داود أوغلو يوجّه رسالة مطولة لـ"العدالة والتنمية " يحمّل فيها أردوغان مسؤولية أزمات تركيا

رقم العدد: 4426 نوع النسخة: ورقية تاريخ اخر تعديل: 5/12/2019 8:20:13 PM

متابعة: المدى

- القسم الأول -

وجّه رئيس وزراء تركيا الأسبق، أحمد داود أوغلو، انتقادات حادة لحزب العدالة والتنمية الحاكم وألقى باللوم في أداء الحزب الضعيف في الانتخابات المحلية الأخيرة الشهر الماضي، على تغيير السياسات والتحالف مع القوميين.
في أول انتقاد علني شديد يوجهه رئيس وزراء تركيا الأسبق أحمد داود أوغلو للرئيس التركي رجب طيب ردوغان منذ ترك منصبه قبل ثلاثة أعوام، ندد بسياسات حزب العدالة والتنمية، الاقتصادية والقيود التي يفرضها على وسائل الإعلام والضرر الذي قال إنه لحق بالفصل بين السلطات وبالمؤسسات.

وداود أوغلو، الذي كان حليفا مقرباً جداً لأردوغان، عضو في حزب العدالة والتنمية ويتمتع بمكانة بارزة فيه، وتولى رئاسة الحكومة بين عامي 2014 و2016 قبل أن تدب الخلافات بينه وبين أردوغان.
وخسر حزب العدالة والتنمية السيطرة على العاصمة أنقرة واسطنبول أكبر مدن البلاد في الانتخابات البلدية التي جرت يوم 31 آذار.
وذكر داود أوغلو في بيان مكتوب من 15 صفحة نشره على صفحته في موقع التواصل الاجتماعي الفيسبوك "تظهر نتائج الانتخابات أن سياسات التحالف أضرت بحزبنا سواء على مستوى الأصوات أو كيان الحزب".
وشكل حزب العدالة والتنمية وحزب الحركة القومية (يميني متطرّف) تحالفاً قبل الانتخابات الرئاسية والبرلمانية التي أجريت في حزيران العام الماضي وفاز فيها أردوغان بالرئاسة التنفيذية لكن تراجع فيها مستوى التأييد للحزب.
وتكهنت وسائل الإعلام مراراً خلال السنوات القليلة الماضية بانشقاق سياسيين بارزين، مثل داود أوغلو، عن حزب العدالة والتنمية لتأسيس حزب سياسي جديد، لكن لم يحدث تطور كهذا ولم يشر داود أوغلو في البيان إلى أي احتمال لتشكيل حزب جديد. بل وشدّد على الحاجة للإصلاح داخل الحزب. وقال "أدعو المسؤولين التنفيذيين في حزبنا والكيانات المعنية لتقييم كل هذه الأمور ورؤيتنا المستقبلية بعقلانية وهدوء".
تأتي هذه الرسالة أو البيان المطول، وسط توارد للأخبار حول استعداد داود أوغلو لإطلاق حزب سياسي جديد سيضمّ في قوامه العديد من القيادات السابقة لحزب "العدالة والتنمية" الحاكم.
وأحمد داود أوغلو هو عضو في حزب العدالة والتنمية ويتمتع بمكانة بارزة فيه، وتولى رئاسة الحكومة بين 2014 و2016 قبل أن تدب الخلافات بينه وبين أردوغان.
وخسر حزب العدالة والتنمية السيطرة على العاصمة أنقرة واسطنبول أكبر مدن البلاد في الانتخابات التي جرت يوم 31 آذار.
وقد أشارت تقارير خلال الأيام الأخيرة تفيد بعزم أحمد داود أوغلو على تأسيس حزب سياسي جديد مع عدد من الساسة، وسيتزعمه أوغلو والرئيس التركي السابق عبد الله غول.
وكان الصحافي أحمد تاكان قد نشر مقالاً في صحيفة "يني تشاغ"، قال فيه إن أوغلو التقى بعدد كبير من الأعضاء السابقين بحزب العدالة والتنمية، وأخبرهم أنه عازم على تأسيس حزب جديد.
وسرب رئيس حزب العدالة والتنمية السابق أتيلجان بايار، معلومات عن استعداد المعارضين ضمن صفوف الحزب لتشكيل حزب جديد برئاسة أوغلو، إلا أن الأمر لم يعلن عنه رسمياً حتى الأن.
وكان أردوغان وأوغلو على وفاق إلى أن استقال أوغلو من رئاسة الوزراء في أيار 2016، أي بعد عامين من تعيينه بالمنصب في آب 2014.
وتباينت الآراء حول الاستقالة، حيث أعادها محللون إلى اعتراض أوغلو على التعديلات الدستورية التي أرادها أردوغان لتطبيق النظام الرئاسي بدلاً من البرلماني في تركيا.
وقد أجرى أردوغان استفتاء على التعديلات الدستورية التي جاء في مقدمتها تحويل نظام الدولة البرلماني إلى الرئاسي، وقد مرّرت التعديلات بنسبة موافقة وصلت إلى 51.41 بالمئة من أجمالي نسبة التصويت.
و رسالة داود أوغلو للمجتمع التركي، وهي رسالة طويلة، يمكن الاستفادة منها بقوة وفي أجزاء واسعة منها في فهم روح الانظمة الاستبدادية وفهمها للسلطة، واستدارتها شبه الكاملة نحو المنطقة التي تطوع من أجل تحقيق طموحات أتباع كُثر، يمكن الاستفادة من شجاعة النقد أيضاً عندما يكون عميقاً، وجدياً، ومتكئاً، على إمكانيات نظرية.
أزمة الحزب الحاكم في تركيا هي التي تكمُن خلف الأزمة الاقتصاديّة، وغِياب المُراجعات وحِوارات المُصالحة ستُؤدّي إلى تفاقمها حتماً،
ولعلها أزمة شبيهة بما يمر به العراق ، فنموذج مثل أردوغان موجود عند العديد من الساسة العراقيين الذين يعتقدون إنهم أصحاب القرار لوحدهم وإن مصير البلاد متوقف على كلمة منهم . ولهذا تنبهنا رسالة اوغلو ان التّغيير في السّياسات والاتّجاهات والأشخاص هو سنّة الحياة، خاصّةً عندما تبدأ نتائج المُمارسات الخاطِئة تطفو على السّطح وتظهر للعيان، فهل يمكن لنا ان نستفيد من مثل هكذا مراجعات .. ومن أجل هذه المراجعات نعيد نشر النص الكامل للرسالة التي نشرها داود أوغلو على صفحته الرسمية بموقع التواصل الاجتماعي "فيسبوك" بعنوان "استنتاجات حول نتائج انتخابات 31 اذار والظروف السياسية الراهنة":

نص الرسالة
" إننا نمر اليوم في مرحلة تاريخية تشهد التحولات الأكثر كثافة في تاريخ البشرية، ويزداد فيها زخم التواصل والتفاعل بين المجتمعات بصورة فائقة، ويمكن فيها تفعيل الفرص والمخاطر الكبيرة بنفس السوية وفي وقت واحد.
قيمة لحظة تاريخية معينة تكمن في زخم تدفق الأحداث فيها.
في الفترة القادمة، سوف يظهر التمايز الأساس بين أولئك الذين يديرون هذا الزخم من خلال فهم قيمة اللحظة التاريخية، وأولئك الذين ينجرون داخل هذا التدفق عبر الابتعاد عن القيمة الحقيقية للحظة التاريخية.
إن البلدان التي تحدد رؤية تتفق مع طبيعة اللحظة التاريخية، من خلال نهج متماسك يتجاوز التوترات الداخلية، ستكتسب قوة ستحدد مستقبلها لعقود أو حتى لقرون قادمة، بينما البلدان التي تستهلك طاقاتها في توترات داخلية مفرغة، ستمثل فيما بعد الفئات السلبية في مسيرة التاريخ.
والأزمات الأخيرة التي تجري على المستويات الوطنية والإقليمية والدولية، إنما هي آلام الولادة من رحم التاريخ.
في السنوات الأولى، ومع قدوم حزبنا إلى السلطة برؤية تفهم متطلبات المرحلة الزمنية التي كنا نمر بها وقيم الأمة، أظهر بلدنا أداءً التقط فيه زخم التدفق التاريخي بعد أن عشنا تحولًا ديمقراطياً عزز ثقتنا بأنفسنا، ومخططًا لتنمية اقتصادية صاعدة، وتأثيراً دولياً يتوسع في أرجاء الأرض.
لكن التوترات الداخلية التي بدأت مع أحداث غيزي عام 2013، واستمرت مع مؤامرات 17 / 25 كانون الأول، ووصلت إلى مستوى خطير مع عمليات الأنفاق، وبلغت ذروتها مع محاولة الانقلاب الغادر في 15 تموز، قامت بجر بلادنا من موقف يتمتع برؤية وتقدمية إلى موقف متراجع ودفاعي.
وحزبنا الذي يعد اللاعب السياسي الوحيد الذي يمكنه إدارة هذه المرحلة برمتها، عندما بدأ باستهلاك طاقته في مشاكله الداخلية، بسبب تحريضات وتلاعبات تتجاهل الإرادة الوطنية من قبل بعض البؤر التي كان لها دور رائد في عمليات التآمر هذه، اهتز انسجامنا الداخلي وضعفت قدرتنا على إنتاج وتطبيق الرؤى الاستراتيجية.
نحن اليوم نقف على عتبة تاريخية حاسمة. لقد أعربت عن تقديراتي وهواجسي بشأن بلدنا وحزبنا في المراحل الحرجة التي جرت خلال السنوات الثلاث الماضية، مباشرة إلى رئيسنا، شفهياً وخطياً، لكنني اخترت ألا أشاركها مع الرأي العام حتى لا تتحول إلى ذرائع لنقاشات سيئة النوايا من قبل أطراف مختلفة.
إلا أن الوضع الاجتماعي والسياسي الذي برز مع انتخابات 31 آذار والأحداث اللاحقة، خلق حاجة لإجراء محاسبة مفتوحة وشفافة وحكيمة أمام الرأي العام فيما يتعلق بمستقبل حزبنا وبلدنا. وأنا أعتبر تبادل وجهات نظري مع أمتنا العزيزة بمثابة مهمة لا مفر منها عشية الذكرى السنوية الـ 99 لتأسيس برلماننا، وهذا مرتبط بالوعي بمسؤوليتي كثاني رئيس عام لحزب العدالة والتنمية، وآخر رئيس وزراء منتخب من قبل الشعب لبلدنا.
لقد أظهرت انتخابات آذار نتائج مهمة، نحتاج إلى دراستها بحكمة وعقلانية، وقد وجهت رسائل مهمة بالنسبة لمستقبل حزبنا وبلدنا للنظر فيها، ومن الأهمية بمكان فهم هذه الرسائل وجعلها ذات أولوية.
وإذا لم يتم استخلاص الرسائل المهمة من التغييرات التي ظهرت في توجهات شعبنا، واتخاذ الخطوات الواجب القيام بها بحزم، فإن مرحلة صعبة تنتظرنا نحن كحزب العدالة والتنمية، وتنتظر بلدنا تركيا أيضاً.
في هذا السياق، يتعين علينا مواجهة حقيقة التراجع في الدعم الشعبي لحزبنا وتقييم ذلك بطريقة حكيمة، وخاصة فيما يتعلق بنتائج رئاسات بلديات أنقرة وإسطنبول، والتي تمثل رموزاً مهمة لحركتنا في التكتل والمضي إلى السلطة، ولطالما كانت تحت إدارة كوادرنا منذ ربع قرن.
بادئ ذي بدء، علينا أن نتذكر مرة أخرى أن حزب العدالة والتنمية ليس كياناً سياسياً ظهر في ظل شروط سياسية ظرفية. بل على العكس،
إنه نتاج التقاء وتراكم جهد مشترك تبلور من خلال تجاوز التحديات، وعرق جبين وأفكار أجيال متتالية من الأمة عبر التاريخ.
ولهذا السبب، لا يعتمد ويجب ألا يعتمد سبب وجوده ومستقبله على مصير وتقدير أي شخص أو مجموعة اجتماعية محدودة أو مجموعة ذات مصلحة اقتصادية أو حتى جيل واحد.
وبالنظر بعمق نحو الماضي فإن هذه الحركة شُيّدت بجهود الأجيال السابقة، وعلى آمال الأجيال القادمة في المستقبل، فلا ينبغي التضحية بها من أجل النفوس المغرورة والحسابات الضيقة.
إننا مدينون كثيراً للأجيال الماضية التي أسست الأرضية التي بني عليها حزبنا، وإلى الأبطال المجهولين الذين يحملون حزبنا على الأكتاف اليوم.
لقد تشرفت برؤية عمق هذا الإرث الكبير في حملتي للانتخابات العامة في 7 حزيران و1 تشرين الثاني 2015 على وجوه هؤلاء الأبطال المجهولين المخلصين.
نساء "بيرغاما" في "إزمير" اللاتي يملأن الساحة لساعات بحماس تحت المطر حتى في هذه اللحظة، أهالي “ديار بكر” الأبطال الذين احتضنوني واستقبلوني بحشد جماهيري أمام مسجد “أولو” في وقت كان فيه كفاحنا مستمراً ضد الأنفاق التي حفرتها المنظمة الإرهابية الغادرة في “سور”، أعمامنا المسنون في اسطنبول الذي رفعوا أيديهم في المساء للدعاء في تجمعنا الجماهيري في “سنجاق تبه”، أهالي “طرابزون” المفعمة قلوبهم بالمحبة والذين نقلوا حماسة البحر الأسود إلى الساحة في عتمة الليل،
وأهالي “قونية” الأعزاء الذين ودعوني إلى أنقرة بوقار، سواء بوقت الحزن في 7 حزيران أو بوقت الفرح في 1 تشرين الثاني، وأبناء بلدي الأوفياء الذين احتضنوني في 81 ولاية، جميعهم حاضرون أمام عيوني.
في كل إنجاز ومنصب وموقع، نحن مدينون للأجيال السابقة التي ضحت وتحملت شتى أنواع الصعوبات لكي تفتح أمامنا الطريق، ولهؤلاء الأبطال المجهولين الذين يعملون مضحين بأنفسهم في كل عملية انتخابات، ولأجهزتنا التي تعمل على تنظيمهم بكل حماس.
حتى عندما أكتب هذه السطور، أشعر بثقل هذه المسؤولية الكبيرة على كتفي وهو شعور نابع من الشعور بأني مدين لهذه الأجيال. وفي هذا السياق، أقدم استنتاجاتي حول مستقبل حزبنا وبلدنا أمام ضمير أمتنا العميق.
هناك خمسة عناصر أساسية تجعل الحركات والأحزاب السياسية الفاعل المهيمن على مشهد التاريخ( 1 )منظومة مبادئ وقيم داخلية متناسقة (2) خطاب متوافق مع روح منظومة القيم هذه (3) شبكة من العلاقات الاجتماعية منفتحة على جميع شرائح المجتمع،( 4 )هيكل تنظيمي قوي يدير هذه الشبكة بفعالية، (5)فكر حر وعقل تشاركي يتيحان إمكانية تطوير سياسات متوافقة مع روح العصر.
سر تميز حزبنا عن الأحزاب الأخرى طوال تاريخنا السياسي والسبب الأساس لبقائنا في السلطة لفترة طويلة، مخفي في هذه الميزات، ولكن الأحداث التي حدثت في السنوات الأخيرة أظهرت أن هناك ضعفاً خطيراً بالالتزام بهذه العناصر الأساسية وهو يتوسع، والأخطاء والفوضى الملحوظة من كل جانب خلال عملية الانتخابات المحلية الأخيرة وبعدها، هي في الواقع ليست إلا انعكاسات لهذا الخلل.
إن العمل السياسي يقوم على منظومة أخلاقية في الأساس. وتاريخياً كان من أهم الأسس التي قام عليها حزبنا، لكنها تضررت بسبب الخطاب الذي أصبح قائماً على الشعارات وإظهار التمسك بالقيم والمبادئ والتصرف بعكس ذلك، ما جعل المواطنين يفقدون الثقة في خطابنا.
هناك قضايا يتعين الحديث عنها بشكل صريح، الابتعاد عن لغة التواضع واستبدالها بلغة متكبرة أنانية، والخوض في منافسات من أجل إطلاق أسماء حتى السياسيين الذين هم في أصغر المراتب على الشوارع والمدارس والمباني، فضلاً عن التعامل بتعالٍ، والإصرار على الظهور الدائم بلا انقطاع، وتوسيع الهوة بين الوعود الخطابية وحقيقة الأوضاع، واستغلال أمور مقدسة (نابعة من الدين) من أجل تحقيق مكاسب سياسية.
لقد نسي البعض أن العمل السياسي وقيادة البلاد هي منوطة بشخص من يتولى القيادة دون تدخل من عائلته أو الدائرة المحيطة به في صنع القرار. كما أن استخدام وسائل التواصل الاجتماعي، وتجييش من يقومون من خلالها بترويج الافتراءات، وتشويه أي منافس على الساحة، ومحو اعتبار مَن كانوا رفاق كفاح في مسيرة الحزب هو بمثابة انعدام الوفاء لمن بذلوا الكثير من أجل نجاح الحزب.
لقد أثّر الابتعاد الحاصل عن القيم والمبادئ الأساسية بشكل مباشر على خطابنا السياسي أيضاً. وفي الأعوام الأخيرة حلّ خطاب بصبغة دولتية وأمنية وقائم على الأمر الواقع وعلى هواجس البقاء المطلقة بدلًا من خطاب حزبنا السياسي الواثق بنفسه ومستقبله، والذي يركز على الإنسان، ويقوم على حقوق الإنسان والحرية والإصلاح الشامل.
الدولة هي تجسيد للإرادة المشتركة للأشخاص الذين يشكلون الأمة، ولا يمكنهم البقاء بدون هذه الإرادة. الدولة كيان سياسي يوجد بإرادة الأفراد الذين يشكلون المجتمع، وليس من خارجه، وهي آلية إدارية يمكن أن تدوم ما دامت تتمتع بشرعية من المجتمع. ومن خلال إعادة تفسير مبدأ “الشيخ إدبالي”، يمكننا القول إنه لا يمكن لأي دولة أن تكون باقية إذا كانت تهمل الإنسان وحقوقه الأساسية أو تنقصها إلى منصب ثانوي.
يلاحظ حدوث ضيق كبير جداً كذلك في شبكة الاندماج والعلاقات الاجتماعية التي كانت تضع حزبنا في المرتبة الأولى في عموم تركيا. تظهر نتائج الانتخابات الأخيرة إننا حتى مع “تحالف الشعب”، ينحصر نشاطنا السياسي في وسط الأناضول والبحر الأسود مبتعداً عن الأجزاء الساحلية.
وحتى وسط “وسط الأناضول”، هناك تغير حاصل ضدنا. سيتحول هذا التراجع في الدعم على المستوى الجغرافي والاجتماعي، إلى فجوة سياسية إذا لم تعالج أسبابه سواء من حيث الخطاب أو الأفعال.
إن العامل الأكثر أهمية لوقف هذا التراجع في الدعم الاجتماعي هو وجود منظمة مندمجة مع النسيج الاجتماعي الذي توجد فيه ومستعدة للعب دور ديناميكي في المراحل الحساسة. ولكن جرحاً كبيراً أصاب ضمير أجهزتنا بشكل عميق بسبب إقصاء رؤساء فروعنا وأجهزتنا الذين قادوا المقاومة الوطنية في 15 تموز من خلال التحجج بمصطلحات غامضة مثل “الترهل البنيوي”.
الأمر الأكثر خطورة هو ظهور فئة ترى نفسها متفوقة فوق لجان حزبنا وتحاول إدارة الحزب مثل كيان مواز، وإقصاء المسؤولين المنتخبين واللجان في الحزب.
إن ضعف الحماس الذي لوحظ في الانتخابات الأخيرة في مؤسساتنا إلى حد ما، ما هو إلا نتيجة الإحباط الناجم عن عدم الوفاء تجاه عناصر أجهزة ومؤسسات الحزب التي أظهرت تضحيات كبيرة في السابق.
من جهة أخرى،إن تضييق صلاحيات الشخصيات المنتخبة مباشرة من الشعب في الانتخابات العامة والبلدية، لصالح لجان الحزب ومجالس البلديات، أو إجبارهم على ترك المنصب عبر الاتهامات والضغوط، ألحق ضرراً بالمؤسسة السياسة ووجه ضربة قوية لمبدأ سلطة الإرادة الوطنية ولارتباط حزبنا بالنسيج الاجتماعي.
من أبرز المبادئ التأسيسية لحزبنا، هي الاعتماد على “العقل المشترك”، لقد نال حزبنا تقدير شعبنا عبر اجتيازه العديد من الأزمات الصعبة بفضل آليات الشورى المؤسساتية والعقل المشترك. لكن وللأسف، فإن هيئات وآليات الشورى التي تساهم في تجسيد العقل المشترك لدى حزب العدالة والتنمية، إما أنه تم إقصاؤها بشكل كامل أو إنها فقدت وظيفتها بسبب احتكار المصادقة عليها من قبل رأي واحد ومعيّن. في هذا الإطار، يجب تفعيل الوظائف الحقيقية للبنية المؤسساتية لحزبنا والاستفادة من المقترحات القادمة من التشكيلات الحزبية الفرعية، لاتخاذ القرارات السياسية في أرض الواقع.
لا يمكن التضحية ببلدنا وحزبنا الذي تأسس بدموع شعبنا، وجهوده، وأفكاره ومشاعره، في سبيل فئة وقعت أسيرة لأطماعها الشخصية وباتت تتبع مصالحها الذاتية. في هذا الإطار، يتوجّب وبأقرب وقت، تعزيز البنية المؤسساتية لحزبنا، وتفعيل آليات الشورى والعقل المشترك وعودة تشكيلاتنا الحزبية إلى وظيفتها الأساسية وإعادة تأسيس روابطنا مع الشعب مرة أخرى على أرضية من التواضع.
إعادة النظر من قبل حزبنا في النتائج الانتخابية، يجب أن تشمل أيضاً سياسة التحالفات أيضاً. لا شك أن الحوار، والتعاون البنّاء وتطوير المفاهيم المتبادلة بين الأحزاب، هام جداً من حيث ديمقراطيتنا ووحدتنا الوطنية. وفي هذا السياق، كانت بيئة التعاون والحوار عن كثب الذي تجسّد في روح ميدان “يني كابي” في أعقاب مرحلة 15 تموز (2016)، خطوة صائبة. بالرغم من هذا، فمن الواضح من خلال النظر إلى النتائج الانتخابية الأخيرة بأن سياسة التحالف أضرت بحزبنا سواء من حيث نسبة الأصوات، وأيضاً من حيث الهوية الحزبية. ولم يستطع حزبنا تحقيق أهدافه سواء داخل التحالف نفسه أو في مقابل التحالفات الأخرى، وخسرنا العديد من البلديات التي كنا نديرها.
إضافة إلى ذلك، وضعت سياسة التحالف حزبنا ضمن نطاق لغة وهوية سياسية ضيّقة، وأضرت بالموقف الخاص بنا والقائم على احتضان كافة مناطق ومجتمعات بلدنا. في هذا الإطار، يتوجّب على حزبنا إعادة النظر في سياسة التحالف ضمن سياق تحليلها الصحيح لنتائج الانتخابات الأخيرة. ففي نفس الوقت نحرص فيه على التعاون الوثيق مع الأحزاب المختلفة حول القضايا التي تهم بلدنا، يجب أيضاً الحفاظ على الهوية والفلسفة السياسية الخاصة بحزبنا.
باختصار، حزبنا يحتاج اليوم إلى تجديد من كافة النواحي. الأعوام الـ 4 المقبلة والخالية من الانتخابات، تعطينا الفرصة المناسبة واللازمة من أجل هذا التجديد. إن استطاع حزب العدالة والتنمية تحقيق هذا التجديد الجذري خلال هذه المرحلة، يمكنه استعادة مكانة الخطاب والمكانة السياسية التي فقدها. والأهم من هذا كلّه، يمكنه استرداد التفوّق المعنوي الذي يخسره بسرعة.
وبما أنه من غير المتوقع التخلّي عن هذه الأمانة وهذا الإرث التاريخي الكبير، بغض النظر عن شخصياتنا الفانية، فلقد وجدت أنه من الضرورة مشاركة آرائي في القضايا التالية، ضمن إطار الحديث عن مستقبل بلادنا.
التحالفات التي جاءت تزامناً مع الانتقال إلى النظام الرئاسي في الحكم، لم تنجح في إزالة التبعثر السياسي على عكس ما كان متوقعاً، بل أدت إلى حدوث الاستقطابات السياسية وإلحاق الضرر بالقيم المشتركة التي تحافظ على وحدة مجتمعنا. كما أن الخطابات القاسية الصادرة من بُنى التحالف والتي تشجع على الاستقطاب خلال الفترة الانتخابية، أوصلت الاستقطاب السياسي إلى مراحل خطيرة، فضلاً عن إلحاقها الضرر بسلامنا الاجتماعي والوعي المشترك لدينا.
المتنافسون في الانتخابات هم منافسون سياسيون وليسوا أعداءً، أما الفائز فيها هو شعبنا و ديمقراطيتنا، بغض النظر عن الأشخاص. وإن احترام نتائج الانتخابات هو واجب الساسة قبل غيرهم. القلق حول وجود وبقاء الدولة، لا يمكن أن يكون مبرراً لإضعاف الديمقراطية. بل على العكس، إن الديمقراطية هي أساس بقاء ووجود دولتنا.
نتيجة لوصف المنافسين بالأعداء من خلال خطابات الصراع على البقاء والوجود، والاستقطاب الذي يتجاوز حدود المنافسة السياسية، نتيجة هذا كله رأيناها للأسف في الاعتداء البشع بأنقرة خلال حادثة جنازة شهيد كان من المفترض أن يوحدنا جميعاً. مرة أخرى أندد بالاعتداء الذي استهدف زعيم المعارضة، وأدعو الجميع للتحرك ضمن النظام الديمقراطي والابتعاد عن الخطابات السياسية الاستقطابية.
إن العنصر الرئيس من أجل استقرار الشعوب، وبقاء الدول وأنظمة المجتمعات، هو الوعي المشترك. الحقيقة الأساسية التي ينبغي علينا جميعاً تذكّرها في كل لحظة: الجمهورية التركية هي إرث الإرادة المشتركة والصمود لـ 82 مليون مواطن. وبالتالي، يجب ألا يتعرّض لخطاب الكراهية بأي شكل من الأشكال أي شخص يحمل هوية الجمهورية التركية التي تُوّجت بالكرامة الإنسانية، سواء من قبل صاحب منصب أو نفوذ، وألا يتعرّض للتمييز بسبب عقيدته، وجنسه، ومعتقداته، ولغته، وعرقه، وفكره السياسي، ومفهومه الفلسفي ونمط حياته.