مظفّر النّواب: تأملات وذكريات 3

رقم العدد: 4370 نوع النسخة: ورقية تاريخ اخر تعديل: 2/11/2019 7:24:11 PM

د. حسين الهنداوي

وريث المتنبي وأبي العلاء
منذ عقود ستة من الزمن، ومظفر النواب يسحرنا بترنيماته الوجدانية سواء وردت بلهفة عاشقات وعشاق ريفيين او عذريين ولهى، او على لسان أم او أخت او فلاحة جنوبية مناضلة، او اقترنت ببصمات تحدٍّ ثوري ومعاناة سياسية قاسية تغطي مرحلة استثنائية من تاريخ شخصي هو في ذات الوقت تاريخ وطن عراقي وآخر عربي مختلفين ومستقلين من جهة ومتداخلين الى حد التماهي من جهة اخرى دون المساس بأصالة كل منهما وطاقاته الخاصة.
فهذا الشاعر المتشبع بشعر المتنبي والمعري ليس شاعر حداء بتاتاً او شاعر مديح، لكنه، ومثلهما تماماً، لا يحب ان يكتب الا الى جمهور وحول قضية عظيمة: الحب، الشعب، الثورة، الفقراء، فلسطين وغيرها من رموز المكابرة والشموخ: "كنت يافعاً عندما وصلت الى ديوان المتنبي في مكتبتنا الكبيرة، ومن قصائده كنت أكتفي بالأبيات الصاخبة الثائرة ولم أكن أقرأ شعره في المديح على ما فيه من جمال وصنعة.. بعض هجاء المتنبي سياسي ودقيق، تشخيص حاد معين عن حالة معينة فيها قبحها وفيها جماليته هو، وحين يتحدث عن حالته فهو اعتزازه بنفسه، فيه نوع من الجمالية لوصفه لنفسه كبريائه وشموخه وبالمقابل لا أحب مديح صورة الحاكم سواء كان سيف الدولة أو كافور الإخشيدي". ذلك الكبرياء والتحدي سيجده مظفر النواب على حالته الخام الأصفى والاصدق في جذور روح عراقية حيّة وجنوبية كليّاً، لم تتوقف عن الاشتعال على مدى الازمنة بدءاً بثورات «الأيكيكي» أو عمال السماء في أساطير سومر وبابل ضد الاستعباد والطغيان، ومرورا بثورة الزنج وثورة العشرين وانتفاضات الظوالم وآل فتلة وآل ازيرج وجسر الشهداء والحي وملاحم سلام عادل وجمال الحيدري وحسن السريع ورفاقهم البطولية الخالدة في مقاومة الفاشية البعثية، وانتهاء بالكفاح المسلح في الغموكة وانتفاضة الأهوار الأسطورية ورمزها الرمز خالد احمد زكي وحجام وسعود وصويحب قبلهما.. مع سطوة عشق لهّاب يوغل في الصوفية او في الحسية حسب الحال..
وهذا ما توحي به بقوة كل قصائده بلا استثناء. شعره الشعبي المكتوب بجمالية عالية يشي بقدرة استثنائية على الاستفادة الخلاقة من تقنيات وابتكارات الشعر العربي الحديث، بموازاة توظيف جاذبية الاسلوب والمعاني المبتكرة وحميمية الانغام في الشعر الشعبي العراقي الموروث ولدى الحاج زاير بشكل خاص. هذا التلاقي الثنائي، سمح له بادخال تحديث غير مسبوق على شعر العامية العراقي مطلقا للغته الشعرية وجمالياتها بما فيها الموسيقية قدرة استثنائية التألق في التعبير عن المعاناة الذاتية عبر المعاناة الجماعية بمعنى ما. لكن القصيدة الشعبية النوابية تظل في الجوهر مرتبطة جدا بروحية فترة زمنية تكوينية ثقافياً وسياسياً فقدها العراق وكأنما الى الابد، وهذا يوحي به ايضا كل شعر مظفر النواب المكتوب بعد مغادرته العراق في 1969 اي المكتوب بالفصحى حصرا، كما لو ان مصدر الالهام او الألم غادر، هو الآخر، من محيط وجداني جنوبي عراقي الى محيط وجداني عربي، ومن دفء القضية الوطنية العراقية الى حرارة القضية الوطنية العربية والفلسطينية خاصة، برغم أن العامية مطواعة وتسمح بحرية أوسع في الاشتقاق والحركة وبأنه "في الفصحى ينحت في الصخر، وفي العامية يشتغل على الطين" كما أكد بنفسه.
ومظفر فنان نغمي أيضا ذو صوت فاتن الدقة والطبقات والحضور ومعرفة موسيقية واسعة، كما هو فنان تشكيلي موهوب أقام عدة معارض للوحاته حضرت في لندن. فلقد عُرف مظفر النواب باهتماماته التشكيلية منذ ايام دراسته في كلية الاداب والعلوم ببغداد، ولعل ابرز ما يؤكد ذلك سعيه المتواصل في تلك الفترة مع عدد من زملائه لأنشاء مرسم في الكلية، حتى تم لهم ذلك بعد جهود مضنية، وفي ذلك المرسم تعرف مظفر النواب على الرسام العراقي الشهير حافظ الدروبي، الذي اشاد بقدرته على استخدام الالوان، كما كان مظفر النواب من الطلبة الناشطين في جمعية الانطباعيين التي أسسها الرسام حافظ الدروبي في الكلية تلك. وظل النواب على الدوام يرى فيه استاذه الحقيقي في الرسم وصاحب الفضل في تطوير قدرته على استخدام الالوان في شعره. ولئن انقطع عن الرسم مثلا او تركه يتهمش طواعية بعد أولوية في الهم والاهتمام نالها مبكراً بصحبة الدروبي الكبير، فذلك لأنه شاء، أو شاءت الاقدار، أن يستحوذ الشعر على كل شيء تقريبا لديه ويصبح منمنمته المفضلة التي يتدوزن فيها بكامل طاقته الجمالية والابداعية. وهو امر نابع ربما من مهنة الحل والترحال التي احترفها او كاد. ومع ذلك "لا زلت ارسم من وقت لآخر حسب الظروف. فقدت لوحاتي في ظروف سخيفة فصرت مقلاً بالرسم كردة فعل على ذلك. ولكن على رغم ذلك لم اتوقف عن الرسم، الذي أثر في شعري بالتأكيد وعلى نحو عفوي لا افتعله وقد تستطيع ملاحظته في تشكيل القصيدة وفي ألوانها". ومظفر فنان مسافر، وعلى قلق أيضاً، كما عرفته. والحال، وحده الشعر الفن الذي يتماهى مع الترحال والقلق في آن واحد بين الفنون. بل هو الفن الوحيد الذي تحمله دون ضيم صرة الترحال وبلا تأشيرات وبلا جواز سفر. وهذا ما تبوح به رسوم هذا الشاعر الكبير ذاتها التي، وهذه مفارقة وحدها، اختارت لنفسها حجم القصيدة احيانا لتغريه هو المسافر، المسافر الازلي ربما، بان يحملها معه كبعض منه. ثم ما الذي أهمّ، في المحصل الاخير، أكثر من السماح للرغبة الجمالية في ان تتمظهر وتحقق ذاتها ما دامت تلك الرغبة ذاتها، بنظري، حاسة سابعة او ثامنة لا قيمة للحواس الاخرى بدونها اصلاً.
لا شك ان مظفر النواب كفنان لا يريد ان يحصر متعته في الكلام وحده، لذا فهو يتدفق الى الخطوط والالوان ايضا وكذلك الى الموسيقى لمن يعرف ذلك، وكل وسيلة اخرى تسمح له بنشر حبه للجمال والناس والعراق. لكن الترحال وانتظار الترحال جعل من الكلمة صاحبه الذي لا يخلع. فمظفر في المقام الاول شاعر كبير اما العلاقة مع اللوحة او الموسيقى، فقد تحولت لا ارادياً الى علاقة غربة لا تباح، او علاقة تشوق لحبيب ظل بعيدا عن العين لنحو نصف قرن، هو العراق. لكن الحبيب الحبيب يظل حاضراً في كل شيء مهما تفنن في النأي والصد والغياب. من هنا هذا السر في انبثاق اللون او اللحن او النغم مثلا في قصيدة مظفر النواب كما لو انه، او انها، القصيدة ذاتها. بل ان الكثير من رسوم مظفر الفنية ولدت كما لو انها جنين لقصيدة او مقطع شعر في معركة بقاء لم تحسم بعد منذ ان عرفت تلك الاعمال الفنية ان تتحول الى رسوم بالكلمات. هل من الضروري القول ان الكثير من قصائد مظفر واكاد اقول كلها تحمل همّ الوفاء لطاقة الرسم والموسيقى لديه فتبدو هي نفسها وكأنها رسوم والحان كما لو ان طاقة الخلق لديه تعرف كيف تعبر عن رغبتها بالشكل الذي تحب هي ايضا؟
بداهة لا يعرف غيره جواباً شافياً على هذا السؤال واسئلة كثيرة اخرى حول الطاقات الفنية للشاعر الكبير مظفر النواب. بيد انني ازعم معرفة الكثير عن معرفته الواسعة بالموسيقى الكلاسيكية العالمية والتراث الغنائي العربي والعراقي كما عن طاقته النغمية واطواره الغنائية المفضلة التي صرنا نقلدها احياناً. وكم هي ممتعة الامسيات التي حملتنا على بساط صوته الصافي الى عوالم ألق أخرى وأحياناً برفقة الفنان سعدي الحديثي أو الشاعر الراحل بلند الحيدري أو التشكيلية الراحلة دلال المفتي زوجة بلند او سواهم من الادباء والفنانين والاصدقاء. أما منابعها لديه فمعقدة وقدرية هي أيضاً.