شيء عن (غوايات القراءة)

رقم العدد: 4391 نوع النسخة: ورقية تاريخ اخر تعديل: 3/12/2019 7:14:32 PM

 رنيم العامري

اقرأ فحسب
تقدم الوصيّة نفسها في كلمة (ابحث)، اكتشف بنفسك، لا تتوقف عن الركض خلف التجربة، فمن السهل على العالم أن يجرّدنا من التذوق ومن الانتباه، من السهل أن تُغتال الأحلام وتسقط. ربما، كانت القراءة ضالتك، عوناً، حجة، بعثاً من الموت ومنجاة، ليست القراءة فحسب، ولكن جميع الفنون وبأي شكل تلامس فيه الروح: موسيقى، رسم، سينما.. إلخ.
إنها درع الإنسان ضد "السبات"، وسيلته الأكثر رقة وفاعلية في جلي الصدأ عن وجه الحياة، إنّها حق الإنسان في فردانيته، وطريقته التي يختارها في الردّ على العالم، يسخر أو يؤكد، يتجاهل أو يشارك، يهدم أو يكوّن. أي حقه في أن يكون الشيء أو/ونقيضه. "اقرأ. اقرأ أي شيء. اقرأ الأشياء التي يخبرك الآخرون أنها مفيدة لك، والأشياء التي يزعمون أنها تافهة، ستعثر على ما تحتاج العثور عليه. اقرأ فحسب".
لماذا نقرأ؟ سيجيب عن هذا السؤال مرّات كثيرة الكاتب (علي حسين) في كتابه الصادر مؤخراً تحت عنوان (غوايات القراءة)، مستعيناً بإجابات أدباء على نفس هذا السؤال. وسيتحدث مرة أخرى في أمسية حفل توقيع كتابه الأخير هذا، الأمسية التي كان لي وافر الحظ في حضورها في (دار معنى للمنشورات)، وفي كل مرة سيقول خلالها إنّ "فعل القراءة استغرق حياتي كلها"؛ فهو يقرأ لا من أجل المتعة ولا التعلم، إنّه "يقرأ ليعيش".
يقدم علي حسين نصيحة عن القراءة فيقول: إن السبيل نحو اكتساب عادات قراءة تستمر مدى الحياة يعتمد على التعود على العيش بنمط حياة قائم على القراءة، وهو التطبيق الفعلي لنصيحة أسداها إليه الكاتب عبد الرحمن منيف: "حاول أن تجعل من القراءة واقعاً تعيشه"، أما نصيحته الثانية فهي ذاتها التي قدّمها له الكاتب جبرا إبراهيم جبرا: "اقرأ كل ما يصادفك".
في غوايات القراءة ستعرف شيئاً عن حياة الكتّاب وعملية الكتابة وارتباطهم بالكتب، ستعرّف قليلاً عن تأريخ الكتابة واستخدام الورق وظهور المكتبات، وعن علاقات الشعوب بكتّابها، وستتعلم شيئاً عن كيفية اختيار الكتب وقراءتها من خلال نظرة مفيدة ملّخصة عن مجموعة من الكتب والروايات التي ذُكرت في غوايات القراءة، وعن سؤال: لماذا أن ثمة كتب تخلد وأخرى يطويها النسيان؟ كما ستعرف كيف كانت بداية بعض الكتّاب، ولماذا أصبحوا كتّاباً وشعراء، وأي كتاب أشعل جذوة الإبداع في نفوسهم، يقوم علي حسين بتوصيل هذا بذاك، بخيط ناعم من الوقائع والاقتباسات لينتهي بحبكة بسيطة داخل الفصل الواحد.

أهمية كتب المراجعة
كتب المراجعة هي كتب التعرّف، دليل القارئ، كتبها "سرّاق المعرفة" وهو اسم استدانه بذكاء علي حسين من ناقد إنكليزي. فهو يذكر مثلاً أن أوسكار وايلد صنع خلال فترة سجنه قائمة من ثلاثة أقسام: قسم واجب القراءة، قسم يستحق القراءة، وقسم أخير فيما لا يجب قراءته. وبرأيه: "إن وجود قائمة بالكتب السيئة ضرورة مهمة، خصوصاً ونحن نعيش في عصر يقرأ المرء فيه كثيراً إلى حد أنه لم يعد له الوقت ليتعجب ويفكر". ويطالب كل قارئ أن يضع قائمة بأسوأ مئة كتاب لكي يجنب القراء الشباب فوضى القراءة غير النافعة. وربما يخالف علي حسين رأي وايلد بالقول: وجدتُ بعضاً من القراء ممن يشيرون إلى كتب بكونها سيئة ولا يجب قراءتها.. أو أنها مسيئة أو غير أخلاقية.. وبالتجربة تعلّمتُ أنه لا يوجد كتب سيئة إطلاقاً.. معززاً رأيه بنصيحة الكاتب الأمريكي هنري ميلر في أن الكتب التي لا تروق لك ربما ستصبح فيما بعد مدخلاً لكتب أخرى ستحبها وتتعلق بها. ولا يفوّت أيضاً، فرصة الإشارة إلى أهمية إعادة قراءة كتاب ما أكثر من مرة، فالكتاب الذي يُقرأ في مرحلتي الصبا والشباب سيكون له وقع آخر في النفس فيما لو أعيدت قراءته في الكهولة، كأن السنوات التي تعيشها قد منحتك مفاتيح الأسرار التي تكمن خلف الكلمات، الحكمة والصبر لتأسيس فراغك الخاص في هذا العالم، وربّما حتى المواجهة والاعتراض على المسلّمات، أو ببساطة الوصول إلى سلام، نهاية، بداية، تعويض، اتفاق خاص بك مع الحياة.
هذا الكتاب -الذي هو على حدّ سواء: مفيد، بسيط، ممتع وجميل- ولكي يكون أبعد فائدة، يفرد علي حسين في نهايته قائمتين بعناوين كتب، إحداها اختارها بتفضيل شخصي كأكثر الكتب أهمية، والقائمة الأخرى من مائة كتاب يدعو إلى قراءتها، دون أن يفرض العناوين التي يقترحها في تلكم القوائم، إنه فقط يحاول أن يمرر تجربته في القراءة، ويمنح القارئ بوصلة تساعده على الوصول إلى قائمته الخاصة، وتكوين ذوق أدبي خاص به، بمعزلٍ عن التهديد الذي يفرضه الوسط القارئ وغير القارئ، اللذان يحاولان فرض حدودهما وأحكامها الجاهزة.
وبعدُ، هل يمكن لي كقارئة، أن أقول الآن، أن علي حسين -وربما دون أن يتعمد ذلك- قد أصبح واحداً من "سرّاق المعرفة"؟ هذا ما سيكون بوسع قارئ الكتاب –الذي أدعو لاقتنائه- أن يجيب عليه.