بين إيران والسعودية.. أين تكمن مصلحة العراق ؟

رقم العدد: 4405 نوع النسخة: ورقية تاريخ اخر تعديل: 4/8/2019 7:11:05 PM

د.أحمد عبد الرزاق شكارة

أثمرت الزيارات المكثفة المتبادلة بين العراق من جهة وإيران والسعودية من جهة أخرى والتي جرت على أعلى مستويات الهرم السياسي الرسمي عن توقيع العديد من مذكرات التفاهم في مجالات حيوية (إقتصادياً – تجارياً – مالياً-– النفط والمعادن –إجتماعيا – ثقافياً - تعليمياً علمياً – نقل ، مواصلات وأتصالات وغيرها) ، إضافة إلى أهمية التعاون والتنسيق المشترك بهدف إعمار العراق والمناطق المحررة من داعش . على أن يتم ذلك بالتواز مع تأسيس مناطق حرة صناعية مشتركة على تخوم حدود البلدين ليس فقط لضبط المعابر او المنافذ الحدودية لمنع تسلل الإرهابين وعصابات الجريمة المنظمة وإنما لتحقيق تقدم ونقلة نوعية في طبيعة العلاقات الاقتصادية التنموية للعراق مع إيران والسعودية. إن تطورات كهذه يجب أن تنجز في إطار محيط سلمي بعيداً عن جعل العراق ساحة للصراع الستراتيجي – الإقليمي ما سيتيح مزيداً من الإزدهار الاقتصادي-المجتمعي – التنموي للعراق وللمنطقة . إن الهيكل الموضوعي للتطبيق من المفترض أن يتم عبر مجالس عليا للتنسيق التي في ظل الظروف الطبيعية يمكنها تحقيق مكاسب مالية حيوية تتصاعد قيمتها الى بلايين الدولارات في الأعوام القادمة . إن شكل ومضمون علاقة العراق مع إيران والسعودية هدفها بعيد المدى يتم من خلال تأسيس وضع جيوسياسي –إقتصادي مؤثر وفاعل في منطقة الشرق الأوسط والخليج العربي. ولكن الواقع الراهن يقول بإن التوصل لتفاهمات أومذكرات او أتفاقات تعد خطوات مهمة جدا ولكنها لاتعني أن تطبيقها سيكون هينا من المنظور العملي نظرا لتعدد وتنوع وتداخل التحديات والمخاطر المتوقعة داخلياً وخارجياً . بداية يمكن القول بإن كلا القطبين إيران والسعودية بينهما ما صنع الحداد من خلافات ليس فقط في الرؤى والنظرة الستراتيجية بل وفي تقاطع المصالح الجيوسياسية التي تنعكس على طبيعة السلوك السياسي الخارجي الإقليمي ما يستبعد إمكانية حدوث تقارب حقيقي بينهما. إذ " سبق أن تنازعت الدولتان على النفوذ في العراق ولبنان وفلسطين، وهاهما تتنازعان حاليا للاستئثار بالنفوذ في سوريا (وإلى حد اقل في اليمن والدول الخليجية الأصغر) . إنهما القوتان الكبيرتان اللتان تقفان وراء جانبي الانقسام الطائفي الذي يساعد على تأجيج العديد من الصراعات في المنطقة". صحيح إنه ليس من الاستحالة بمكان أن تتمكن كل من إيران والسعودية من تطبيع علاقتهما ببعضهما مستقبلا لأسباب متعددة سياسية ، أمنية واقتصادية وغيرها نظرا لكونهما يتشاركان في منطقة جيوسياسية واحدة ولديهما أزمات من المفترض أن يعمدا للتخفيف من حدتها هذا إذا لم يكن بالامكان إحتوائها وحلها في نهاية المطاف. ولكن الآمال شيء والواقع الراهن المليء بالمفاجآت وعدم التيقن شيء أخر. من هنا، لست بمعرض استعراض مسار تطور"تنامي" أوتدهور العلاقات المتبادلة بين الأطراف الثلاث العراق، ايران والسعودية ولكن من الاهمية بمكان تقديم إجابة مقنعة نسبياً للسؤال التالي : كيف يمكن للعراق أن يشكّل سياسة خارجية مستقلة هدفها جعل العراق ملتقى لكل الأطراف الإقليمية من باب تنمية المصالح المشتركة وإحداث تنمية أقليمية تخدم العراق أولاً في محيطه التجاوري ومن ثم ما وراءه من محيط إقليمي ودولي ؟ إن إنطلاق الدور العراقي الفاعل والمستقل نسبياً لابد أن يعتمد على إخراج معادلة أومعادلات متوازنة نسبياً بين المحيطين الداخلي والخارجي بصورة تؤدي إلى تشكل وبلورة سياسة خارجية ودبلوماسية عراقية مستقلة ومؤثرة تحافظ على المصالح المشتركة وتنميتها المتبادلة ما سيحدث استقراراً وأمناً وإزدهاراً لكل الاطراف المعنية وفقاً لما يلي من تحديات يمكننا التركيز عليها : أولاً في خطوة أساسية تخص العراق لابد من صياغة للسياسة الخارجية العراقية تنمي سياسة الجار الطيب "الصالح" وفقاً لمنطق توازن القوى والمصالح مع أطراف عربية أكانت أم غير عربية دون إغفال للعامل الانساني واستحضاره في كل الأزمات التي تعيشها منطقتنا الشرق أوسطية خاصة في محورها العربي – مثل أزمتي سوريا واليمن اللتين وصلت أوضاعهما الانسانية لدرجات مهينة لكرامة الإنسان بل ولبقائه ، ثانياً أن لاتتبع السياسة الخارجية والدبلوماسية العراقية أية جهة أو طرف على حساب الطرف الآخر من منطلق الندية في التعامل والاحترام المتبادل ، علما بإن العراق المتمتع بإمكانات بشرية ومادية حيوية من المفترض مثاليا أن يعيش في أفضل حالاته ضمن محيطه العربي والغير عربي أي دون تخل عن دوره الفاعل في محيطه الاسلامي الذي تمثله دول الجوار ايران وتركيا.ثالثا: لايمكن تصور ان تتشكل سياسة خارجية عراقية مستقلة نسبيا وفاعلة في حالة استمرار ضغوط جماعات العنف السياسي المتطرف التي لاتركن للولاء للدولة العراقية كأولوية. رابعا: من المهم جدا أن يبنى ويعزز ويحدث الاقتصاد العراقي وطنيا وفقا لأفضل الاساليب التقنية من خلال تدعيم دور القطاعين العام والخاص في ظل شراكة أقتصادية اصيلة مستدامة . من الصحيح القول بإن البعد الجيوسياسي للانفتاح العراقي على الدول الجارة وماورائها سيعزز مركز العراق الجيوسياسي والاقتصادي في النظام الاقليمي الشرق أوسطي وفقاً لمنطق تبادل وتقاطع المصالح . إذ أن للعراق أهمية خاصة للسعودية ليس فقط لنسيجه الاجتماعي العربي المتفق مع النسيج العراقي ثقافياً ولكن لكونه بوابة المملكة للبحر الابيض المتوسط وماورائه . كما يمكن وبنفس اللغة أن تعد السعودية بوابة العراق لمنطقة الجزيرة العربية والخليج العربي وماورائها . أما بالنسبة لإيران فإن العراق يمثل عمقاً جيوسياسيا وإقتصاديا –منصة حيوية للتجارة الايرانية مع العالم الخارجي – خاصة وأن طهران تتعرض حالياً لعقوبات مشددة رادعة من قبل إدارة ترامب التي تود اسقاط النظام الايراني . وضعا كهذا لم يمنع العراق من استمرار التعامل والتعاون والتنسيق مع إيران في مجالات عدة منها مايخص تزويد ايران للعراق بالغاز الطبيعي وبحوالي 20% من إحتياجاته من الطاقة الكهربية وأخرى علاقات روحية – مذهبية وتأريخية حضارية تتم من خلال مايعرف بمواسم السياحة الدينية. السؤال إلى أي مدى ستسمح إدارة ترامب للعراق بالمضي قدماً في التعاملات الاقتصادية – التجارية وغيرها مع جارته إيران دون قيود أو شروط مسبقة. الجواب: "إلى حدود مؤقتة " .إن أي ضعف في الموقف العراقي الرسمي تجاه إيران سيفتح المجال للمزيد من ضغوط الداخلية من قبل بعض الميليشيات "العسكرية" الخارجة عن السيادة الوطنية وعن السياق الدستوري .إذن لابد للسلطات العراقية ان تحد من نشاطاتها فعليا أو أن تؤهل بعضها في إطار نظام سياسي مدني – وطني . جدير بالذكر أن التحدي الامني لمواجهة داعش أضحى مسألة متفق عليها عالميا وبين الاطراف الثلاث (العراق ـ ايران – السعودية) لإن نتائج عدم الاتفاق سيفتح مجدداً فراغاً أمنيا تستغله بعض قوى العنف من غير الدولة خدمة لأغراضها ومصالحها الخاصة.أن العراق وجميع الاطراف المعنية دوليا بمحاربة التنظيم الارهابي وكل مايتفرع عنه من جماعات ارهابية أو من عصابات الجريمة المنظمة متفقة على إرادة استمرار مكافحة مثل هذه الآفات السرطانية وغيرها. ضمن هذا السياق لابد من تأكيد خطاب المحبة ، التسامح والاعتدال الذي يتميز به الاسلام على النقيض من خطاب العنف والكراهية الذي نجده سائدا عند حركات التطرف بمختلف مصادره ، صوره ،أشكاله ومستوياته . الرأي إن تسيد الخطاب الاعتدالي للاسلام للدول الثلاث يعد ضرورة لامناص منها ليس فقط للاهمية الجيوسياسية وإنما لإسباب أخرى تجد جذورها في أهمية الانتباه لعملية التنمية الاقتصادية والثقافية .ترتيباً على ذلك، لابد من تعزيزالتوجه التنموي الاقتصادي والثقافي للدول الثلاث بهدف التخلص من تهديد الفقر والفاقة ومن حالة التدهور الاقتصادي والاجتماعي والثقافي ، ما يعني أن نجاح مشروعات التنمية الاقتصادية للدول الثلاث سيسهم بإبعاد خطر تنامي التطرّف العنفي ما سيؤدي لأستقرار وأمن بلدان المنطقة بصورة تؤسس لبدايات ناجحة نسبياً لإقامة نظام اقليمي آمن ومستقر متمتع بثمار التنمية الانسانية الشاملة . إن التحولات الجذرية في البعد الجيوسياسي – الاقتصادي ستأخذ زمناً وجهوداً مكثفة لابد للتخطيط لها جيدا بالتنسيق والتعاون المشترك بين العراق ودول المنطقة ككل خاصة تلك التي تعد دولاً محورية "اقطاب" ذات طاقات بشرية حيوية ومصادر مادية مهمة ( النفط ، الغاز الطبيعي ، الفوسفات ، الكبريت والسيلكون وغيرها) . أخيراً إن "الحكم الرشيد" سيوفر ولاشك مسارات ومنهجية جدية وجديدة تهدف إلى إنجاح دور النظام السياسي العراقي في التفاعل مع مشكلات وأزمات المنطقة بشرط تقلص مساحات الاعتماد على أفكار متخلفة أو مرجعيات سياسية هزيلة كل مزيتها الجهل والركون لتقاليد غير مواتية لروح العصر أوالدخول في نقاشات بيزنطية كما يقال دون الاخذ بناصية المصلحة الوطنية للعراق في المقام الاول والاخير. ضمن هذا السياق سيتم التركيز على أهمية دور القيادات والنخب المثقفة المبدعة التي يجب أن تجتهد كثيراً للأخراج العراق والمنطقة من أزماتها ومشكلاتها المزمنة بغية التعامل الحضاري مع كافة دول المنطقة وماوراءها من عالم خارجي تتنافس فيه الدول على مناطق النفوذ والصراع على المصالح الضيقة . من هنا ، اهمية الاهتمام الشديد من قبل سلطاتنا ومجتمعاتنا بشبابنا الذين هم عماد مستقبلنا الزاهر بإذن الله من خلال توفر العمل المناسب لهم واستقطاب الطاقات العلمية والمعرفية والمهنية في مؤسسات الدولة والقطاع الخاص . ولعل "وضع الشخص المناسب في المكان المناسب" لازالت مقولة صالحة لكل زمان ومكان من أجل مكافحة آفة الفساد بكافة تداعياتها السلبية والخطيرة على التماسك المجتمعي بهدف تحقيق تنمية إقتصادية فاعلة يفترض أن تنعكس إنجازاتها إيجابا على بناء العراق وعلى مسارالتنمية البيئية - الإنسانية تلبية لمتطلبات حيوية حياتية للاجيال الحالية والمستقبلية التي عانت الكثير من المآسي والنكبات. إذ لاعذر بعد الآن من تأخر ترجمة إمكانات العراق الضخمة بشرياً ومادياً لمشاريع تنموية تخدم العراق والمنطقة من أقصى مغربها إلى مشرقها ومن شمالها إلى جنوبها . "إن غداً لناظره قريب".