الحجاب.. وجهات نظر مختلفة

رقم العدد: 4425 نوع النسخة: ورقية تاريخ اخر تعديل: 5/7/2019 8:25:56 PM

هادي عزيز علي

"القسم الاول "

احتل الحجاب مساحة واسعة من التناول فضلاً عن مساحته الواسعة زمنياً. دخل فيه فقهاء مسلمون تقليديون وسلفيون فضلاً عن كتب التفاسير مع طغيان الرؤية الذكورية لمتناوليه . وعلى الرغم من كثرة ما كتب فيه إلا إننا لم نجد إضافات نوعية يمكن أن ترتقي بهذا الموضوع انطلاقاً من حركة الزمن وملازمة التغيير . الملفت للنظر إنَّ هذا المرورث بزمنه الطويل جعله يتحول إلى المقدس ويأثم مَنْ يحاول تغييره . وقد قيدت تلك الآراء حركة المرأة وحريتها ؛ ونظراً لانَّ الكثير من الآراء الواردة فيه قد طالها التقادم أو إنَّها لا تنسجم والأحكام الشرعية سواء ما ورد أحكامه في القرآن الكريم أو السنة النبوية المتواترة فقد ظهرت محاولات عديدة لإيجاد قراءة معاصرة لهذا الموضوع من قبل رجال دين أو مفكرين إسلاميين أو مفكرين من علوم أخرى من أجل إجراء مقاربة بين هذا الموضوع ومدى تماهيه أو بعده عن الأحكام الشرعية ، نحاول هنا الوقوف على تلك الآراء التي اجتهد بها أصحابها ، مع الاختصار لمقولاتهم – ليس بالاختصار المخل – بغية وصول المعلومة إلى المتلقي بسهولة ، ومن ثم نبَّين قراءتنا لتلك المقولات والنتيجة المتوخاة لتلك القراءة وعلى الوجه الاتي:
كبيرة هي الضجّة التي أثيرت حول الحجاب منذ زمن ليس بالقريب وما زالت لأنَّ الدراسات العلمية والبحثية الجادة شحيحة جداً فقد سيطر الرأي الشرعي المختلط بالعادات والأعراف حول هذا الموضوع ويحاول البعض قراءة هذا الموضوع قراءة حديثة أي قراءة شرعية حديثة ، ومع الجهد النبيل للقراءة الحديثة فإنَّ الطلب لدراسات علمية بحثية وعلى وفق مناهج البحث العلمي مطلوبة جداً لتخرج من حالة الشدّ والجذب بين مَنْ يعتقد إنَّه فرض وبين مَنْ يضفي مسحة الحداثة عليه؛ لذا فإنَّ الممارسة الفعلية لهذا الموضوع توصلنا إلى أنَّه ليس موضوعاً عقائدياً فحسب بل قد يكون سياسياً أو موضوعاً يتعلق بحقوق النساء أو موضوعاً ثقافياً أو استهلاكياً وما سواه من المواضيع الأخرى . وفي هذا الصدد يقول روبرت بانج : "لا يمكن قراءة الحجاب من فضاء محايد بدون مصالح" .
* * *
الحجاب ورؤية المفكر محمد أبو القاسم حاج حمد . الحجاب في اللغة هو (الخباء) الذي تدخله المرأة فتحتجب كلياً عن الأنظار فلا يراها أحد وإن سمع صوتها ولا علاقة للحجاب بالثوب ولا بالخمار ، وقد ورد الحجاب في القرآن في مواضع عدَّة : (وَإذّا قَرَأْتَ القُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجَابْاً مَّستُورَا) (الإسراء/ 45). وقد فسر المفسرون معنى الحجاب في هذه الآية هو الساتر الغيظ كالجبال. وفي موضع آخر : (كَلَّا إِنَّهُمْ عضن رَّبِّهِمْ يَؤمَئِذٍ لَّمَحْجَوبُون) (المطففين / 15). ثمَّ يرد الحجاب في قوله : (وَاذْكُرْ فِي الكِتّابِ مَرْيَمَ إِذِ انتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَاناً شرْقيَّاً (16) فأتَّخَذَتْ مِن دُونِهِمْ حِجَاباً فَأَرْسَلْنا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرا سَوِيَّا ). (مريم / 16-17) . فالحجاب في هذه الآية هو المكان المنعزل عن أهلها والبعيد عنهم وهو (مَكَاناً شَرْقَيَّا ) هذا المكان المنعزل المقدس الصالح لنفخ فيها الروح القدس كلمة الله عيسى الذي ظهر بسلطان اسم المسيح وفي هذا المعنى لا يمكن أن يكون الحجاب لباساً تتسربل به المرأة وتصبح كتلة سوداء متحركة .
وفي نص آية الأحزاب : (يا أيها النَّبِيُّ قُل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يُدنين عليهن من جلابيبهنَّ ذلك أدنى أن يُعرَفْنَ فلا يُؤذين وكان الله غفوراً رحيماً) (الاحزاب / 59) . هذه الآية هي دعوة للمرأة للكشف عن شخصيتها وهويتها وليس أن تتسربل باللباس بحيث لا يرى منها لا شيئاً ولا يعرف مَنْ هي ، ويقول الباحث إنَّ سبب نزول هذه الآية في أمر النساء أن يدنين من جلابيبهن ، أي كشف شخصيتهن هو أنَّ من عادات العرب وعرفهم وتقاليدهم أنَّ جلابيب النساء تغطي كلّ الجسم ، وقد استغل هذا الوضع من قبل أعداء المسلمين ، إذ دخل بعض من خصوم المسلمين في صفوف المسلمين متخفين بجلابيب النساء في واقعة الخندق ؛ فنزلت الآية لكشف النساء عن شخصيتهن وتوديع جلباب التقليد ولإبطال تخفي الرجال الخصوم بالجلابيب تلك إذن هي دعوة قرآنية لكي تكشف المرأة عن شخصيتها لكي يعرفها الآخرون خلافاً لما ذهب إليه البعض في تفسير ذلك على أنَه دعوة لستر الجسد بالكامل .
والحجاب المقصود بألآيات القرآنية هو غير الحجاب المعروف اجتماعياً في الوقت الحاضر لدرجة من الوضوح لا تحتاج إلى كبير اجتهاد كقوله: (وإذا سألتموهن متاعاً فاسألوهُنَّ من وَرَاءِ حِجَابٍ) (الأحزاب/ من الآية 53) . فالحجاب المشار إليه في هذه الآية يأتي بعد منع المسلمين من دخول البيت حتى ولو كان السائل لأمهات المسلمين متاعاً فلا يحقّ لهم السؤال إلا من وراء الحجاب ، أي الحجاب الموضوع من وراء الباب . وتدلّ سورة الشورى على المعنى المقصود بالحجاب ذاته في الآية السابقة بقوله: (وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحياً أو من وراء حجاب) (الشورى / من الآية 51) . والحاجب في هذه الآية وما سبقتها من آيات هو غير الجلباب كما أنَّه ليس بالخمار فضلاً عن أنه لم يقصد به الثوب أو الخباء ، الحائط حجاب والدار المغلقة حجاب وليس ثمَّة حجاب للمرأة في الإسلام وفي القرآن الكريم إلا على وفق الموضوع الموصوف أعلاه.
(تشريعات العائلة في الإسلام – محمد أبو القاسم حاج حمد – دار الساقي بيروت – طبعة أولى 2011 – ص 208).
* * *
رؤية علي شريعتي
يتحدث الرجل أوَّلاً عن الفترة التي سبقت موجة ارتداء النسوة المسلمات ما يعرف حالياً بالحجاب فيقول عن تلك الفترة : إنَّه كان ينظر إلى الفتاة المحجبة في الجامعة على أنَّها فتاة متعصبة بشدَّة والانطباع الذي يولده المرء عند رؤيتها على أنَّها من أسرة متخلّفة اجتماعياً وثقافياً وحضارياً و إنَّها فضلآً عن ذلك فقيرة جداً ، فالعباءة التي ترتديها ما هي إلا ستر تخفي به ثيابها الرثة أو الثياب التي لا تتماشى مع الموضة؛ لأنه لا يوجد في ذلك الوقت سبباً لارتداء العباءة إلا ما ذُكِر في تبرير ذلك الارتداء.
وقد كانت السافرة حينئذ تتابع أحدث الأزياء وتطلع على آخر التقليعات وما تطرحه أسواق الملابس في أوروبا وهي فضلاً عن هذا الاهتمام ، فإنَّها تشعر بالتفوق على المحجبة ، في حين تشعر الأخيرة بالدونية تجاه الأولى ، لأنَّها تجهل القيم الحديثة بسبب انتمائها إلى قيم في طور الاندثار والاضمحلال ، لأنَّها ترتبط بثقافة متخلفة وبائدة .
انطوت تلك الفترة بما لها من موقف تجاه ما يسمّى الحجاب وظهر هذا الاتجاه الإسلامي السائد حالياً الذي له أسبابه التي تناولته الأقلام بمزيد من البحث والتقصي وأعيد ذلك الموروث لا بصفته تقليداً يقرّه المجتمع بل كأيديولوجية جديدة ومسؤولية انعكس أثره على الفتيات اللاتي كن لوقت قريب يتظاهرن بالحداثة ومواكبة أحدث الملابس التي تطرحها دور الأزياء في العديد من المدن الأوروبية وما سواها إلا أنَّ هذا التحوّل صاحبه في أحيان عديدة التطرّف المتضمن العودة إلى التعاليم الدينية وفي الجانب الفقهي منه والرأي لدى الرجل أنَّ هذا الإنسان لم يتغير ، فالشخص الذي يستهويه الزيّ الحالي هو نفسه أي الشخص ذاته الذي كانت تستهويه بالأمس الأزياء الغربية إنَّما الذي تغير هو (القيم) ، فالفتاة التي كانت ترى في الحجاب ينتمي إلى تقليد رجعي هي ذاتها ترى أنَّ الحجاب حالياً يرمز إلى أيديولوجية إنسانية جديدة .
إنَّ نزعة الحداثة ونزعة الحجاب ينطلقان من رأيين دينين : الأوَّل يرى إن الحجاب تقليد موروث من الماضي ظل متعلقاً بأذيالنا ولا يصح فرضه قسراً على الجيل الجديد . والثاني يرى فيه إنَه موروث ينتمي إلى الدين.
ويضيف إنّ العامَّة من الناس في المجتمعات الإسلامية ترى في الحجاب منهجاً فكرياً خاصاً وبالنسبة له أنَّ الموضوع ليس كذلك . فما علاقة المنهج الفكري في الحجاب الذي تلتحفه المؤمنة والفاسقة وما سواهما من الصالحات والطالحات؟ ! إذ قد ترتديه امرأة تنتسب لليمين وترتديه أخرى تنتسب لليسار ، وهو بالتالي زيٌ موروثٌ وليس زياً عقائدياً .
نظرتان حول مسألة الحجاب – يرى شريعتي أنَّ هناك نظرتين حول مسألة الحجاب : الأولى ترى إنَّه يرمز إلى الفتاة التي ترتديه باعتبارها نموذجاً للتفكير العقائدي الديني الخاص، وهو عبارة عن عادة متوارثة من السلف فضلاً عن كونه تحد للثقافة الغربية ومن قبلها الاستعمار ؛ عليه فإنَّ ارتداءه يمثل إسقاطاً لجميع المخططات الغربية التي نالت منا ومن موروثنا عقود عديدة.
أمَّا النوع الثاني- فيرى أنَّ الحجاب ينطلق من التماشي مع التقاليد الموروثة والسائدة بين الأمهات والعمات والخالات وعموم البيئة الاجتماعية ، وهو مجرد لباس تقليدي يرمز بطبيعة الحال إلى الطبقة المتخلّفة التي تعيش في حالة الاحتضار والانقراض والزوال ، إذ إنَّ هذا اللباس التقليدي محكوم زواله بالزمن ؛ لذا فهو رهين بالنبذ لسلفيته وتقاليده الموروثة.
يقول إنّ شخصاً ما وجّه إليه سؤال عن الحجاب وأنَّ ذلك الشخص وحسب ملامحه وجدته يطمح أن يحصل على جواب أطعن فيه بالحجاب ليتخذه حجَّة يدلي فيها في الأسواق وغيرها فقال له إني لست فقيهاً ولا بزازاً وإنَّما أنا عالم اجتماع ؛ فسأله وما رأي علم الاجتماع بالحجاب ؟ فقال له : لا شأن لي بقماش الحجاب وإنَّما أتعامل مع الإنسان الذي في داخل ذلك القماش ومع عدم كفاية الجواب بقي يلح فقال له : لو إنك رسمت الشعب الإيراني على شكل مخروط ستكون قاعدته إلى الأسفل فهؤلاء هم أكثرية الشعب الإيراني وهم أناس بسطاء ويحملون فكراً متخلّفاً ونساؤهم يرتدين الحجاب وإنَّه يدلّ على أنَّهم أناس متخلفين وغير متعلمين وغير متحضرين ولا معرفة لديهم بالعالم الحديث وإنَّهم ما زالوا يعيشون في عهد البوق وهم ورثة عهد ناصر الدين شاه الذي يعدُ رمزاً للتخلف . أمَّا الشريحة التي تقع فوق قاعدة الهرم قليلاً فهي عبارة عن فئة من المتعلمين وفيهم من أصحاب الدراسات العليا . أمَّا قمَّة المخروط فتقع فيه شريحة اجتماعية متطورة وهي آخذة بالتزايد ويقصد هنا النساء بشكل خاص .
(الدكتور علي شريعتي – مسؤولية المرأة – دار النخيل – بغداد – لبنان – 2016 – ص 53 وما بعدها) .