صورة البشير عام 2012 والإسلام السياسي!

رقم العدد: 4408 نوع النسخة: ورقية تاريخ اخر تعديل: 4/13/2019 8:18:59 PM

سهيل سامي نادر

هل نسي عمر البشير أنه يقود دولة تطبّق الشريعة الاسلامية لكي يعلن مؤخراً عن دستور جديد سيكون "إسلامياً بنسبة مئة بالمئة"؟ إنه في الحقيقة أول عسكري ركب الموجة الإسلامية السياسية ما بعد النميري السيئ الصيت ، وأول من جرّب فشلها المرّ، وها هو يريد أن يكون أول العائدين المنافقين بعد الربيع العربي الذي جاء بالاسلاميين الى الواجهة.
البشير اعتاد أن ينسى فيما هو يتكلم ، فهو في الحقيقة آخر من تبقى من العسكريين العرب الذين جاؤوا بانقلاب عسكري. ملابسه العسكرية تشير إليه ، وعصاه الخيزرانية المتشبهة بعصا المارشالية ، والمتكيفة لظهور السودانيين الملتمعة تحت الشمس ، ما زالت مرفوعة يوقّع بها خطبه الكاذبة. ينزع البشير رداءه العسكري أحيانا ويلبس رداءه المحلي الشبيه برداء الإسلاميين . عندما خاطب زعماء الطرق الصوفية مؤخراً كان يبدو كملاك أبيض . قال إن دستوره سيكون : " مثالاً للدول المجاورة" و"قد يساعد في توجيه التحول السياسي بالمنطقة". تلك هي إشارة الى دول شمالي افريقيا كمصر وتونس وليبيا التي ازدهر فيها الإسلام السياسي . فهل هذا نسيان أم اضطراب عقلي؟
البشير انقلب على حكومة منتخبة عام 1989 ، وحلّ البرلمان والأحزاب ونقابات العمال . كان جهبذ الانقلاب الحقيقي هو الدكتور حسن الترابي ، مفكر إسلامي كبير ، وقائد (الاخوان) على الطريقة السودانية. البشير انقلب حتى على الترابي ، وبين الحين والحين كان يودعه السجن . من أفكار انقلابات البشير التي لا نعرف كيف سيستفيد منها في دمج السودان بالربيع العربي : الأحزاب سببت الكوارث للسودان.. والحزبية شرك بالله!
من الذي تسبب في الكوارث للسودان؟ انه هو ، العسكري ، قائد حزب إسلامي يؤمن بتطبيق الشريعة مئة بالمئة ، المطلوب للمحاكمة من قبل المجتمع الدولي!
نظام البشير المذهبي هو أكثر الأنظمة نفاقاً واستهتاراً ، فالسلطة التي افترضت الإسلام مبدأ عملها مارست التعصب القومي ضد المسلمين من أصل افريقي وأطلقت عصاباتها في مذبحة كبرى ضدهم ، كما مارست الاستبداد القومي ضد المسيحيين في الجنوب . دولة البشير الشوفينية تتخفى وراء الاسلام ، لعلها تجد فيه روحها الضائعة ، لكنها في المحصلة تسيء الى القومية والدين .
في مديح دستوره الجديد قال البشير "لا شيء سيحفظ لغير المسلمين حقوقهم سوى الشريعة الاسلامية لأنها عادلة" كأنه لم يذبح المسلمين الأفارقة ، وكأن الجنوب السوداني لم ينفصل عنه هربا من طريقته في تطبيق الشريعة وتمزيق السودان بإثارة الفتن وقيادة الحملات العسكرية وتنظيم المذابح.
لنقرأ في كتاب (يوميات الدولة الإسلامية) في السودان من إعداد عبد الماجد عليش. هذا الكتاب مثير ويصيب المرء بالرجفة ، وقد اعتمد على عناوين الصحف ، مراجعا تلك العناوين التي أشارت الى تطبيق الحدود وتحريم الخمور وتغييب الحريات الشخصية والعامة، وممارسة التعذيب البدني على المعارضين، والأحكام بالاعدام على المضربين والمحتجين.
بشاعة تطبيق الشريعة وصلت مرحلة مرعبة ، فقد قطعت يد سارق قام بسرقة 250 جنيهاً ثم علقت برقبته. في حين أن الشيخ الترابي قال لقناة أبوظبى الفضائية دون خجل :(ثروة ابنى عصام 25 مليون جنيه) .
هل تتذكرون ابتسامة الترابي الجميلة؟ ابتسامة تعضّد كلامه عن العدالة الإسلامية بوصفها قائمة على البداهة والبراءة وتحصيل الحاصل . المثال هو فترة النبوة والراشدين ، لكن ما أن نبتعد شبراً حتى يسقط المفهوم ويتحلل . عندما نصل الى لحظة الترابي والبشير تمارس أسنان الترابي البيضاء الشانتاج واللعب والعض الخفي ، كما تمارس عيناه الغمز من قناة مجهولين يبدو أنه وحدهم من يعرفهم .
إليكم ما ينقله عليش من إحدى الصحف في يوم 24 مايو من العام 1985 : (شهدت شوارع الخرطوم موكباً فريداً، يتكون من عشرات المواطنين، بعضهم قُطعَت يدُه والبعض قُطعت رِجله، ومنهم من فَقَد عينه، وقد توجهوا جميعاً من مركز 'الأطراف الصناعية' إلى مقر المجلس العسكرى، وقدِّر عددهم بما لا يقل عن 600 شخص، ما بين 18 و25 عاماً، طبقت عليهم بعض الحدود (
هذا مشهد يوم الحشر - السوداني .
حافظ الشيخ الزاكى واحد من أعمدة النظام الدينيين قال عام 1983 لصحيفة الشرق الأوسط، تمهيداً لتطبيق الحدود في السودان مخففاً منها (على مدى 6 قرون فى الدولة الإسلامية لم تُقطع إلا ست أيادٍ فقط(
لكن هذه الإحالة الى الإسلام القديم ، مثل إحالات الترابي ، ما أن نقربها من جمهورية السودان التي يقودها عسكري جلف حتى يبدو الأمر أننا إزاء جريمة تتغطى ببرقع . لأننا إذا قارنا تطبيق الحدود في الماضي وفي الحاضر ، فسنعرف أن السودان طبق الحدود خلال عام واحد مئة ضعف مما جرى بستة قرون!