مظفّر النّواب: تأملات وذكريات - 14 -

رقم العدد: 4406 نوع النسخة: ورقية تاريخ اخر تعديل: 4/9/2019 6:59:52 PM

شاعر الفصحى الكبير والمثير

د. حسين الهنداوي

بعد رحيله في 1969 من بغداد سيلوذ مظفر النواب ببيروت في البداية ثم بدمشق ومنها الى عواصم اخرى ثم الى دمشق الكريمة ثانية التي بدت الأقرب الى القلب لكن المسكون بغربته العراقية وكأنما الى الأبد:
دمشق عدتُ بلا حزني ولا فرحي
يقودني شبح مضنى إلى شبح…
دمشقُ عُدتُ وقلبي كله قُرَحٌ
وأين كان غريبٌ غيرَ ذي قُرَح
أصابحُ الليلَ مطلوباً على أملٍ
ان لا أموتَ غريباً ميتة الشبحِ
وهي غربة رافقته آلامها حتى في أحلى لحظات الأمل، وحتى في اعز "الأمنيات على بوابة السنة الجديدة» المكتوبة في نفس الفترة تقريبا:
مرّة أخرى على شُبّاكنا تبكي
ولا شيء سوى الريح
وحبّاتٌ من الثلج.. على القلب
وحزنٌ مثل أسواقِ العراق
مرّة أخرى أمدّ القلبَ
بالقربِ من النهر زُقاق
مرّة أخرى أحنّي نصف أقدام الكوابيس بقلبي
وأضيء الشمع وحدي..


منذ نهاية 1973 لم تكف معرفتي المباشرة بمظفر النواب عن مواصلة التراكم عبر لقاءات متتابعة في بيروت وباريس وبواتيه ولندن وقبلها جميعاً في مقهى الهافانا بدمشق المدينة التي عاش كريماً بين بسطاء شعبها ومثقفيها ومنحها محبة راسخة. بيد ان معرفتي بعالمه الابداعي الثري والمتعدد تظل خارجية وضئيلة وتحتاج الى إحاطة شاملة ومنهجية ولا اتحدث هنا فقط عن شعره الفصيح الذي راح يهيمن على عطاء مرحلة المنفى كما لو انه الوحيد لا سيما منذ صدور مجموعته "وتريات ليلية" التي اعتبر فيها بناء قصيدته اشبه ما تكون بسيمفونية غنائية عالية ومتعددة الايقاع مستنتجاً ان الجدل يسيطر على الوتريات حتى النهاية سواء على مستوى الموسيقى الخارجية الداخلية، وتوظيف المفاهيم والتاريخ او على مستوى الاستلهام الروحاني المحض:
في تلك الساعة حيث تكون الأشياء
بكاءا مطلق
كنت على الناقة مغمورا بنجوم الليل الأبدية
أستقبل روح الصحراء
يا هذا البدوي الضالع
بالهجرات
تزود قبل الربع الخالي

بقطرة ماء
بيد ان هذا التجريد الذي يتواصل في هذه القصيدة/القصائد يقترن باهتمام بالبعد الوظيفي الصادم وحتى الفاضح للغة ومحمولات المفردة والصورة بكل جوانبها بما فيها اللعنات المباشرة مدهش في "وتريات ليلية" التي تقف مثقلة بتاريخ كامل ورمزي في جوانب عديدة منه وبعضها سياسي وذاتي الاطار.
وعلنا ايضا، لم تغب أرض السواد ولو للحظة عن جوى مظفر النواب عبر ما ينيف على خمسة عقود من رحلة تشرد مليئة بالمحطات الوعرة لهما معاً، هو ووطنه، اينما قاده الترحال في غربة لم يكن لها معنى بدونهما معاً:
وكأنك تبحث في قلبي عن وطن أنت
ليؤويك..
نحن الاثنان بلا وطن ... يا وطني
لا تتركني, فأنا وحدي
يا وطني.. وكأنك غربة
لكن الوطن لم يعد واحدا منذ ان بدأ ذلك الترحال القسري في عام 1969. صحيح ان "قراءة في دفتر المطر"، اولى قصائده الفصحى في المنفى، تقض القلب فيها اصداء صدمة هزيمة الحركة الثورية العراقية التي كان مظفر قد نذر كل حياته من اجلها، وكانت تبدو على ابواب انتصار حتمي لولا الخيانة المدوية وفي عز الثورة لقادتها من منهارين وتحريفيين خاصة:
وأخيرا...
صافح قادتنا الأعداء.. ونحن نحارب
ورأيناهم ناموا في الجيش الآخر.. والجيش يحارب
لو كنت عرفت لماذا يسكن جوع في الأهوار
لو كنت عرفت الخجل المر
على جبهة ثوري ينهار
لعرفت لماذا الثورة..
ومظفر لم ينم في الجيش الآخر ولم يبحث عن منصب أو ربح في انتمائه بكل كيانه الى حركة ثورية يسارية، أممية الهوى انسانية الجوهر وعراقية الشرايين والاوردة كانت ولا زالت بين أنبل وأجمل ما انجبه العراق والمنطقة من حركات سياسية في العصر الحديث، لكنه لم يهادن كما لم يتبرأ من انحيازه الى صف الطبقة العاملة حتى عندما غدت حركتها الثورية تلك خاسرة حتما، وغير واقعية قطعاً، بل لم تكن، في التحليل الاخير، سوى صحوة عنفوان لشعب بأكمله مرت كنجمة صباح في سماء عراق الشجاعة والبراءة والثورية الحالمة ذاك.
ظفار وفلسطين وتل الزعتر وخاصة القدس ستكون الاوطان المنفية الأخرى في حياة مظفر النواب الذي، ومن سجن الى آخر، ومن هور الى آخر، ومن مرفأ غريب الى آخر، ظل يحمل العراق معه اينما قادة الحل والترحال في غربة قاحلة وشديدة القسوة بجرعات سمومها.. ولا عدل فيها ولا معنى بالمطلق:
لم يبق لي من صحب قافلتي سوى ظلي
وأخشى أن يفارقني.. وإن بقي القليل
هل كان عدلٌ أن يطول بي السُّرى
وتظلُّ تنأى أيها الوطن الرحيل.. كأن قصدي المستحيل
نفثت بي الأحزان كل سمومها
فرفعت رأسي للسماء صلابة.. ورسمت رغم السم
من عودي لها ظلاً ظليل.. وتحاول الأيام
مما جرعتني اليأس.. ثم هضمته أملاً
تضاعف جرعتي.. فأضاعف الصبر الجميل..

ذلك الصبر لم يكن جميلا وحسب بل كان جبلا من كبرياء وصلابة ومن أمل:
إني أرى يوم انتصار الناس
رغم صعوبة الرؤيا
وأسمع من هتافي في الشوارع
سيما في ساحة التحرير
نخبك يا عراق
وليس ذي أمل كليل..
يوم انتصار الناس جاء اخيراً ولو مثلوماً، ولو متأخراً جداً. و"نخبك يا عراق" سترتفع في ساحة التحرير ببغداد ذاتها وفي البصرة وحتى السماوة كما توقع وانتظر مظفر النواب طويلا ولو ان بربرية جديدةً سارعت الى كسر الفرح في عيون الناس وبالدم وكاتم الصوت احيانا. لكن الهتاف في شوارع بغداد لاسيما في ساحة التحرير لم يعد نبوءة بل لم يعد محض امل. بيد ان مظفر النواب الذي انهكه الهجر والهجرة لم يهجر بيته المتواضع الفقير اينما حل به الترحال سواء في ضاحية دمر بدمشق او تل الزعتر في بيروت او مثلهما في اي مرفأ.. معلناً رفضه العودة إلى وطنه عندما كان محتلا، بل لم يعد الى العراق كاسرا منفاه الا بعد ثمان سنوات من انهيار الطغيان البعثي الفظ والا بعد رحيل الغزاة الامريكيين عنه، ولم يعد الا عودة رمزية والى شعبه مباشرة ساخرا من اولئك، ايتام الدكتاتورية البعثية خاصة، الذين دعوا الناس الى رفض الانتخابات وحمل سلاح مقاومة لم يحملوه هم في حياتهم ابداً. ولكم كانت فرحتي بلا حدود وفوضوية وانا التقي بمظفر النواب عائدا الى بغداد نحو ربيع 2011، عودة عابرة وربما اخيرة وتشبه الصلاة الى وطن احلى ما فيه حبنا له بينما هو موغل في ابتكار كل انواع القسوة والضياع من جديد ومرة تلو اخرى.
ومثل دفءٍ جريحٍ هو نفسه، يظل شعر مظفر النواب، لا سيما الوجداني منه، يستفزّ بحضوره العبق كالسلسبيل ذات الحيرة الاولى وربما الابدية في قلوبنا المرهفة البريئة لكن المتيمة بإمتياز.