فلا الدكتاتورية قد انتقصت من جدارتها، ولا المكان ولا الزمان ولا أي شيء آخر يستطيع النيل من الأدب الذي توقعه الأسماء المحترمة.
مع الأسف تناسى المنظرون والشعراء في تلويحتهم هذه أن الذي يمكث في كل زمان ومكان هو ليس الزّبد الذي تحدثوا عنه وأدانوه، وإنما الأحلام التي ستظل تنجو ما بقي الإنسان على هذه الأرض:
"النهر الغامض تحت الأرض
يجري بهدوء
يجري في الظلمة
لا صوت له
لا شكل له
يجري تحت الصحراء المحترقة
تحت حقول وبساتين
وتحت قرى ومدن
يجري.. يجري."

• قصيدة النهر الغامض للشاعر العراقي محمود البريكان