الصوم.. من منظور سيكولوجي

رقم العدد: 4424 نوع النسخة: ورقية تاريخ اخر تعديل: 5/6/2019 8:28:35 PM

.د.قاسم حسين صالح

تتعدد وجهات النظر في الصوم، ولا يعنينا هنا أمره من منظور الأديان الثلاثة:اليهودية،والمسيحية،والأسلام،التي تختلف اختلافاً كبيراً في طريقة الصوم ومدته التي حددها الاسلام بشهر رمضان بكف النفس عن اللذات الثلاث(الطعام ،والشراب، والجماع ) في أوقات الإمساك والترخيص بها في الإفطار.واختلافها أيضاً في فلسفة الصيام التي حددها الأمام الغزالي بقوله:(إعلم إن الصوم ثلاث درجات: صوم العموم، وصوم الخصوص، وصوم خصوص الخصوص. أما صوم العموم فهو كف البطن والفرج عن قضاء الشهوة ،وإما صوم الخصوص فو كف السمع والبصر واللسان والرجل وسائر الجوارح عن الآثام،وإما صوم خصوص الخصوص فصوم القلب عن الهمم الدنيئة والأفكار الدنيوية.." الغزالي:أسرار الصوم،ص:40"(
ما يعنينا هنا هو التحليل السيكولوجي للصوم،نوجزه في القول بوجود موقفين متضادين من الصوم: الأول يتبناه كتّاب وأطباء نفسانيون عرب،يرون أن الصوم يؤدي الى انخفاض مستوى الجلوكوز في المخ،فينجم عنه اضطراب في عمل الدماغ، واختلال في إفرازات الهرمونات وتوقيتات الساعة البيولوجية..لأن جسم الإنسان اعتاد على أن ينشط في النهار ويستهلك طاقة،وإن النوم في الليل يعمل على ترميم ما اهترأ في الجسم..ما يعني أن الصوم،وفقاً لهذا الرأي ،مضر بجسم الإنسان لأنه يضطره الى أن يسهر في الليل وينام كثيراً في النهار،وإنه يسبب السمنة ،وله انعكاسات نفسية سلبية يكفيك منها التوتر العصبي، وتعكر المزاج، والنرفزة، والصداع، والدوخة، الناجمة عن انخفاض نسبة السكر في الدم، والخلل في إيقاع الساعة البيولوجية..فضلاً عن إن الصوم يؤدي الى ضعف الأداء الوظيفي، وانخفاض الأنتاجية على مستوى الفرد والمؤسسات الحكومية والأهلية..وقضايا اجتماعية أوجعها حسرات أطفال الفقراء واليتامى في العيد.
الموقف الثاني نبدأه بما قاله الحائز على جائزة نوبل في الطب الدكتور ألكسيس كاريك بكتابه ( الإنسان ذلك المجهول ) ما نصه: (إن كثرة وجبات الطعام وانتظامها ووفرتها تعطّل وظيفة أدت دوراً عظيما في بقاء الأجناس البشرية،وهي وظيفة التكيف على قلّة الطعام)..بمعنى أن الصوم يدرّب جسم الانسان على التكيّف في الأزمات الأقتصادية.ووفقاً لما يراه هذا الطبيب فان خلف الشعور بالجوع تحدث ظاهرة أهم هي أن سكر الكبد سيتحرك،وتتحرك معه أيضا الدهون المخزونة تحت الجلد، وبروتينات العضل والغدد، وخلايا الكبد..ليتحقق في النهاية الوصول الى كمال الوسيط الوظيفي للأعضاء..ويخلص الى القول بأن الصوم ينظّف ويبدّل أنسجتنا ويضمن سلامة القلب.
وحديثاً، يرى علماء نفس وأطباء نفسانيون في اميركا وانجلترا وأوروبا، إن بقاء الإنسان على نفس الروتين والايقاع في عمل الجسم، يؤدي الى الكسل والخدر والموت قبل الآوان،فيما التغيير يؤدي الى تنشيط البدن ويمنحه حيوية تطيل العمر. وتوصل آخرون الى نتائج سيكولوجية مدهشة بأن الصوم ينمّي قدرة الانسان على التحكّم في الذات،ويدرّبه على ترك عادات سيئة، ويمنحه الفرصة على اكتساب ضوابط جديدة في السلوك تنعكس إيجابيا على شخصيته هو والمجتمع أيضاً. مثال ذلك ،إن الصائم الذي اعتاد على تدخين علبة كاملة في اليوم فأن تدربه على الامتناع عنها في النهار قد يدفع به الى تركه. وقل الشيء ذاته عن آخر اعتاد على ان يغتاب او يكذب ودرّبه صيامه على الامتناع عنهما شهراً لا يوماً أو أسبوعاً،معللين ذلك بقانون نفسي،هو: إن كثرة التدريب على سلوك جديد يؤدي الى ثباته..وأن الصوم،بهذا المفهوم،وسيلة علاجية لمن يعانون القلق النفسي والاكتئاب..والاغتراب الاجتماعي، والسياسي أيضاً!..غير أن ذلك قد ينطبق على المصريين ولا ينطبق على العراقيين! .
في السياق ذاته تخلص دراسة الدكتور (باري شوارتز) الى نتيجة أخرى مدهشة، هي أن نفسية الاكتئاب والإحباط ترتبط بالإفراط في الانسياق مع تيار الاستهلاك الذي أصبح ظاهرة بالعصر الحديث وصفها إيريك فروم و هربرت ماركيوز بأنها سلبية خطيرة تنخر في نفسية الإنسان،وأن كبح الشهوات الغريزية والسيطرة على الرغبات عن طريق الصوم يؤدي الى خفضها. ولك أن تطلع على ما يدهشك في كتب: "الصوم" لهربرت شيلتون ، و "الجوع من أجل الصحة" لنيكولايف بيلوي " و "الصوم" لجيسبير بولينغ،"..مستندين الى ما أكدته أبحاث أنثربولوجيا الأديان بأن فعل الصوم يكاد يكون سلوكاً مشتركاً بين جميع الملل الدينية.
والمدهش أكثر أن مجلة (سيكولوجست) تؤكد ظهور عشرات المراكز الطبية في دول العالم،(الجمعية العالمية للصحة،وجمعية الطبيعة والصحة بكندا،والجمعية الأميركية للصحة الطبيعية،وأخرى في اليابان والهند والصين..) اعتمدت الصوم وسيلة علاجية..تسهم في ضبط الشهوات والتحكحم بالانفعالات( الغضب مثلا)..وضبط اللسان حين يهم بقضم سمعة فلانه أو فلان.
إن الغالبية المطلقة من العراقيين،والعرب أيضاً ،يفهمون الصوم على إنه فرض ديني واجب ولا يمتلكون فهماً بهذه القضايا السيكولوجية التي نأمل من وسائل الأعلام والبرامج الدينية في الفضائيات أن تلتقط أفكارها وتوصلها للصائمين بلغة سهلة ليتحقق صوم رمضان بدرجاته الثلاث:صوم العموم، وصوم الخصوص، وصوم خصوص الخصوص.