مكافحة الفساد في العراق دروس من التجربة البرازيلية

رقم العدد: 4410 نوع النسخة: ورقية تاريخ اخر تعديل: 4/15/2019 7:47:29 PM

د.أحمد عبد الرزاق شكارة

    عقد مجلس مكافحة الفساد برئاسة رئيس الحكومة السيد عادل عبد المهدي والمؤلف من جهازي المخابرات والأمن الوطني ، هيئة النزاهة وديوان الرقابة المالية ومجلس القضاء الأعلى والمفتشيين العموميين جلسات متتالية بلغت حتى كتابة المقال 9 جلسات لمناقشة ملفات عدة وصلت الى 14000 ملف فساد رقم مذهل (يمكن أن يكون أكبر من ذلك منها) مايخص تحديداً قضايا إهدار المال العام وغسل وتبيض الأموال وتهالك وإندثار وتلكؤ المشاريع الخدمية والاستثمارية في بغداد ،والبصرة والموصل بل وفي عموم محافظات العراق.. في الجلسات الأخيرة تم بحث مسألة مدى إمكانية تفعيل مكاتب المفتشين الحكوميين ودور الادعاء العام في الكشف عن قضايا الفساد ، إضافة لجملة مسائل مهمة مثل تقارير لجنة النزاهة بشأن الحاجة لمحقيين كفوئين للتسريع في إنجاز ملفات الفساد وفقا لأعلى درجات المهنية . ضمن هذا السياق أيضاً تأتي أهمية التدقيق المشدد لملفات تختص بنزاهة عمل المسؤولين الإداريين على مختلف مستويات الهرم الإداري سياق مهم يتناول ضرورة نشر إفادات المسؤولين والوزراء.  استعرض المجلس كذلك عدداً من الاجراءات المهمة المتعلقة بمنع تهريب النفط عبرالمنافذ الحدودية العراقية مع دول الجوار. استخدام التقنية الحديثة لتسهيل العمل الإداري عدت عنواناً لابد منه في مايعرف "أتمتة العمل الجمركي" بشكل يتناغم ويتناسق مع أداء فاعل للدولة. ضمن هذا الإطار أكد المجلس على مسألة تدقيق عقارات الدولة وإحالة ملف مكافحة المخدرات إلى مجلس الوزراء لإتخاذ الاجراءات اللازمة . كما لم يغفل المجلس عن قلق مشروع يرتبط بضرورة استقرار مرتبات مسؤولي الدولة ومنتسبي الأجهزة الامنية الذين لازالوا ليل نهار يعملون على إزالة كل أنواع الفساد أو جله من مؤسسات الدولة. ترافق موضوع النظر الجدي لكل ملفات الفساد مع إصدار المجلس قرارا بتشكيل محكمة مختصة لملاحقة كبار الفاسدين المتهمين بعمليات إهدار المال العام وغسل الأموال وغيرها من الجرائم التي لم توفر للعراق سوى الخراب والتأخر أعواماً عدة في بناء أو نهضة الدولة العراقية. صحيح أن مثل هذه الاجراءات تتطلب توفر إرادة حازمة من قبل الرئاسات الثلاث تنفيذ – تشريع وقضاء بهدف تسريع العمل وتنسيق الجهود بصورة مكثفة يتحقق من خلالها إنجازات طالما أنتظرها  الشعب العراقي بفارغ الصبر. ولعل من الأهمية بمكان أن يأخذ جدياً مجلس مكافحة الفساد بمقترح إشراك منظمات المجتمع المدني العراقي للقيام بمراقبة السلوك الحكومي – الإداري للتأكد من مدى حسن إدارة البلاد بصورة تشعر المواطن بحق أن حرياته وكرامته وحقوقه الاساسية مصانة ولايجوز الاخلال بها أو الاساءة لها بأي حال من الاحوال او تحت أي ظرف من الظروف على أن يتم كل ذلك من خلال التزام متوازن نسبيا بين الحقوق الانسانية والالتزامات أو "الواجبات المقررة" للمواطنين تجاه السلطات الرسمية المعنية دون ضرر أو إضرار . صحيح إن تجربة العراق مثقلة بملفات الفساد ولها خصوصية في المعالجة ولكن من المهم الاطلاع على تجارب دول أخرى تتقاطع أوقد تختلف في مسارها في كيفية معالجة قضايا الفساد منها مثلا تجربة الفساد في البرازيل التي تعد من أبرز دول أمريكا اللاتينية. من نقاط التماثل بين التجربتين البرازيلية والعراقية إن الشعبين البرازيلي والعراقي قد توصلا لقناعة تقول أن الساسة في الدولتين لم يحسنا إدارة الدولة بكفاءة "أي من خلال حكم راشد أو رشيد"  بالتالي وترتيباً على ذلك بدأت الثقة المتبادلة بين الشعوب وحكامهم تأخذ بالضعف التدريجي بل وبالافتقاد في نهاية المطاف . ترتيباً على ذلك وكنتيجة لانتشار وتجذر الفساد كان لابد من دور قضائي مستقل ومؤثر يفتح أهم ملفات الفساد من أجل إتخاذ إجراءات حاسمة تقطع دابره كلياً أو جزيئاً وفقاً لحكم القانون وهذا ماتم فعلاً بدءاً بمحاسبة كل الجهات الأحزاب والشخصيات المسؤولة الرئيسة عن إهدار المال العام وغسل الأموال من الامثلة فضيحة تدعى ب"لافا جاتو" وهي في جوهرها عمليات فساد اندلعت في عام 2014 واستمرت حتى عام 2018 حيث تم محاسبة وإدانة 200 شخص من المسؤولين عن ملفات الفساد المختلفة . ذات الشيء من الممكن أن يصار إليه في العراق عقب إجراء كافة التحقيقات القانونية اللازمة الشفافة ومن ثم إجراء محاكمات تتبع الأساليب القضائية السليمة وصولاً إلى نتائج تلبية مطامح الشعب وأمانيه في حياة كريمة تحترم حقوق الانسان وحرياته.  في نيسان 2017 في ظل حكومة ميشال تيمير  Michel Temer استقال 3 وزراء عقب شهر واحد فقط من استلامها للحكم نتيجة لإتهامهم بتهمة الفساد كما ووجهت إتهامات رئيسة أخرى ضمن ذات السياق ضد 98 شخصية نافذة في السلطة السياسية البرازيلية من ضمنهم 8 وزراء و38 عضواً من الكونغرس و24 سناتوراً (المجلس النيابي بغرفتيه) . أكثر من ذلك وجهت أيضاً إلى الرئيس البرازيلي السابق تيمير إتهامات متعددة بالفساد الخطير ، حيث إن الرئيس السابق للبرازيل استخدم صلاحياته الدستورية بالحصانة للتهرب من اية محاكمة ولكن بمجرد تخليه عن الحكم في فترة لاحقة وجهت إليه 4 تهم قضائية كبرى تتعلق بالفساد وبغسل الاموال. ولعل في هذا الدرس عبرة لمن يعتبر ممن بيدهم الحل والعقد في العراق خاصة الذين لم يحسنوا إحترام العقد الاجتماعي مع شعبهم والذين مازال بعضهم يحتمي بستار الحصانة علها تكن "الحبل السري لإنقاذهم" من مصير مماثل مشؤوم لبعض ساسة الحكم في البرازيل. منذ استعادة البرازيل للحكم الديمقراطي في 1985 عد الرئيس البرازيلي السابق تيمير من خلال استبيان سكاني أنه الاقل شعبية بمعدل وصل اليه هو 5% فقط مقارنة بمعدل ال14% الذي وصلته في أول عامين من تسنمه الحكم . خلال حكمه (2016-2018) سعى تيمير إلى ان ينتشل البرازيل من الأزمة الاقتصادية من خلال اتباع سياسات وإجراءات إقتصادية تقشفية قاسية لكنها لم تؤد إلى رفع مستوى شعبيته بل الى تدنيها الى حدود غير مسبوقة . من الاجراءات المجحفة التي اتخذها تيمير تجميد نسب الانفاق الاجتماعي ، وهذا بالضبط ما وجهته الأمم المتحدة من نقد حاد لأجراءات الحكومة البرازيلية التحكيمة الشديدة القساوة التي ضيقت على المواطنين كثيرا في مستويات ونوعية حياتها بحيث وصفت بإنها الاقسى التي عرافتها البرازيل في تاريخها السياسي . في ال21 من آذار 2019 تم اعتقال الرئيس السابق تيمير كجزء من تحقيقات لافا جاتو لغسل الأموال ولهدر المال العام إذ كلفت الدولة مايقارب من أكثر من نصف مليار دولار اشتملت على عمليات رشى متنوعة. هذا وعند سؤال الرئيس الحالي اليمني التوجه جاير بولسنارو  عن سبب اعتقال تيمير أجاب : " إن العدالة يجب أن تطبق على الجميع وبأن كل شخص مسؤول عن أفعاله". كشفت الأيام اللاحقة مفارقة مهمة وهي أن جزءاً من الطاقم الوزاري للرئيس الجديد بولسنارو قام بتوفير حماية للرئيس السابق تيمير من خلال ايقاف التحقيقات القانونية عند حدود لن تمكن من تقديم قضيته إلى المحكمة العليا. إن تحليل ما جرى ويجري في البرازيل اعتبر جزءاً لايتجزأ من ما يعرف بظاهرة الفساد التي سادت مراحل سابقة من التاريخ البرازيلي من نماذجها مقولة برازيلية سائدة مفادها انه برغم وضع بعض الساسة للاموال في جيوبهم (اي يمارسون بعضا من الفساد) إلا أن مايخفف من الأمر إنهم (اي قادة البلاد) استطاعوا تحقيق عدد من الانجازات لبلادهم. ترتيباً على ذلك لم يعبأ البرازيليون باستبعاد هؤلاء الفاسدين كليا من الحياة السياسية بل أعادوا انتخابهم لحقبة جديدة . مسألة في اجتهادي المتواضع ليست بعيدة كل البعد عن نمط التفكير السائد في العديد من بلادنا العربية والعراق من ضمنها بينما من المفترض أن يتغير مثل هذا التوجه بإتجاه إعتماد خيارات أخرى تعمد لإصلاح الاوضاع خاصة وإن دولنا لاتعدم فيها الكفاءات والخبرات الوطنية التخصصية أو المهنية إذا ما تم استقطابها بشكل موضوعي سليم وفقا لمعايير ليست تقنية فقط وأنما لكونها شخصيات تتمتع بقيم عالية أخلاقياً وقيمياً. ولعل المثال الأوضح هو إنتخاب الرئيس السابق دي لولا نالت شعبية واسعة النطاق كونه أحدث نقلة نوعية في منجزات الاقتصاد السياسي البرازيلي الذي انعكس بالضرورة على تقوية ونماء ظاهرة العدل الاجتماعي  لدى الطبقات فقيرة الدخل في البرازيل ، نهج حاولت الرئيسة البرازيلية السابقة ديلما روزيف أن تتابعه قبل تنحيها عن الحكم بقضية فساد تخص إساءة إدارة الموازنة الفدرالية البرازيلية. دي لولا ذاته اتهم أتهاماً خطط بإحكام من قبل قوى اليمين البرازيلي الذي ينتمي اليه الرئيس الحالي – علما بإنه لم يرقَ في نظر الكثير من البرازيليين إلى قضية فساد كبرى – ولكن دي لولا حوسب عليه حساباً قضائياً عسيراً اعتبره الكثير من الشعب البرازيلي مجحفاً أو غير عادل إذ إن الهدف منه كان لاستبعاده كلياً من الوصول للسلطة عقب انتخابات عام 2018 . العبرة التي يجب الاستفادة منها في التجربة العراقية لمكافحة الفساد هي أنه لابد من إحكام قبضة القانون نصاً وروحاً بصورة تري المواطن العراقي أن قوة القانون مهابة وهي الاساس وليس قانون القوة هذا من ناحية . كما أن تطبيق العدل الاجتماعي – الاقتصادي لابد أن يكون المنهج الثابت الذي تسعى إليه السلطة الحاكمة لتعميمه في البلاد كلها . كل ذلك يجب ان يتم من خلال احلال دولة المواطنة "الدولة المدنية الديمقراطية للمؤسسات" بدلا من دولة نظامها السياسي ديمقراطي شكلاً ولكنه بعيد كل البعد عن الممارسة الديمقراطية الحقة حيث الصراعات الشخصية أو الضيقة الافق المستمرة بين الساسة التي لاتلبي الاحتياجات الاساسية للمواطنين من حقوق وحريات في ظل منهج للموازنة الدقيقة العادلة بين الحقوق من جهة والواجبات او المسؤوليات الجماعية للمواطن – للمجتمع وللدولة من جهة مكملة أخرى. أخيراً لابد من التأكيد أن تجربة العراق بحاجة للمتابعة وللمراجعة المستمرة بغية إيجاد حلول واقعية وموضوعية تناسب الوضع العراقي بكل عناصره وتعقيداته الناجمة عن تفاعلات ، تدخلات وتاثيرات متبادلة للمحيطين الداخلي والخارجي. وللموضوع عودة أخرى بالنظر لما يواجهه العراق من تحديات وأزمات سياسية - مجتمعية – اقتصادية –بيئية (مثلاً أزمات الفيضانات والجفاف) وأمنية وغيرها متعددة الجوانب والتي إن لم تعالج بصورة جذرية تخفف من معاناة الانسان العراقي مؤكدة كرامته وعزته ستنتهي إلى وضع غير مجد - بائس او فاشل فعلياً مما سيعطي فرصة أخرى لنظام المحاصصة (الحزبية - الطائفية والعرقية والقبلية والجهوية) المقيت لتكريس الفساد وتجذره لمراحل قادمة ما سيصعب البدء بعمليات الإصلاح الشامل والحقيقي الذي نحن بأمسْ الحاجة اليها .